هل اتجاه جماعة الاخوان في مصر نحو العنف ممكن؟

حجم الخط
0

حالة استقطاب خطير تشهدها مصر، وصلت حد التشكيك بالاخر، واتهامات متبادلة ما بين التكفير والتخوين، تنبئ بسقوط مصر في براثن الفوضى والعنف، حتى لو بعد حين، خصوصاً في ظل احتدام حالة من الصراع والعنف والفلتان الامني في المنطقة العربية كلها. جاء تفاقم الحالة التي تعيشها مصر بعد فجيعة عملية القتل الواسعة، التي قادها الجيش ضد مؤيدي جماعة الاخوان، والتي أُلحقت بفرض حالة الطوارئ في مصر، وما تبعها من اعتقالات وقمع عنيف للمتظاهرين، وفرض قرارات بمنع التجوال في عدد من المحافظات المصرية، بما يعيد التذكير بالدولة العميقة التي لم تفلح ثورة المصريين من استئصالها أو حتى تحييدها.
إن ما أقدم عليه الجيش بقيادة السيسي من عزل للرئيس مرسي، حتى أن جاء تلبية لارادة ملايين المتظاهرين في الشارع المصري، بعيد كل البعد عن الطريق الديمقراطي المعروف، ويتجاوز ارادة شريحة أخرى من أبناء الشارع المصري. وكان على الجيش القوي القادر على عزل الرئيس أن يفرض بالقوة استفتاء شعبياً، يرضي المتظاهرين وينصف الآخرين، ويحقق الديمقراطية التائهة في مصر اليوم. إن تمادي السيسي باجراءاته التدريجية تجاه جماعة الاخوان، عكس نية الجيش المبيتة لقلب نظام حكم الرئيس مرسي. فعلى الرغم من اعلان مؤسسة الجيش المتكرر عن عدم نيتها الانخراط في السياسة، الا أن تصريحات السيسي التي سبقت انقلاب الجيش على مرسي عكست امكانية تدخل الجيش. تُبع ذلك بطلب الجيش تفويضاً شعبياً لمحاربة ارهاب جماعة الاخوان ‘المفترض’، على الرغم من اصرار الجماعة، حتى ذلك الوقت، على انتهاجها الطريق السلمي المتعارف عليه في مصر من اعتصامات ومظاهرات، ولم تختلف ممارسات الجماعة في ذلك عن التيارات السياسية الاخرى في تعبيرها عن الرفض.
إلا أن اقدام الجيش على فض اعتصامات الجماعة السلمية في ميداني رابعة العدوية والنهضة، بدموية لم تشهدها مصر من قبل، باستثناء حادثة القلعة في عهد محمد علي، فتح الباب واسعاً أمام التشكيك بسياسة الجيش وطريقته في حل الازمة المصرية. فقتل أكثر من ألف مصري خلال يومين، لا يمكن أن يفسر إلا في اطار سعي الجيش إلى استدراج جماعة الاخوان نحو العنف، خصوصاً أن الجيش تمادي بعد ذلك في اعتقال أغلب قيادات الجماعة، وعلى رأسهم مرشدها محمد بديع، الذي اعتقل أمام الشاشات المتلفزة، في إجراء لم تشهد الجماعة مثله طوال عهدها، فلم تعتقل السلطات المصرية مرشداً عاماً للجماعة، وهو على رأس سلطته قط.
إن ما لجأت اليه جماعة الاخوان في مصر من رفض لممارسات الجيش، من عزل للرئيس مرسي وقمع للاعتصامات، وقتل لمؤيدي الجماعة واعتقال كوادرها، رد فعل تدريجي ولم تتضح نية الجماعة المبيته باتخاذ العنف نهجاً وطريقاً لعملها. فالاعتصامات السلمية التي دعت اليها الجماعة رداً على اقصاء الرئيس لا تعد خروجاً عن أداء الشارع المصري عموماً خلال الثورة المصرية، التي شكلت الاعتصامات السلمية خلالها مظهراً مألوفاً متعارفاً عليه، كشكل من أشكال التعبير عن الرفض. وقد بدأ المصريون بانتهاج ذلك الشكل من أشكال التعبير عن المعارضة منذ بداية الالفية الجديدة في مصر، بالتزامن مع الضغوط الغربية لفرض مظاهر الديمقراطية والتخفيف من حدة سلطوية نظام الرئيس المخلوع مبارك.
كما أن رد فعل الجماعة في الدفاع عن نفسها خلال فض اعتصامي رابعة والنهضة وبعدها، بقي ضمن حدود العنف المألوف في الشارع المصري، خلال العامين الاخيرين، كرمي الزجاجات الحارقة، ثم ما لحقها من حرق لمقرات أمنية وغيرها، فمنذ انطلاق الثورة المصرية شهدت مصر احراقا للعديد من المباني الاثرية والتاريخية والحكومية، في مشهد لم تكن جماعة الاخوان جزءا منه، حتى ان عددا من مقرات جماعة الاخوان تم حرقها خلال تلك الفترة.
