لماذا نستفتى في التقطيع ونستثنى في التطبيع؟

دعونا مما كتبته قبل أيام صحيفة «معاريف» الإسرائيلية بشأن إعلان ملك البحرين رفضه للمقاطعة العربية للكيان الاسرائيلي، وإقراره في المقابل بما اعتبره «حق مواطنيه» في زيارة المحتل.ومما قاله إمام الحرم المكي من أن «المملكة العربية السعودية والولايات المتحدة الامريكية هما اليوم قطبا العالم في التأثير ويقودان العالم والانسانية بقيادة خادم الحرمين وبقيادة الرئيس الامريكي إلى مرافئ الامن والسلام والاستقرار والرخاء»، ومما رأيناه خلال اللقاء العلني الاول للسيسي بنتنياهو من ابتسامات حميمية غير مسبوقة.
دعونا من كل ذلك الغثاء الذي لا يقدم ولا يؤخر بالنهاية في شيء، ودعونا أيضا من شلال الكلام العسلي الذي جرى فجأة من دون أي مقدمات، أو إشارات تثبت خط سيره أو تدل على مصبه ومنتهاه، قاذفا فكرة هلامية حول وجود فرصة جدية وأخيرة للسلام، وحول أن الآمال في حل الدولتين ووضع حد لمعاناة الفلسطينيين لم تندثر بعد، بل صارت اليوم أقرب من أي وقت مضى في السابق. ولنلتفت بدلا من ذلك للأخطر والأهم ونسأل أنفسنا بوضوح واختصار لماذا يراد لنا أن نظل دوما وإلى الأبد في صفوف المشاهدين الهاتفين والمشجعين لما يجري من حولنا من صفقات ومؤامرات ومخططات، حتى إن لم نكن راضين عنها، أو موافقين عليها؟ ولماذا يفرضون علينا الديمقراطية فرضا، ويطلبونها منا متى أعلنا الرغبة في الانقسام والانفصال عن دولنا ويمنعونها عنا ويقولون بأنها ليست ضرورية، أو مطلوبة، كلما فكرنا في أن نحدد بإراداتنا لا بإراداتهم موقفنا من التطبيع مع إسرائيل؟
لننظر إلى كل تلك التلميحات والوعود التي تطلع بين الحين والحين كالفقاقيع، ألا تبدو لنا شبيهة ولو بعض الشيء بوعد بلفور المشؤوم، عدا إن بلفور الجديد ليس إنكليزيا هده المرة، بل عربيا أبا عن جد؟ ألا يمنح حكامنا الذين لا حق لهم في تقرير مصيرنا ومستقبلنا ما لا يملكون لمن لا يستحق؟ من قال لهم إن بإمكانهم، أفرادا أو حتى دولا، أن يقرروا في مسألة دقيقة ومصيرية كتلك التي تخص موقفنا من إسرائيل باسم الشعوب وبالنيابة عن الأمة من غير استفتائها أو معرفة رأيها؟ ألا يدرك الإسرائيليون والأمريكان أنفسهم أن لا قيمة على الإطلاق لكل العروض العربية بالتطبيع، لأن من يطلقها لم يحصل أبدا على أي شرعية أو تفويض حقيقي من شعبه بالاقدام على وضعها على الطاولة؟ إنهم يعرفون ذلك بلا شك ولكنهم في هذه الحالة بالذات يشدون على يد المستبد ولا يرون موجبا أو داعيا لديمقراطية تمنح الناس حق الاختيار والقرار الحر بدلا عنه. ربما يتوجسون من أن تأتي نتائج أي استفتاء شعبي مخالفة لتوقعاتهم، ومعارضة بالكامل لأي تقارب معهم، ولكن لم لا يبدو عليهم مثل ذلك التوجس والخوف حين يتعلق الأمر بأي استفتاء على التقسيم والانفصال؟ لماذا يشجعون الاكراد مثلا بشكل علني وصريح على الاقدام على ذلك، كما يفعل الاسرائيليون ويبطن معظم الغربيين؟ هل لأنهم متيقنون سلفا من أن النتائج لن تكون إلا بنعم؟ أليست تلك الازدواجية بالذات هي واحدة من أكبر التناقضات التي نعيشها في علاقتنا كعرب بمحيطنا الاقليمي والعالمي؟
إن ما يفعله الغرب هنا لا يختلف في شيء عما فعله الحكام العرب. فهم يقبلون بالديمقراطية في حال ما اذا كانت تعني بقاءهم واستمرارهم في السلطة، ويرفضونها وينكرونها في صورة ما إذا كانت تؤدي إلى العكس. والمشكلة هي انهم ينظرون لشعوبهم على أنها قطعان بشرية ناقصة عقلا ووعيا، وأنها لا تعرف ما يصلح وما لا يصلح، ولا تدرك حجم التحديات والضغوط التي تتعرض لها. هم يفسرون التطبيع على أنه خدمة انسانية يقدمونها فقط لأجل فلسطين، التي يقولون باستمرار إنهم حريصون على حق شعبها في تقرير مصيره. ولكنهم يعتبرون أن شعوبهم فقدت ذلك الحق من يوم أعطتهم رقابها وسلمتهم أو سكتت عن تسلمهم مقاليد الحكم في دولهم. ولأن القصص والاساطير التي نسجوها حولهم كانت تظهرهم دائما كزعماء وطنيين عروبيين متدينين ثابتين على مبادئهم ومواقفهم، فانهم باتوا الآن بحاجة لعمليات تجميل وتغيير للقشرة والمظهر الخارجي تجعلهم يبدون أمام تلك الشعوب كزعماء حداثيين ومصلحين، يملكون القدرة على فعل ما كان إلى عهد قريب مستحيلا وغير ممكن أو متوقع. لقد بات مطلوبا منهم أن يقلبوا تلك المعادلة التي قامت عليها أنظمتهم، بانها وجدت ليس فقط لضمان السيادة والاستقلال الداخلي، بل للصراع أيضا مع العدو التاريخي للأمة، وهو إسرائيل، ويستبدلونها بمعادلة اخرى تفترض انهم موجودون وباقون بالاساس لمحاربة ما يطلق عليه الرئيس الامريكي «الارهاب الراديكالي الاسلامي». كيف يدخلون الاسرائيليين اذن من الباب ويفرشون السجاد الاحمر أمامهم، بعدما أدخلوهم طوال سنوات سرا وخلسة من الشباك؟ هم يعرفون ان شعوبهم لا تثق بهم ولن تنطلي عليها كل التبريرات والمسوغات التي سيطرحونها حين سيقدمون على تلك الخطوة. ولأنهم لا يثقون بدورهم بتلك الشعوب فإنهم لا يرون أن هناك حاجة أو ضرورة ملحة لاستفتائها، في ما إذا كانت توافق أم تعارض خيارهم. ووحدهم المجانين والبلهاء هم من بنظرهم من يفعل ذلك. وما دامت الشعوب خانعة وطائعة فلا شيء يدفعهم ليبادروا من تلقاء انفسهم بخلع ابواب مفتوحة، اللهم إلا إذا كانوا راغبين في القفز في المجهول.
ولكن هل أن قبولهم بالتطبيع مع إسرائيل والوقوف معها في خندق واحد لمحاربة من سيكونون اعداء مشتركين في المستقبل مثل، ايران والإخوان وحزب الله، وربما آخرين غيرهم، لن يمنعهم من القبول لاحقا باستفتاء شعوبهم على التقطيع والتقسيم والانفصال؟ لننظر جيدا الى ما حصل في السودان، وما يحصل اليوم في العراق. ألم توافق الحكومة السودانية قبل سنوات على استفتاء لتقرير مصير جنوب السودان تطبيقا لاتفاق سلام وقعته مع الحركة الشعبية، من دون أن تعرض الاتفاق على شعبها في الشمال والجنوب، ليقول إن كان موافقا على الفكرة في الاصل أم لا؟ لقد قبلت به بعد أن عبر العالم عن ترحيبه بالتقسيم تحت مسمى تقرير المصير، لكن رغم اختلاف الظرف هل كنا نتوقع مثلا أن نرى موقفا مشابها لذلك في بغداد في حال ما لم يظهر الاتراك والايرانيون اعتراضات واضحة وقوية على استفتاء الاكراد؟
لن نبحث كثيرا في الفرضيات ولكن المؤكد هو أن حكامنا يعرفون جيدا متى يقبلون اصواتنا ويرغبون بسماعها ومتى يرفضونها وينزعجون منها. والثابت ايضا أن ما يحدد قبولهم أو رفضهم لأي استفتاء لتقسيم دولهم هو طبيعة الظرف الخارجي ومدى تأثيره على استمرار بقائهم في السلطة، أكثر من اي عامل داخلي أو وطني آخر. فكيف يمكن أن نصدق حرصهم على وحدة دولهم واستقرارها ونحن نرى هرولتهم للتطبيع مع كيان عنصري يعرف الكل أن لا عهد له ولا ميثاق. لقد تاجروا وما زالوا يتاجرون بفلسطين. ولا يبدو أن هناك محرمات أو مقدسات قد تمنعهم من المتاجرة اليوم وغدا بدولهم، ما داموا واثقين من أن آخر من تستفتى في ذلك هي الشعوب.
كاتب وصحافي من تونس

لماذا نستفتى في التقطيع ونستثنى في التطبيع؟

نزار بولحية

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية