إسطنبول ـ «القدس العربي»: بعد أنباء سابقة عن وجود مقترحات داخل حزب العدالة والتنمية الحاكم في تركيا لترشيح شخصية وازنة وكبيرة جداً لمنصب رئيس بلدية إسطنبول الكبرى في الانتخابات المقبلة عام 2019، وعقب استقالة رئيس البلدية الحالي بشكل مفاجئ، فجرت مصادر تركية المفاجأة بالقول إن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان ينوي فعلياً ترشيح رئيس الوزراء بن علي يلدريم لمنصب رئيس بلدية إسطنبول.
«أحمد هاكان» أحد أكبر الكتاب الأتراك المقربين من دوائر صنع القرار قال في مقال له، الأحد، في صحيفة حرييت التركية، إن رئيس الوزراء بن علي يلدريم سيكون مرشح حزب العدالة والتنمية لمنصب رئيس بلدية إسطنبول في الانتخابات المقبلة.
وكتب: «بشكل قطعي ونهائي، يلدريم سيكون مرشح العدالة والتنمية لرئاسة بلدية إسطنبول، تم تقديم العرض على بن علي يلدريم، وتم قبوله، لا مجال للشكوك الأمر بات في حكم المؤكد».
هذه الأنباء، جاءت بعد أيام قليلة من إعلان رئيس بلدية إسطنبول «قادير طوباش» استقالته من منصبه بعد 13 عاماً من سيطرته على المنصب ومساهمته في تطوير ونهضة المحافظة الأكبر في البلاد، لأسباب غير معلنة حتى الآن قيل إن خلافات مع أعضاء مجلس البلدية إحدى هذه الأسباب.
لكن طرح ملف المرشح المقبل للمنصب في هذا الوقت المبكر وقبيل قرابة العامين من الانتخابات، بدأ فعلياً منذ الاستفتاء الذي جرى في نيسان/أبريل الماضي حول التعديلات الدستورية والنظام الرئاسي والانتكاسة التي عاشها الحزب الحاكم بسبب تمكن المعارضة لأول مرة منذ سنوات طويلة من حصد عدد أصوات أكبر من التي حصل عليها الحزب الحاكم الذي حصل على قرابة 48٪ من أصوات الناخبين في المحافظة.
هذه النتيجة كانت صادمة وبمثابة إنذار خطر لحزب العدالة والتنمية الحاكم الذي سيطر على رئاسة بلدية المحافظة منذ عام 2002 وأولى لها أهمية كبرى في برامجه، لا سيما وأن الرئيس التركي وزعيم الحزب تولى المنصب سابقاً لعدة سنوات وهو ما أهله للوصول لمنصبي رئيس الحكومة والجمهورية.
لكن الأمر لا يتوقف عند المكانة التاريخية والمعنوية للمحافظة، وإنما بمعادلة الفوز والخسارة بأي انتخابات تجري في تركيا، حيث تكتسب المدينة أهمية استثنائية في الانتخابات كونها أكبر المدن من حيث عدد السكان وتتميز بتركيبة مُعقدة تجعل منها «تركيا مُصغرة» تعطي مؤشراً حاسماً على الفائز في الانتخابات العامة، فمن يفوز في إسطنبول يفوز في الانتخابات التركية العامة، حسب اجتماع السياسيين والمحللين الأتراك.
وحسب آخر الأرقام الصادرة عن هيئة الإحصاء التركية، فإن عدد سكان البلاد بلغ مع نهاية العام الماضي 79 مليوناً و814 ألفاً و871 نسمة، يعيش منهم في مدينة اسطنبول لوحدها 14 مليوناً و804 آلاف و116 شخصاً، أي ما يعادل 18.5٪ من مجموع عدد سكان البلاد. لكن الأرقام غير الرسمية تقول إن سكان سادس أكثر مدن العالم ازدحاماً أكثر من ذلك بكثير.
وحسب تقديرات غير رسمية فإن اسطنبول تحتوي على قرابة 22٪ من أكثر من 50 مليون من الذين يحق لهم التصويت في الانتخابات التي ستجري في عام 2019 وستكون من أكثر الانتخابات صعوبة في تاريخ البلاد كونها ستشهد تطبيق التعديلات الدستورية الأخيرة وبدء العمل بالنظام الرئاسي وحسم ما إن كان أردوغان وحزبه سيواصلان قيادة البلاد للسنوات الخمس المقبلة، أم أن المعارضة سوف تتمكن من وضع حد لمسيرة الحزب ورئيسه بعد قرابة 15 عاماً من التفرد بحكم البلاد.
وقال أردوغان في خطاب سابق: «من يكسب إسطنبول يكسب تركيا، ومن يخسر في إسطنبول يخسر تركيا»، ومن هذا المنطلق يرى الحزب الحاكم ضرورة القيام بكل الممكن لحسم إسطنبول من أجل ضمان فوزه في عموم البلاد.
وسبق ليلدريم أن قبل خوض مهمات صعبة لصالح الحزب، حيث جرى ترشيحه للمنافسة على للحصول على مقعد في البرلمان عن مدينة إسطنبول رغم أنه ينحدر من محافظات البحر الأسود الشمالية وكان وزيراً للمواصلات آنذاك، وذلك لتعزيز رغبة أردوغان في تحقيق اختراق لصالح الحزب في المحافظة الأتاتوركية، ولاحقاً قبل يلدريم منصب رئاسة الوزراء الذي كان الهدف منه الوصول للاستفتاء وسحب صلاحيات منصب رئيس الوزراء لصالح الرئيس.
ومنذ أشهر تعمل جميع الأحزاب التركية وبشكل مبكر جداً على استعدادات واسعة للانتخابات التاريخية والمصيرية المقرر أن تجري عام 2019. وبينما يرى أردوغان في هذه الانتخابات محطة تاريخية في حياته السياسية والامتحان الأهم وصولاً لطموحه في إبقاء حزب العدالة والتنمية في الحكم حتى عام 2023 لتحقيق رؤيته السياسية والاقتصادية في البلاد، تعتبر المعارضة هذه الانتخابات فرصة مهمة للإطاحة بالحزب وأردوغان من رأس السلطة لا سيما عقب نتائج الاستفتاء الأخيرة الذي أظهر تراجعاً واضحاً في شعبية الحزب في الشارع التركي.
ومنذ أسابيع يقوم أردوغان بحملة تغييرات واسعة في أطر وأروقة الحزب يتوقع أن تتوسع لتشمل قرابة 60٪ من مسئوليه خلال الفترة المقبلة وتهدف هذه الإجراءات بالدرجة الأولى لتعزيز دور الشباب والشخصيات المقربة من الشارع وقاعدة الحزب في محاولة لتدارك التراجع الذي ظهر مؤخراً في شعبية الحزب في الشارع التركي.