حقائق تؤثر على مسار الأزمة الليبية

حجم الخط
9

بعد مرور وقت طويل على اتفاق الصخيرات الموقع في السابع عشر من ديسمبر 2015 لايزال الجدال مستمرا بين الفرقاء الليبيين ولا يبدو في الأفق حل حاسم وناجع، يعيد لليبيا استقرارها.
الأسباب التي أدت إلى فشل اتفاق الصخيرات، هي نفسها الأسباب التي تدفع الليبيين والأمم المتحدة والدول الداعمة للفرقاء الليبيين، اليوم، إلى عقد اللقاءات التشاورية، وتقديم المبادرات، ومنها المبادرة الفرنسية ذات النقاط العشر، التي أكدت على الديمقراطية وضرورة الفصل بين السلطات واحترام حقوق الإنسان ونزع أسلحة الميليشيات، وضم عناصرها إلى الجيش الليبي النظامي، والالتزام رسميًا بالعمل على إجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية في أقرب وقت ممكن.
ثم ما خلصت إليه لقاءات برازفيل ثم لندن وتونس من ضرورة تعديل اتفاق الصخيرات، والأخذ في الاعتبار مقترحات غسان سلامة المبعوث الأممي الجديد، وخلال هذا البحث المضني عن حل توافقي يلم شعث الليبيين، ويلبي مصالح الأطراف المتصارعة، تبرز مجموعة من الحقائق المؤثرة في مسار الأزمة الليبية، وهي تضارب مصالح الدول الكبرى في ليبيا، ممثلة في شركات النفط والغاز، فقد فازت الشركات الأجنبية بعقود كثيرة للتنقيب عن النفط والغاز في أحواض ليبيا الغنية، فإلى جانب الشركات القديمة مثل «إيني» الإيطالية و»توتال» الفرنسية و»ريبسول» الإسبانية، دخلت ليبيا شركات جديدة من أبرزها «بريتيش بتروليوم» و»أو إم في» النمساوية و»مارثوان الأمريكية. وكانت إيطاليا التي تدير «إيني» في «زوارة» غرب ليبيا قد عبرت عن قلقها من أن تفوز «توتال» الفرنسية بمعاملة تفضيلية من حكومة برلمان طبرق، باعتبار أن فرنسا المتواجدة شركتها في ليبيا منذ عام 1956 تدير أهم مواقع النفط في وسط وشرق البلاد، لاسيما حقل المبروك، وما زالت فرنسا تتطلع إلى حوض نالوت الواقع في غرب ليبيا، وكانت إيطاليا قد حصلت من خلال شركة «إيني» على عقود ضخمة عام 2007 لاستثمار الغاز بمنطقة «مليتا» غرب البلاد، بينما فازت فرنسا عام 2010 من خلال شركة «توتال» بعقد لاستثمار الغاز بحوض «نالوت» غرب البلاد والقريب من «مليتا». لكن ليبيا ألغت العقد مع الشركة الفرنسية، بعد جدل قانوني، ولا شك بأن رغبة فرنسا في الحصول على عقود في حوض نالوت تبقى واحدة من أهم دوافع دعمها لحفتر، وواحدة من أهم أسباب التنافس بين الدول الغربية على الساحة الليبية، خاصة أن في هذا الحوض، بحسب تقارير، مخزونا من الغاز يكفي أوروبا لمدة ثلاثين عاماً، ولا شك أن كلا من إيطاليا وبريطانيا وإسبانيا تميل إلى دعم حكومة الوفاق الوطني بسبب مصالح شركاتها الواقعة في نطاقها، بينما تميل فرنسا إلى دعم الطرف الآخر.
*الدول الغربية بازدواجيتها تضع قدما عند حفتر وأخرى عند حكومة الوفاق الوطني، ففي الوقت الذي تقول فيه بأن الأخيرة هي الحكومة الشرعية الوحيدة، تتعامل مع حكومة شرق ليبيا الموازية، رغم كافة القرارات الإقليمية والدولية التي تنص على منع التعامل مع أي أجسام موازية، وهي قرارات صادرة عن الاتحاد الإفريقي وجامعة الدول العربية والاتحاد الأوروبي ومجلس الأمن الدولي، وخير مثال على هذه الازدواجية الموقف الفرنسي الذي أيد بالكلام حكومة الوفاق، وأيد بالفعل حفتر وحكومته الموازية، فبينما كانت الرئاسة والخارجية في عهد اولاند تقف ظاهريا مع حكومة الوفاق الوطني بقيادة فايز السراج، وقفت وزارة الدفاع والاستخبارات عمليا مع الفريق حفتر، واتضح هذا الانحياز الفرنسي آنذاك عندما لقي ثلاثة فرنسيين حتفهم بعد سقوط مروحيتهم في بنغازي يوليو 2016، واليوم لم يخف ايمانويل ماكرون خلال لقائه بالسراج وحفتر هذه الازدواجية، حين قال للصحافيين «توجد شرعية سياسية تقع في أيدي السراج، وتوجد شرعية عسكرية تتمثل في القائد العسكري حفتر. لقد قررا أن يعملا معا. هذا عمل قوي». كما يُعرف وزير خارجية فرنسا جان إيف لودريان اليوم، الذي كان وزيرا للدفاع في ولاية الرئيس الفرنسي فرانسوا اولاند بقربه من الجنرال حفتر. وما ينطبق على فرنسا، ينطبق بصورة أقل على الدول الغربية الأخرى، فقد ذكر موقع «ميدل إيست آي» أن قوات فرنسية وبريطانية وأمريكية تساعد حفتر، وهو ما أكده فريدريك بوبان مراسل صحيفة «لوموند» الفرنسية في وقت سابق، وقد عززت سيطرة قوات حفتر على موانئ الهلال النفطي في 13 سبتمبر 2016 رغبة الدول الغربية في الانحياز إليه، وبدأت تنظر إليه كجزء مهم من الحل لا جزءا من الأزمة. وأكد انجلينو ألفانو وزير الخارجية الايطالي على أهمية الدور الذي يلعبه حفتر في ليبيا، كما تقف اسرائيل إلى جانب حفتر بوساطة كل من الإمارات والأردن بخلاف الدعم الروسي الذي جاء على صورة مستشارين عسكريين ومدربين.
* أدى انحسار حركة اليسار العالمي وبروز الأحزاب اليمينية في أوروبا، وخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، وفوز ترامب في الولايات المتحدة، ثم ماكرون في فرنسا، إلى ظهور توجه عالمي مناصر للأنظمة الشمولية ومحافظ على بقائها واستمرارها، ومعاد لأي معارضة اسلامية سنية، دون الالتفات إلى ملف حقوق الإنسان، وعزز هذا التوجه محور الدول المساندة لحفتر وهو محور مؤيَّد من روسيا، ويشمل أساسا مصر والعراق والإمارات وسوريا ويرى حفتر ليس فقط جزءا من الحل بل الحل كله، ويطرحه كبديل وحيد لكل الحركات والأحزاب العاملة على الساحة الليبية وقد عبر عن هذا الأمر عضو المؤتمر الوطني السابق محمد خليل الزروق حين قال «إن هناك اتفاقا دوليا على إعادة إنتاج الأنظمة السابقة بعد إسقاطها في الثورات العربية». وفي هذا السياق تدعم كل من مصر والإمارات قوات حفتر بالسلاح والذخيرة والغارات الجوية، في ظل صمت دولي ازاء انتهاكات قوات حفتر لحقوق الإنسان في بنغازي وقنفودة ودرنة، وتحاول من خلال حفتر استنساخ نظام شمولي باطش يقصي جميع الأطراف الليبية الأخرى.
* تنظر الدول الغربية إلى ليبيا من خلال مصالح شركاتها النفطية، وهي قد حصلت على ما تريد، فإذا نجحت ليبيا في منع المهاجرين من الإبحار من شواطئها إلى أوروبا بالتعاون مع الاتحاد الأوروبي وبتمويل منه فإن هذه الدول لن تلقي بثقلها في اتجاه حل الأزمة الليبية، لا على المدى القصير ولا على المدى المتوسط، فكل ما يتوجسون منه خيفة وجود «داعش» لا غير. كما ورد في تصريحات وزير الخارجية الأمريكي ريكس تيلرسون حين قال « إنه لا يرغب في أن يرى ليبيا مكانًا يمكن أن يظهر فيه تنظيم «داعش» مرة أخرى». وربما تصبح ليبيا سوريا أخرى إذا لم تتدخل الأمم المتحدة بصورة فعالة وإذا لم تراع مصالح كل أطراف الصراع الليبية. إن الحلول التي طرحت في المؤتمرات التي بدأت بتونس مرورا بالقاهرة وأبوظبي وباريس، ولن تنتهي في لندن، حلول يستحيل تنفيذها في ظل الواقع الليبي القبلي المناطقي المتشظي، فلن يلتزم الكثير من الليبيين بالجدول الزمني وإذا جرت انتخابات فسترتفع أصوات تطعن في نزاهتها وبنتائجها. أما تعديل الإتفاق فمسألة لن يتفق عليها الليبيون المناهضون لحفتر، لأن تعديل المادة الثامنة التي تضع السلطة العسكرية تحت إمرة حكومة الوفاق غرضه سلب هذه السلطة من يدها ومنح وزارة الدفاع وقيادة الجيش لحفتر، الأمر الذي يعني بداية النهاية لخصومه وقد يطالب خصوم حفتر من جانبهم تعديل المادة 13 التي تمنح مجلس نواب طبرق المنتخب في يونيو 2014 حق «منح الثقة لحكومة الوفاق وسحبها « وهي المادة التي علقت شرعية حكومة الوفاق على نيل بركات وموافقة برلمان طبرق الذي بدوره رفض منحها هذه الثقة مرتين.
ومن الحقائق الصادمة افتقار الأحزاب الليبية إلى التأييد الشعبي، فلم تنجح في بناء قواعد جماهيرية لها واقتصر حراكها السياسي على كوادرها، كما أدى تعدد مسمياتها ومرجعياتها إلى ضعفها وتهافتها وسيطرة الميليشيات المسلحة عليها، ففي ليبيا اليوم نحو 1500 ميليشيا ومجموعة مسلحة، تنتشر في مختلف المدن الليبية، ووفقا لصحيفة «لاستامبا» الإيطالية فقد كان في طرابلس وحدها نحو 38 ميليشيا مسلحة ثلاثة مؤيدة لرئيس المجلس الرئاسي فايز السراج وثلاثة مؤيدة لرئيس حكومة الإنقاذ خليفة الغويل، فيما البقية لها تحالفات متقلبة. وتعد خريطة التحالفات القبلية من أهم الحقائق التي تمنع إنجاز تقدم كبير في اتجاه حل الأزمة الليبية، ففي ليبيا 140 قبيلة ومجموعة عائلية لها امتدادات وتداخلات جغرافية داخلية وعابرة للحدود مع دول الجوار، خاصة مع مصر وتونس والجزائر وتشاد، بيد أن القبائل التي لها تأثير فعلي لا تتجاوز 30 قبيلة وتكتلا عائليا، وقد غلب الطابع القبلي على المليشيات الموالية لخليفة حفتر، كما لعبت القبائل أدوارا سياسية ما حول القبيلة من وحدة اجتماعية إلى وحدة سياسية. وبغض النظر عن دوافع هذه التحالفات فمعظم القبائل التي كانت موالية للقذافي انضمت لحفتر ومن هذه القبائل قبائل القذاذفة والمقارحة وورفلة والتبو، وهذه الأخيرة لها امتدادات شاسعة في الصحراء الكبرى. وانحازت قبائل الطوارق الى قوات فجر ليبيا الموالية لحكومة الوفاق الوطني والمساندة لاتفاق الصخيرات، بسبب عدائها لقبائل التبو الذي استمر لعامين، وانتهى بتوقيع الطرفين على اتفاق الدوحة في 23/11/2015. كما انحازت إليها قبائل أولاد سليمان وهي مكونة أساسا من عدة قبائل صغيرة تتركز أساسا في مناطق سرت وفزان ولها فروع في كل من مصر وتونس وتشاد والنيجر، وتعد قبائل مصراتة الحاضنة الكبيرة لقوات فجر ليبيا وتتكون من مجموعتين قبليتين هما أهالي وكوراغلية. وتضم قبائل الأهالي 28 قبيلة بينما تضم الكوراغلية 15 قبيلة . وفي الشرق اصطفت مع حفتر قبائل العبيدات والمرابطين والبراعصة والحاسة والفوائد والشواعر. ويكمن خطرهذه التحالفات في امتداد القبائل الليبية إلى دول الجوار فقبيلة التبو المتحالفة مع حفتر تتوزع في الصحراء على أكثر من مليون كم مربع وقبائل أولاد سليمان تمتد إلى مصر وتونس وتشاد والنيجر، وتمتد قبائل الطوارق من جنوب غرب ليبيا إلى جنوب الجزائر وشمال مالي وشمال النيجر وشمال بوركينا فاسو، ولذلك فإن الدول المجاورة مهتمة بالشأن الليبي وبإنجاز توافق بين الفرقاء الليبيين، باعتباره الحل الأوحد الذي يجنب الليبيين الاقتتال، ويجنب هذه الدول مشاكل هي في غنى عنها.
وختاما فإن هذه الحقائق تستبعد الحل العسكري وتجعل الحل السلمي طريقا وحيدا لحل الأزمة الليبية فبدونه ستدخل ليبيا في حرب أهلية لن تقل ضراوة عما شهدته سوريا خلال السنوات الست الماضية، وربما وجدت التنظيمات الإرهابية ملاذا لها في جوف الصحراء الليبية المترامية الأطراف، ولذلك فليس أمام الليبيين ولا أمام غيرهم إلا الإسراع في إيجاد الحلول التي لا تقصي أحدا فليبيا كانت للجميع وستظل بالجميع وللجميع .
كاتب فلسطيني

حقائق تؤثر على مسار الأزمة الليبية

عبد العزيز الكحلوت

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية