يتصاعد الكلام في الآونة الأخيرة عن ضرورة القيام بعمل ما ضد النظام السوري، على خلفية استخدام أسلحة كيميائية في حربها الدموية والمستعرة مع المعارضة المسلحة، فبعد مرور حوالي العامين ونصف العام على هذا النزاع الشرس، فإن يومياته ما تفتأ تكشف عن تطورات جديدة وخطيرة في آن واحد من شأنها أن تدخل المنطقة برمتها في نفق شديد الظلمة، ولربما لن يكون هناك نور في نهايته، فإذا ما صحت التصريحات والتحركات المحمومة والمتسارعة، وكانت تعبيرا حقيقيا عن عمل عسكري ما يحضر لسورية بعيدا عن الضغوط النفسية وغير النفسية على نظام دمشق وحلفائه، فإن تداعيات هذا العمل بالتأكيد سوف لن ينحصر في نطاق سورية وحسب، بل يمكن لكرة النار أن تتدحرج لتشمل كافة دول الشرق الأوسط، بحسب طبيعة العمل العسكري المزمع القيام به ضد سورية ونطاقه وأهدافه. إن أي قراءة لتوقيت الحديث عن العمل العسكري ضد سورية وسياقاته العامة لا بد أن تستوقفه الملاحظات التالية: أولا: إتيانها في سياق إقليمي متحرك ومليء بالمتغيرات العميقة، خاصة على مستوى التفجيرات اليومية والإرهابية في العراق، إضافة إلى تفجيري الضاحية الجنوبية وطرابلس، زيادة على أحداث مصر وما جرى من إطاحة الرئيس محمد مرسي، وما تلاه من فض لاعتصام الإخوان المسلمين، خاصة في ساحتي ‘رابعة العدوية ‘و’النهضة’، وما استتبع ذلك من أحداث مؤلمة ما تزال لم تهدأ فورتها لحد الساعة. ثانيا: التطورات الميدانية المتلاحقة والمستمرة في سورية، التي تجعل موازين القوى على الأرض تميل باستمرار لصالح النظام السوري، خاصة بعد استعادة القصير ومناطق أخرى على غاية من الأهمية الإستراتيجية، مما يجعل الذهاب لتسوية سياسية للأزمة أمرا غير ممكن، خاصة بالنسبة للمعارضة السورية وحلفائها نظرا لضــعف موقفـــها ومركزها وانعدام أي متكئ حقيقي لها على مستوى معادلات الميدان. ثالثا: الحديث المكثف عن استخدام السلاح الكيميائي في النزاع السوري، وبشكل أكثر منهجية وحدة من السابق، وفي هذا الإطار فإن الغرب بزعامة الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها قد أصدروا قرارهم بتحميل النظام السوري مسؤولية استخدام هذا السلاح، تماما كما أصدر حلفاء دمشق، وعلى رأسهم روسيا، قرارهم باتهام المعارضة المسلحة بذلك الاستخدام. رابعا: تأتي التصريحات الأمريكية ومعها الغربية في وقت كثر فيه الحديث والتنظير عن انحسار قوة الولايات المتحدة الأمريكية، وتراجع قدراتها عما كانت عليه في السابق، وعدم استطاعتها الدخول في أي حرب أخرى، خاصة أن الوحل العراقي والأفغاني مازال ماثلا أمامها، ومازالت أثاره العميقة بادية على الجسم الأمريكي. ومهما يكن من أمر فإن القرار الأمريكي باستخدام القوة العسكرية ضد نظام بشار الأسد تحكمه اعتبارات إعادة التوازن للمعطيات الميدانية، بشكل يسمح لها بالذهاب إلى التسوية السياسية للأزمة السورية وفي جعبتها ما يمكن المساومة عليه، وعليه فإن الدفع بالعملية السياسية عبر ‘جنيف 2’ أو غيره هو الهدف الرئيسي من أي عملية عسكرية على سورية، وبالتالي فإنه لا مجال للحديث عن أي سيناريو عراقي في سورية، من شأنه أن يورط الولايات المتحدة الأمريكية وحلفاءها في مستنقع آخر، يجعلها فريسة سهلة أمام حلفاء سورية اليقظين والمتربصين، وربما المتمنين لأن تتورط الولايات المتحدة في حرب طويلة على سورية، مما سيشكل فرصة سانحة للمزيد من استنزافها وإشغالها في حرب خاسرة على المدى الإستراتيجي مهما كانت حسابات الغرب، وبالتالي فإن الحديث عن السلاح الكيميائي لا يعدو كونه مجرد ذريعة شبيهة بذريعة امتلاك نظام صدام حسين لأسلحة دمار شامل، التي شُنت على أساسها حرب كبيرة جدا، سرعان ما تبين كذبها وعدم صحتها، فبغض النظر عن اتهامات حلفاء سورية للمعارضة المسلحة، وبعيدا كذلك من إدانة الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها لسورية، فإن المنطق السليم يقضي بانتظار إعلان لجنة التحقيق الدولية عن استنتاجاتها وخلاصاتها وبراهينها في هذه المسألة، لا الإسراع بشكل مريب وغير مقنع تماما لتكريس حل عسكري ما فتئ الغرب نفسه يتحدث عن عدم إمكانيته وعدم جدواه، ومن جهة أخرى فإن التحليل السياسي لمسألة الكيميائي في ‘الغوطة الشرقية’ يؤدي بنا إلى الجزم بعدم وجود أي مصلحة للنظام السوري في استخدام السلاح الكيميائي، خاصة مع التقدم الميداني المستمر والنوعي الذي يحرزه الجيش النظامي على حساب المعارضة المسلحة، كما أنه لا يعقل أن يقوم أي نظام مهما كانت بلادته باستخدام هذا السلاح في نفس يوم دخول بعثة التحقيق الدولية لأراضيه لمباشرة مهامها. من الزاوية القانونية فإن أي عمل عسكري ضد أي دولة مهما كان مدى خرقها للقانون الدولي يجب أن تمر عبر القنوات الدولية لتحظى بالشرعية اللازمة، أي عبر مجلس الأمن، احد أبرز الأجهزة التقريرية للأمم المتحدة، وإذا كان هذا هو ما يجب أن يكون، فإنه في الحالة السورية لا مجال للحديث عن أي إمكانية لاستصدار قرار أممي يعطي الشرعية لأي عمل عسكري ضدها، نظرا للموقف الصلب لروسيا والصين اللتين سبق أن استعملتا حق النقض ‘الفيتو’ في مناسبتين لصالح سورية، كما أن هناك دولا أخرى بالأمم المتحدة تعارض أي ضربة لسورية، وأخرى تشترط موافقة مجلس الأمن الدولي عليها، كما هو الشأن بالنسبة لإيطاليا، مما يجعل أمر توجيه أي ضربة عسكرية لدمشق ستكون خارج الأطر القانونية والشرعية للمجتمع الدولي، كما كان الشأن بالنسبة لأعمال عسكرية سابقة، تجاوزت فيها الولايات المتحدة الأمريكية كل ما يسمى بالقانون الدولي والأمم المتحدة، فكيف سيكون التدخل العسكري للولايات المتحدة الأمريكية في سورية؟ هناك سيناريوهان أساسيان يطرحان نفسيهما في هذا الإطار: السيناريو الأول: قيام الولايات المتحدة الأمريكية بصفة منفردة بضربات صاروخية محدودة ومن بعيد، عبر بوارجها البحرية التي تحركت في اتجاه المنطقة، والتي ستستهدف نقاطا رمزية وجد محدودة، من دون أن تؤدي إلى ردود أفعال انتقامية لسورية، خاصة اتجاه إسرائيل. وهنا تجدر الإشارة إلى أن سورية تمتلك قدرات صاروخية ودفاعية محترمة، كما أن جيشها يعد من أقوى جيوش المنطقة على المستوى التقليدي. السيناريو الثاني: إشتراك الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها الغربيين بعمل عسكري في إطار منظمة حلف الشمال الأطلسي ‘الناتو’، وذلك بتوجيه ضربات جوية وعبر البوارج البحرية وبشكل محدود أيضا، حتى لا تفلت الأمور إلى حرب إقليمية تحمل في طياتها الكثير من المخاطر والكوارث لعموم المنطقة، بل ستكون لها تداعياتها السلبية حتى على مناطق أبعد. خارج إطار هذين التصورين لطبيعة العمل العسكري ضد سورية لا يمكن تصور أي سيناريو آخر، أخذا بعين الاعتبار الظروف الدولية والمعطيات الموضوعية والذاتية الحالية، ونظرا أيضا للتكلفة الهائلة لأي تورط بري أو لأي ضربات موجعة للنظام السوري، الذي لن يجعل حلفاءها يكتفون بالتفرج على الأوضاع، على الرغم من التصريح الروسي الذي عبر عن عدم نية روسيا الانجرار إلى أي حرب إذا ما ضربت سورية، والحقيقة أنه وعلى الرغم من غرابة ومجانية هذا التصريح الروسي إلا أن قراءته من زاوية أخرى يمكن أن يعطينا فكرة عن مدى وطبيعة هذه الضربة، التي ستكون جد محدودة ومتفاهما عليها مع موسكو. عموما فإن القوم يبدو أنهم قد أجمعوا أمرهم على ضرب سورية بعدما ضربت ليبيا ومن قبلها العراق وأفغانستان والسودان وغيرها، فقيادات أركان حوالي عشر دول قد اجتمعوا بالأردن لتدارس الأوضاع بسورية، والجيش الأمريكي جاهز لمهاجمة سورية فورا في حالة ما أمر الرئيس باراك أوباما بذلك، والقوات المسلحة البريطانية عاكفة على وضع خطط لهذه الضربة، كما أن فرنسا بدورها في حالة استعداد لذلك، و’إسرائيل’ أكملت استعداداتها لإعلان حالة طوارئ تحسبا لأي ضربات صاروخية سورية، والمضحك المبكي في آن ان جامعة الدول العربية فرشت الأرضية للغرب من أجل المضي قدما في نيتهم مهاجمة سورية، فقد حملت الحكومة السورية مسؤولية استخدام السلاح الكيميائي، حتى قبل انتهاء التحقيق الدولي بهذا الشأن، لتختار بذلك كما هو شأنها غالبا الاصطفاف إلى جانب الولايات المتحدة والغرب لضرب دولة من المفروض أنها تنتمي إليها مهما كان قرار تعليق عضويتها. يبقى أنه في ظل كل هذا التصعيد والكلام الجازم حول الحرب ضد سورية وطبيعتها وسيناريوهاتها وكذا توقيتها الذي حددته قناة الـ’سي إن إن’ الأمريكية في غضون الأيام القليلة المقبلة، فإن إعادة قراءة المعطيات في المنطقة وحسابات الربح والخسارة التي تؤطر أي عمل حربي يمكن أن يسفر عن تراجع الولايات المتحدة الأمريكية عن أي ضربة مهما كانت محدوديتها، إذا ما قدرت أنها مستهدفة بجرها لمستنقع يبدو أنه أكثر خطورة واستنزافا من المستنقع العراقي والأفغاني، فرجال حزب الله اللبناني من تحتهم والحرس الثوري الإيراني من فوقهم والروس من خلفهم، وبالمناسبة فإن سفينتين حربيتين روسيتين قد تم الدفع بهما للتوجه نحو شرق البحر الأبيض المتوسط، تحسبا لأي طارئ، كما أن الجيش السوري الذي تمرس بشكل قوي واحترافي في حروب مدن وشوارع من أمامهم، لتذهب ضغوط الحزب الجمهوري والحزب الديمقراطي سدى، كما ستذهب معها ضغوط بعض الدول العربية على الولايات المتحدة لتتدخل عسكريا في سورية أدراج الرياح، خاصة أن حديث الحرب يرافقه بشكل مواز حديث عن ضرورة الحل السلمي سواء من طرف جفري فلتمان من طهران أو من طرف بان كي مون الأمين العام للأمم المتحدة، أو من طرف عرابي الضربة العسكرية على سورية أنفسهم، فهل سيكفي الله المنطقة شر القتال؟