تركيا وإيران أو الواقعية في العلاقات الدولية

من النظرة الأولى تبدو المؤسستان الحاكمتان في كل من البلدين الجارين تركيا وإيران على طرفي نقيض. حالة الاستقطاب التي تعيشها المنطقة والاختلاف الظاهر في المصالح، وفي وجهات النظر حيال الكثير من القضايا الإقليمية، خاصة المسألة السورية، يعزز من فرضية التناقض، ويجعل احتمالات الالتقاء على أرضية مشتركة ضئيلة جداً، أو هكذا رأى الكثير من المتابعين، من الذين كانوا يرجحون أن تنتصر هذه التناقضات، وأن تقود لإشعال فتيل حرب جديدة على تخوم العالم العربي.
لم يكن أغلب هؤلاء المتابعين دعاة حرب، ولكنهم كانوا لا يستبعدون وصول العلاقة بين البلدين للمقاطعة أو لحالة من الحرب الباردة، أو الحرب بالوكالة، استناداً لخبرة سابقة في سياقات متشابهة توترت فيها علاقات بين دول جارة لأسباب لا ترقى لأن تكون سبباً في قطع الأواصر بين دول تحمل الكثير من المشتركات.
العلاقات الدولية بالنسبة لأكثرنا هي في الغالب إما جيدة أو سيئة، لا يمكننا تصور علاقة إلا بهذا المنهج الصفري، الذي لا يتناسب مع تعقيدات التاريخ والجغرافيا والسياسة، لذلك فإنه حين طرأت أزمة إسقاط الطائرة الروسية، فإن كثيرين سارعوا للإنذار بحرب لا تبقي ولا تذر، وتوالت التحليلات التي تقيّم القوة العسكرية للطرفين وإمكانية انتصار هذا الطرف أو ذاك، حتى أنني أذكر أنني أحصيت في أسبوع واحد وقتها ما يتعدى المئة مقال وتقرير في وسائل الإعلام العربية المختلفة، كلها تحكي عن الحرب المقبلة والوشيكة مع تبني وجهات نظر مختلفة تدّعي مساندة هذا البلد أو ذاك. إلا أن هذه الحرب المتخيلة لم تحدث، بل استطاع الطرفان مع مرور الوقت تجاوز هذه المرارة وطي صفحة الخلاف، من أجل الاستمرار في علاقة استراتيجية تستند إلى مصالح مشتركة متعددة وفي أكثر من مجال. الأمر ذاته يحدث مع إيران، فلعل القارئ المتابع يذكر الضجة التي أثارها تصريح الرئيس التركي في فبراير الماضي، الذي حذّر فيه من العنصرية الفارسية، التي تود تقسيم العراق وسوريا وفق أجندة طائفية. تم توظيف هذا التصريح وتحميله أكثر مما يحتمل، خاصة أنه تم الإدلاء به إثر جولة خليجية لصاحبه، وشرع المدوّنون والمحللون يبشرون باقتراب تركيا من المعسكر الذي يتحضر لحرب وشيكة بين السنة والصفويين. وهي، للطرافة، مجرد حرب متخيلة أخرى، غير قابلة للحدوث إلا في أذهان بعض المراهقين المنفصلين عن الواقع.
هناك اختلاف سياسي بين أنقرة وطهران، وهناك أيضاً عدم ارتياح للدور الذي تلعبه الأخيرة في المنطقة، وهو ما عبر عنه الرئيس التركي ومن قبله وزير الخارجية الذي تحدث عن طهران كتهديد إقليمي، إبان كلمته في مؤتمر ميونيخ للأمن، ما جعل طهران تعده موقفاً رسمياً وليس مجرد تصريح عابر، ثم ترد عليه عبر استدعاء السفير التركي وإبلاغه احتجاجها. تعكّرت العلاقات بين البلدين لبعض الوقت قبل أن تستعيد هذه العلاقات صفوها، عبر تطور مهم وكبير تمثل في زيارة رئيس هيئة الأركان في القوات المسلحة الإيرانية اللواء محمد حسين باقري لتركيا في الشهر الماضي، في زيارة هي الأولى من نوعها منذ اندلاع الثورة، حيث التقى باقري خلال الزيارة نظيره التركي الجنرال خلوصي أكار، ورئيس الجمهورية التركية رجب طيب أردوغان، بالإضافة الى وزير الدفاع نورالدين جانكلي ورئيس جهاز الاستخبارات هاكان فيدان. ناقش الجانبان بشكل مكثف مسائل التعاون الأمني بين البلدين، وبعض القضايا المتداخلة، كالوضع في سوريا، خاصة المجموعات المسلحة الكردية الغربية، والوضع في العراق بما يشهده من تحضير إقليمي لاستفتاء على انفصال كردستان. خلق هذا التحرك ارتباكات مهمة، ومن دون الاستفادة من دروس الماضي تسرع كثيرون في اعتبار أن تركيا قد تحولت للمعسكر الإيراني، وأنها قد أصبحت الآن في خندق واحد معها. إلا أن الأمر لم يكن كذلك، بل كان يندرج ببساطة ضمن السياسة التركية المعلنة، التي ترتكز على تكثير الحلفاء الإقليميين وتوازن السياسة الخارجية، وتنويع الخيارات الاستراتيجية، بل لعل الأمر يتعلق هنا أكثر بنقطة تنويع الخيارات، حيث توصل الأتراك إلى أن في الرهان على طرف إقليمي أو دولي واحد انكشافا كبيرا. يدخل في هذا جميع الأطراف بمن فيهم الجيران العرب أو الحلفاء في الناتو أو روسيا أو حتى الولايات المتحدة الأمريكية، رغم تمتع تركيا حالياً بعلاقات مميزة ومعقولة مع معظمهم حالياً. ما جعل التفاهم مع الطرف الإيراني ممكناً بسبب حالة الضعف والعزلة التي تعيشها طهران حالياً، خاصة بعد أن أدار الأمريكيون ظهرهم لها بعد أشهر معدودة من توقيع الاتفاق النووي. الرئيس ترامب لم يتورع عن التصريح بآرائه العدائية ضد النظام الإيراني منذ أيام ترشحه الأولى وحتى خطابه الأسبوع الماضي في الأمم المتحدة.
تركيا في المقابل ليست عدوا معلناً لأمريكا أو للدول الغربية التي تشاركها تحالف الأطلسي، لكن الخلاف في وجهات النظر حيال الكثير من القضايا والضغوط التي تمارسها هذه الدول على أنقرة، إضافة لعدم التضامن معها إزاء أبرز التحديات التي مرت بها مؤخراً (الانقلاب الفاشل)، كل تلك العوامل وغيرها، كالإصرار على دعم المجموعات الكردية المصنفة إرهابية وتقويتها بالمال والسلاح، كان من أسباب تراجع الرهانات التركية على الحلف الغربي، في مقابل تقديم تحفيز إضافي للعلاقة مع طهران. لا يمكن فصل ذلك عن علاقة التعاون الدفاعي المتقدمة التي بنتها تركيا مع روسيا، وهو ما تستفيد منه إيران لأجل تقوية موقفها في مقابل الرسائل العدائية الأمريكية بإيصال رسالة بأنها ليست وحدها، وهي الرسالة نفسها التي توجهها تركيا لمن يحاولون التربص بها عبر إجبارهم على إعادة حساباتهم حول حرب قد تكون ضد تركيا وإيران في وقت واحد.
هناك الكثير من الخلافات بين الرؤيتين التركية والإيرانية، حول حاضر ومستقبل المنطقة، وهناك أزمة ثقة، إلا أن الجانبين يركزان حالياً على المتفق عليه، كالمسألة الكردية بجوانبها المختلفة، والرغبة في تحدي المحور الأمريكي، الذي تعتبر تركيا أنه خذلها أكثر من مرة، في حين تعتبر إيران أن محاولاته التملص من الاتفاق النووي تحمل الكثير من الاستخفاف بها. بحسب الرؤيتين التركية والإيرانية فإن التدخلات الأمريكية، التي تتحجج بمكافحة الإرهاب، لن تتوقف فقط عند فصل كردستان العراق، بل قد يعمد الأمريكي لتكرار التجربة في سوريا، ما يهدد النسيج الوطني في كل من تركيا وإيران بشكل يرقى لوصفه بالتهديد الأمني.
بالنسبة للمنطقة يقدم نجاح الطرفين التركي والإيراني في الوصول إلى أرض مشتركة دعماً مهماً لنزع فتيل الأزمات والاحتقانات الطائفية. هذا الأمر سوف يفوت الفرصة على الذين كانوا ينتظرون اشتعالاً جديداً في منطقة لا ينقصها البارود.
على المدى القريب نتوقع أن تؤدي هذه التفاهمات لانحسار عمليات حزب العمال الكردستاني التي تنطلق ضد تركيا عبر الأراضي الإيرانية أو السورية أو العراقية وهي العمليات التي بلغت خطورتها درجة البدء في تنفيذ جدران عازلة على الحدود التركية مع سوريا وإيران.
كل ما سبق يدفعنا للقول بأن العلاقة بين تركيا وإيران تقدم تطبيقاً عملياً للواقعية في العلاقات الدولية، أي الرؤية البراغماتية، بالمعنى الإيجابي، التي تعزز بشكل أكبر دور المصلحة الوطنية على حساب العواطف والإسقاطات العقائدية.
كاتب سوداني

تركيا وإيران أو الواقعية في العلاقات الدولية

د. مدى الفاتح

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية