المسكوت عنه في مشروع الاستفتاء

حجم الخط
3

مع نشر هذا المقال لن يكون هناك إلا قليل من الوقت يفصلنا عن موعد إجراء الاستفتاء في إقليم كردستان العراق لتقرير مصير شعبِ مُحاصر بإكراهات الجغرافيا، إذ توزع أبناؤه بين دول تبنت سياسة الحديد والنار لفرض التجانس القسري وانصهار هوية الأقليات في بوتقة الشعارات التي ما أثمرت إلا المزيد من الهزائم على المستوى الخارجي، وتفاقم القمع على المستوى الداخلي.
من الواضح لمن تابع التطورات المتلاحقة خلال السنوات الثلاث السابقة في الساحة العراقية، أنَّ ظهور تنظيم «داعش» كان تحدياً كبيراً للدولة العراقية، بحيثُ توقع المراقبون أنَّ انهيار الجيش العراقي وسيطرة «داعش» على مساحات واسعة من الأراضي وسط العراق يُحتمُ إعادة النظر في هيكلية الحكم والتحري عن العوامل وراء هشاشة الأنظمة الدفاعية، في بلد يتسمُ بالتنوع والتعددية العرقية والمذهبية، إن أريد للعراق البقاء والاستمرارية، لكن لا يبدو أن تلك الهزيمة الساحقة فتحت باب المراجعة بوجه سياسات نظام المُحاصصة الطائفية والعقلية المذهبية، التي أدت إلى تشرذم إرادة العراقيين، وأفشلت مشروع بناء عراق جديد يستوعب أطيافا وتيارات مختلفة، الأمر الذي عزز الخطاب الانفصالي لدى المكون الكردي، وبدأت القيادات الكردية الترويج لمشروع بناء دولة مُستقلة عن العراق، هنا لا يمكن تغافل دور الكرد في عراق ما بعد 2003، إذ شاركوا في كتابة الدستور، وارتأت القيادة الكردية ضرورة البقاء داخل الكيان العراقي في إطار نظام اتحادي، وشهدت مدن إقليم كردستان ازدهارا ونمواً اقتصادياً مع ما تمتعت به الحكومة من الاستقلالية في قراراتها عن المركز، إضافة إلى وجود الكرد في مناصب سيادية في بغداد، وفقاً لاستحقاقهم المستند إلى مبدأ المحاصصة، إذ شغلت شخصيات كردية على مدى عقد ونيف وحتى الآن، منصب رئيس الجمهورية، وزير الخارجية، رئيس هيئة أركان الحرب، فوق ذلك أن النواب الكرد في مجلس النواب العراقي لم يغِيبوا عن الدورات البرلمانية منذ بدء المؤسسة التشريعية أعمالها في مرحلة ما بعد سقوط النظام البائد، بينما تصرُ القيادة الكردية على المضي لإجراء الاستفتاء وإعلانها التوصل إلى قناعة بأنَّه لم يعد بالإمكان الحفاظ على شعرة معاوية مع بغداد.
يحقُ للمراقب أن يتساءل ماذا عَمِلت القيادة الكردية في بغداد منذ 2003؟ هل يُعقل أنه بعد ثلاث عشرة سنة اكتشف هؤلاء أصحاب المعالي والفخامة بأن مناصبهم كانت كارتونية؟ ونحن نقول ذلك لا يغيبُ عنا ما قاله رئيس إقليم كردستان عن شعورهم بالندم للمشاركة في كل الحكومات التي تعاقبت على إدارة دفة السلطة منذ 2003، لكن لا يساورنا الشكُ بأنَّ هذا الكلام لا يكونُ مُقنعا بالنسبة للمتابع الذي شاهد تسابق الأطراف الكردية على تسنم الوزارات والتوظيف في القنصليات العراقية، هذا إلى جانب أنَّ التذرع بإخفاق مبدأ الشراكة، وعدم التزام بغداد بالاتفاقيات والبنود الدستورية لإعلان الانفصال عن العراق، يضع علامة استفهام على كفاءة من مثلَّ الكرد في بغداد، من جانب آخر هل هم كانوا ضيوف شرف على وليمة الحكم فقط؟ هنا يقتضي التحليل الموضوعي إلقاء اللوم على الجانبين، بغداد والقيادة الكردية في آن، لفشلهما في إيجاد الحلول للملفات الخلافية، وعدم التوصل لصيغة توافقية، وما يزيدُ من سخونة الأوضاع ويعقد المشهد السياسي في العراق، أن مشروع الاستفتاء يأتي في ظل مرحلة حساسة تمر بها المنطقة، إذ أن الحرب ضد الإرهاب لم تضع أوزارها بعدْ، كما أن دول الجوار تُعارض عملية تجزئة وشرذمة العراق، ليس ذلك فحسب، بل إن الدول التي تعتبرها القيادة الكردية حليفة لها تؤكد على التبعات الخطيرة لمشروع الاستفتاء، بحيثُ صرح مبعوث الرئيس الأمريكي إلى التحالف ضد «داعش» بريت ماكغورك بأن (الاستفتاء ينطوي على قدر هائل من المخاطر لا يمكن للولايات المتحدة السيطرة على تداعياته).
زدْ على ذلك إن الدول المجاورة ترفضُ مشروع الاستفتاء، وهناك مشاورات مستمرة بين إيران وتركيا حول الخيارات التي يجبُ اللجوء إليها لثني القيادة الكردية عن هذا القرار، ومن المعلوم أن اقتصاد الإقليم يعتمدُ فقط على عائدات النفط، ولا وجود لمصادر اقتصادية أخرى، واذا قطعت تركيا الطريق على تصدير النفط إلى الأسواق العالمية فلا وجود لما يعوض المنفذ التركي، كما أن المناطق المتنازع عليها تُعدُ قنبلة موقوتة لا تنفع الشعارات الرنانة في معالجتها والتغطية على خصوصيتها، إذ ما فتئت الأقليات الموجودة في تلك المناطق تؤكد على اعتراضها لإجراء الاستفتاء ضمن حدود مدينة كركوك ومحيطها، وذلك يوضح وجود تسارع في قرار الاستفتاء، من دون انخراط سلسلة من المفاوضات مع بغداد ودول الجوار وإقناع جميع الأطراف الإقليمية والدولية بما يستوجب قرار الانفصال عن العراق، لأن القيادة الكردية حتى لو نجحت في الانفصال عن العراق وإقامة دولة مستقلة، ستكون محكومة بمنطق جغرافي يجمعها ببلدان أخرى، وأي كيان سياسي إذا لم يفلح في التواصل مع حزامه الجغرافي لن يستمر طويلاً، ويخطئ من يقارن التجربة الكردية بمشروع الكيان الإسرائيلي الدخيل، الذي حاربته كل الدول العربية، لإنَّ إسرائيل حظيت بدعم أمريكا، ويعرف الجميعُ مشروع الجسر الجوي الذي من خلاله أمدت أمريكا القوات الإسرائيلية بالمعدات العسكرية أثناء حرب 1973 مع مصر، وإن كانت ثمة ثوابت في سياسية أمريكا فهي تتمثل في دعم ومساندة إسرائيل وضمان تفوقها العسكري، فضلاً عن كل ما سلف ذكره فإن العقدة الإساسية في المعادلة هي غياب التوافق الكامل بين الأطراف الكردية، ما يشرع الباب على سيناريوهات خطيرة ويدرك المُتبصر وجود تباين في مواقف المدن الكردية حول مشروع الاستفتاء، وإن غالبية المواطنين يطالبون بإيجاد الحلول للأزمات الاقتصادية، مؤكدين أن مشروع الاستفتاء ليس إلا قفزاً في المجهول.
وهنا لا بدَّ أن نشير إلى أن وجود الكرد في بغداد، حفظ التوازن في توزيع المناصب بين الحزبين الرئيسيين في الإقليم، فماذا سيكون الأمر إذا توقفت كفة بغداد في الميزان؟ وكيف يمكن معالجة مسألة العائدين؟ قصارى القول في هذا السياق هو أن القيادة الكردية أمام خيارين صعبين، في حالة نجاح مشروع الاستفتاء فإن الرؤية حوله غير واضحة، وإذا تراجعت عن المشروع ستعتبر أول من أحرقت ورقة القضية الكردية.
كاتب عراقي

المسكوت عنه في مشروع الاستفتاء

كه يلان مُحمد

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية