تشهد المطابع ودُورُ النشر والمكتبات التونسيّة منذ اندلاع الثورة تزايُدا مُطرِدا لأعمالٍ أدبيّة اتّخذت من الثورة موضوعاً لها، ولقد بلغت هذه الظاهرة من الشيوع حدّا أمكن معه اختزال وضع الكتابة الأدبيّة الفكريّة التونسيّة اليوم في ذلك الأفق السياسيّ الثوريّ وما استتبعه من تحدّياتٍ مختلفة.
وتطالع المتأمّلَ في رفوف المكتبات الكبرى وواجهاتها عناوين تتحلّى بعبارة واحدة متردّدة بصيغ صرفيّة متنوّعة وفي محلات إعرابيّة مختلفة. وهي عبارة ‘الثورة’. فجُلّ ما يُكتَب اليوم في تونس من روايات ويوميّات وأشعار ومسرحيّات وأدبيّات نقديّة مرتبط بالثورة ارتباطا، مَوصولٌ بها بنسب قريب أو بعيد.
فهذا ديوان بعنوان ‘أشعار الثورة’ وآخر عن ‘القيادة الشعريّة للثورة’ ورواية منقوش عليها قال صاحبها أنّها أوّل رواية تنبّأت بالثورة، فضلا عن المنتديات والملتقيات وأعداد الدوريّات والمجلات واللقاءات الوطنيّة والعربيّة المتمحورة حول الثورة.
وحلّت الثورة بتحقيب زمنيّ جديد شقّ بحرَ الأدب إلى شِقينِ: شقّ أوّل يتضمّن أدبَ ما قبل الثورة، وشقّ ثانٍ يبشر بأدب ما بعد الثورة.
مثلما حلت الثورة بجغرافيا ثقافيّة جديدة صنّفت الكُتّابَ التونسيّين إلى كتّاب ثوّارٍ دهسهم النظام السابق وألقى عليهم كَلكَلَه حقّ لهم اليوم أن يتحكّموا في الساحة الثقافيّة، وفي المقابل كتّابٌ أزلامٌ تمعّشوا من النظام السابق ولابدّ أن يُوارَوا الترابَ وحقّ أن يموتوا اليوم والعين تنظر، ليُجزَوْا ما كانوا يفعلون.
لستَ مثقّفا اليوم إن لم تكتب عن الثورة … لن يُشترى كتابُك إن لم يكن ثوريّا حتى بالتلميح … ولن تكون لك شهرتك الإعلاميّة المَرجوّة ونجوميّتك المُشتهاة وقيمتك الّتي تحلم بها إلا بمقدار مردودك الوظيفيّ للثورة … ولن يكون لك وليّ إلا إذا كنتَ للثورة وليّا حميدا… هذا هو القانون الجديد الّذي فرضته روحُ الثورة، وما عليك إلاّ الإذعانُ.
هذا قانون الكُتّاب الثوّار
…..لكن أين الأدب؟؟
لكن أين الأدب؟؟
ينبغي أن نصارح أنفسنا بأنّنا لم نشهد فترة تقلّصت فيها أدبيّة نصوصنا مثل فترة ما بعد الثورة. وعلينا أن نعترف أنه لم يعش الكاتب التونسيّ استلابا وظيفيّا كهذا الّذي يحياه الآن.
أصبح الكتّاب لايكتبون ولا يفكّرون بقدرما يتباهون ويتحذلقون ويدّعون ويتنابزون.
لا يجدّون ويبحثون ويتساءلون إلاّ بقدرما يدافعون ويسوّغون ويؤسّسون لمواقف مغلقة ولعقليّة اتّهاميّة، لا يبتكرون السُبُلَ الحرّة الطليقة بقدرما يؤسّسون لتبعيّة جديدة لسلطة جديدة: هي سلطة الثورة.
ما الّذي أنجزَته عناوين كثيرة حول الثورة؟
أين مَذَاقُ الروح الإبداعيّة المغموسةِ بنكهة الثورة؟
هل صادفك، بعد الثورة، نصّ أدبيّ يحمل وجعاً خاصّا ويُخبرك عن جرح حقيقيّ نازفٍ؟
أليست ‘الكتابات الثوريّة’ مَسخا باهتا لنمط مكرورٍ؟
ألا ترى أنّ جلّ النصوص تغلب البعد الإيديولوجيّ الاختزاليّ التبشيريّ المحدود على حساب البعد التساؤليّ المعرفيّ الواسع المطلق؟
ألا تلمح أنّ الكلّ يكتب بشكل انتقاميّ محموم في حالة أشبه بالانفلات الثقافيّ حتى أصابنا اليأس من بلوغ جوهر الفنّ وغاياته، وانتابنا إيمان بعدم قدرة نصوصنا على مساجلة الثورة وتداعياتها؟
في هذا الركام الهائل من ‘الكتابات الثوريّة’ رؤية أحاديّة محدودة تتحوّل وفقها كلّ النصوص إلى نصّ واحد يرسّخ المِثليّة الثقافيّة ويستسلم إلى النمطيّة:
نصّ يقرّظ النضال ويمجّد الشباب ….
نصّ طافح بالإنشاء البلاغيّ العاطفيّ الوجدانيّ …
نصّ يحجب عوض أن يكشف …
نصّ يمتهن الإقصاء ويحيد عن الاستقصاء …
نصّ مُذعن إلى سلطة الثورة، مؤسّس لشكل جديد يستمدّ قوّته من خارج النصّ لكنّ باطنه فقير إلى ما يكون به الأدب أدبا.
لقد أصبحت الكتابة عن الثورة إذن شكلا من أشكال القهر وقوّة ً غالبة ووسيلة قمع وسيطرةٍ وإصبعا في يد جهنّميّة تتآمَر على الإنسان وتخون الكتابة نفسَها.
إنّ شعورَنا بالقلق على منزلة الأدب بين أيادي الكتاب الثوّار، أمْرٌ في محله. إذ أنّ تدخّلَ تيمَةِ ‘الثورة’ في نهر الإبداع الأدبيّ أصبح يعني صراحة ً تضحِيَتنا بأدبيّة النصوص وإهمالَ مناطق الجماليّة فيها والإعراضَ عن رصيد ضخمٍ من التراكمات الإبداعيّة كافح التونسيّون منذ أمَدٍ، لاكتسابه وتحويله إلى بصمةٍ إبداعيّة خالصة وقيمةٍ فنية ثابتة.
يقول غابريال تارد في مصنفه ‘الرأي والحشد’ ‘إنّ الحياة الجماعيّة القويّة بالنسبة إلى الدماغ خمرة مريعة’ وفي هذا المساق يمكن قراءة ما يكتبه الكتاب الّذين اتخذوا من الثورة التونسيّة المحورَ الأساسَ.
فالرأي عندنا أنّ الثورة قد مثلت بالنسبة إليهم تلوينة من تلوينات الحياة الجماعيّة القويّة وتجربة كينونة مُرّة وتخميرة عنيفة عاش بمقتضاها الكتاب الثوّار، مثل حاطبي الليل، فوضى في عتمةٍ لا علاقة لها بأسرار الإبداع، وسَكرَةً للهدم لا البناء والتشييد. وتحوّل الأدبُ عندهم فانطازما مجنونة لمكبوتات الدهور الخوالي وتشدّقا لغويّا وحُجَّة على عنتريّات مزعومة.
ويتضح إذن أنّ موضوع الكتابة قد جارَ على الكتابة نفسها. لقد حوّلت هذه الخمرة المريعة الإبداعَ الثوريّ تهالكا على الشاشات التلفزيّة والتفاهات الفايسبوكيّة والمنابر الإعلاميّة قصدَ الإبهار والتحذلق اللغويّ حدّ التسيّب والانفلات الإبداعيّ والفائض اللغويّ المجانيّ العابث.
إنّ ما يحدث مع كتاب الثورة التونسيّة اليوم، انتشاء بخمرة مريعة دوّخت الذات المُبدعة في موج متلاطم: تجانس وتبعثر، خليط وفوضى، تدفّق وانحباس، غزارة وشُحٌّ، واختلاطٌ لكلّ العلامات والقيم، وانقلاب في الشعور والمواقف والأفكار، وإحساس فاجعٌ بالمسخ والانبتات والارتداد وركوب الموجة، إلى حدّ الخشية أن تكون الثورةُ رعبا حقيقيّا في خضمّ الإبداع وشقاءً فِعليّا يلوح في الأفق الأدبيّ وسوءَ طالع على مستقبل الكتابة في تونس.
وليس من همّنا ولا في مَقدورنا في هذا السياق أن نعدّد الكُتابَ الثوّارَ وأعمالَهم الّتي تتناسل يوماً بعد يومٍ. بيْد أنه يُمكن الإقرارُ بأنّ هؤلاء الكُتاب قد اتخذوا من الثورة مجرّد تِعِلة لتقديمِ أنفسهم شهداءَ بالمعنى الاستعاريّ بطريقةٍ خطابيّةٍ مستهلكَةٍ سطحيّة خاليةٍ من الشعريّة.
والثابت لدينا أنّ الكُتابَ الثوّارَ قد صنعوا نصوصَهم مَحكومينَ بضغطِ اللحظةِ الثوريّةِ، فلم يستطع هؤلاء ‘المَصدومون’ تخليصَ نصوصِهم ممّا شابها من قولٍ كالشعر لكن ما هو بشِعرٍ.
الكُلّ مَسكونٌ بهاجس الثورة…….
فهل طالعَك نصّ ثوريّ ُ الأعماق والجذور والكَينونةِ؟
الكُلّ مَسكونٌ بهاجس الثورة…….
فهل واجهتَ نصّا يرحل باتجاه الممكن الثوريّ يخترق المقام الموجودَ ليصنع
مقاماً بديلا ثوريّا منشوداً؟
الكُلّ مَسكونٌ بهاجس الثورة……
فهل من نصّ لهؤلاء الكتاب أمكن له أن يهزأ بالزمن التاريخيّ المعلوم، أي زمن الثورة، ليُبحِرَ في زمن شعوريّ وجوديّ في بواطن الذاتِ الكاتبة؟
أبداً، إنّ المحصولَ الأدبيّ ‘الثوريّ’ لثوّار تونس من الكتاب المُغالين في الثوريّة لا يرقى إلى طموح الكتابة الثوريّة المَرجُوّة. إننا بإزاء أدبِ ثورةٍ لم ينحت ثورة في الأدب.
وإنما ظلّ أدبُهم يتخبّط في إسار مناسبة القولِ وأقاليمها الضيّقةِ، مهما تراءت وسيعَة ً، دون فضلِ إدراكٍ لنواميس نظريّة الأدب الّتي علمتنا أنّ المقالَ أوسع من المقامِ وأنّ النصوص الراقية هي تلك الّتي ترفض سُجون مناسبةٍ تاريخيّة مّا.
بل إنّ رُقيّ النصوص الأدبيّة ينشأ من عروج صاحب الأثر الأدبيّ من الخصوصيّة والظرفيّة إلى الأبعاد الكونيّة المطلقة عروجا تتضافر فيه أساليب الإنشائيّة وتنطق به الروح الإبداعيّة الخالصة.
وليس أدلّ على ذلك من نصوص محمود درويش الّتي أنشأها الشاعر تحت وطأة المجازر الإسرائيليّة وأعمال القتل والإبعاد والتهجير، لم ترتدّ َ هذه النصوص على ذاتها ولم تنكفئ على نفسها بقدرما تفارق مناسبة القول لتنطق بالعذاب الإنسانيّ في المطلق من المعنى يحدوها قلق ٌ مستمرّ يحملها حَملا على الضرب في منقطعاتِ الوجود عِوَض َ الطمأنينة والدعة على سواحلِ الحوادث الّتي يعيشها المبدع على صعيده الشخصيّ أو على الصعيد القوميّ الفلسطينيّ بشكل عامّ. وكثيرا ما تبرّم الشاعر من لقب ‘شاعر القضيّة الفلسطينيّة’ ما أثار ردّ فعلٍ عنيف من الشعراء الشبّان في غز ّة والقطاع، ولوّحوا بخيانة درويش للثورة الفلسطينيّة. والحالُ أنّ محمود درويش يؤمن أنّ المبدع ذاتٌ مهاجرة طليقة تطوّح بكلّ أرضٍ.
وبذا فهو لا يرفض هذا اللقب إلاّ بقدر تقييدِه لذاته الشاعرة المجنحة في آفاق الإنسانيّ بخصوصيّة لحظة تاريخيّة عاشها شعبه في ظرف مّا، على أهمّيّة هذه اللحظة وقوّة وقعِها.
وفضلا عن ذلك، خرج الشاعر اليونانيّ ‘ريتسوس’ من يوميّاته السياسيّة ذات التفاصيل الدقيقة إلى قصائد مُبتدَعَةٍ يلتقي فيها الثوريّ والأسطوريّ والميتافيزيقيّ كأروع ما يكون اللقاءُ.
وكذلك ‘آلان غينسبرغ’ ومجموعة هامّة من شعراء أمريكا اللاتينيّة الّذين انغرس أدبُهم في محليتهم الضيّقة لكنّهم سرعان ما أسّسوا لشعريّة الاحتجاج الإنسانيّ على عبث أيادي الامبرياليّات المتجبّرة، بصورة مطلقة.
لَيت الكتابَ الثوّارَ يعلمون…..
بما خسرته نصوصهم من ممكنات جماليّة، بالتصاقهم المرَضيّ بالواقع الموضوعيّ أكثر من تشوّفهم إلى عناصر الخيال والرؤيا والحلم والرمز…
لَيت الكتابَ الثوّارَ يعلمون….. بما شهدته الروحُ الإبداعيّة من تراجعٍ، بتقييد الأعمال الإبداعيّة في أسوارِ الواقع المُميتةِ أكثر من إيلاج الروح في خلايا الواقع لخلق مساحات للحرّية الأدبيّة …
الأدب حياةٌ ثانيةٌ …
لا تقنع بالحياة الأولى، وإنما يُحدِث الأدبُ ثورة على كلّ إحداثيّاتِ الارتكاسِ في ‘الهُنا’ الضيّق و’الآن’ الساكن، ليصنع مسافة سرمَديّة تبحث عن إحداثيّات جديدة ضرباً في سفرٍ بلا ضفافٍ وإطلالة على المطلق المفتوح والممكن اللامتناهي.
الأدب حياة ثانية …..
هَديرٌ مُندَفعٌ إلى الأعلى، شوقٌ إلى الأغيَدِ الهانئ في البعيدِ المُثقَلِ بالدَنَفِ، حنينٌ إلى الرعوش المثقلة بماءِ الحياةِ، مُعاقرَة للخفيّ المُستترِ الممهور بالهَيفِ والدماثةِ….
الأدب حياة ثانية ….
استسرارٌ للواقع لا للتخثر فيه، وإنما للتبصّر بأعماقه والرحيل باتجاه مغايبه ومتاهاته، واعتساف مجاهله الّتي لا يرودُها إلاّ الشعراءُ ….
الأدب حياة ثانية ….
عشق بلا زمانٍ ولا مكانٍ… إدراك لضيقِ المقامِ… إقلاعٌ عن عالم
المَياوِمَةِ الداجن الفقيرِ…
شهوة الذهاب في لججٍ تجهل التناهي… توقٌ إلى تكميل العالم ومعاندة النقصان والابتسارِ …
إنّ غربالَ التاريخِ لن يعترف بهؤلاء ‘الكتاب الثوّارِ’ ما لم تتخلص مُنتجاتهم الأدبيّة من الفانطازيا الاستعراضيّة المباشرة في التعبير، وما لم تحمل أعمالهم روحَ الشعريّة الثوريّة الّتي تنطق بالعِبْءِ الثوريّ قلباً وقالباً.
في هذه الظرفيّة الثوريّة، نحن في حاجةٍ ماسّةٍ إلى شعريّة للثورة عندما يستبطن الشعرُ واقعَ الثورة ويصهرها في أعماقه المتحجّبة ثمّ ينشئ ثورَته من الداخلِ في أحشاء الزمن الشعريّ، لا التاريخيّ.
*ناقدٌ أدبيّ وأستاذ مبرّز في الأدب العربيّ، الجامعة التونسيّة