كما جاءت الاتهامات للجماعة باطلاق النار على رجال الجيش والشرطة، من دون تدقيق ومتابعة، في ظل بروز حالة من الفلتان الاعلامي، الذي ابتعد كل البعد عن القواعد الاعلامية الرصينة، فلم يلق الجيش القبض على أحد هؤلاء الملثمين والكشف عن هويته وتأكيد تهمة تورط الجماعة، كما لم يتم رصد صور لأحد كوادر الجماعة، وهو يحمل السلاح، وبقيت التهم تلقى بشكل عابث. في حين أن العديد من التقارير الاعلامية أكدت قتل القناصة الامنيين للعديد من معتصمي رابعة والنهضة، منهم صحافيون أجانب، كما أن أعمال القنص من قبل قوات الامن مثلت مشهدا بارزا في قتل المتظاهرين خلال الثورة، بالاضافة الى استخدام النظام المصري للبلطجية لاثارة الفوضى والبلبلة وأعمال القتل بين الثوار طوال عهد الثورة.
يتضح من متابعة متأنية على الارض أن الجماعة لم تكن تنوي الاتجاه نحو العنف والانقلاب على الدولة المصرية، حتى بعد الانقلاب على الرئيس مرسي، ويأتي ذلك التفسير في اطار تتبع ممارسات الجماعة طوال عهدي الرئيسين السادات ومبارك، حيث بقيت ردود أفعالها على اجراءات قمع النظام في حدود ضبط النفس، وعدم تحدي الدولة المصرية، واصرارها على النأي بنفسها عن الجماعات الاسلامية الأخرى التي اتهمت بالعنف ضد النظام.
وعلى الرغم من اعتماد الجماعة على اتجاهين لاحداث التغيير وتحقيق أهدافها، يأتي الأول منها باستخدام القوة ضد المحتل لتحقيق التحرر، بينما يقر الثاني باستخدام الوسائل السلمية، واعتماد خطة طويلة الأجل لإعادة التربية والتنشئة السياسية في المجتمع المصري وفق المبادئ الإسلامية، إلا أن الجماعة لم تنبذ أو تستبعد استخدام القوة بالمطلق في تحقيق الاتجاه الثاني. وتقر الجماعة بأنها ستستخدم القوة العملية، عندما لا تجد غيرها، وحين تثق بأنها قد استكملت عدة الإيمان والوحدة. وتعتبر الجماعة أن القوة ضرورة ويحق لها أن تكون قوية، فالقوة تعكس شعار الإسلام في كل نظمه وتشريعاته، وتعتبر الجماعة أن من حقها اللجوء إلى القوة في حال منعت من نشر دعوتها بالطرق السلمية.
وقد أنشأت الجماعة جهازها السري منذ عهد (البنا) الذي اتهم بارتكاب العديد من جرائم الاغتيال، واستخدام العنف داخل المجتمع المصري، رغم تبرؤ الجماعة رسمياً من ممارساته، واعتقاد البعض بأن الجهاز السري قد خرج عن سيطرة الجماعة. ويبقى رفض الجماعة لأفكار سيد قطب من دون أن تتبرأ الجماعة منه كقائد ومنظر لها، بمثابة مؤشر إضافي على عدم استبعاد لجوء جماعة الإخوان للقوة لتحقيق أهدافها السياسية.
وتفيد الشواهد الأولية وتصريحات قيادات الجماعة، بعد اصرار الجيش على قمع الجماعة وتجنب المصالحة معها، إلى أن امكانية استخدام القوة وارد، خصوصاً بعد تعيين الجماعة محمود عزت، الذي يحمل أفكار اليمين المحافظ فيها، والموجود خارج الدولة المصرية، كمرشد سري. وقد يساعد جماعة الاخوان في ذلك، الوضع الداخلي والاقليمي المحيط بمصر، فداخلياً تعاني مصر من وجود جماعات ارهابية عنيفة في سيناء، لم يفلح الجيش المصري في احتوائها بعد، قد تلجأ اليها جماعة الاخوان لتحقيق أهدافها والانتقام من الجيش. كما أن الاوضاع الاقليمية التي تعاني مأزقا أمنيا خطيرا في سورية ولبنان والعراق وليبيا، تسمح بانتقالها إلى مصر خصوصاً عبر الجوار الليبي.

‘ كاتبة فلسطينية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية