المفردات الواقعية في تجربة الفلسطينية ألاء الجعبري

حجم الخط
2

تنهج التشكيلية الفلسطينية ألاء كمال الجعبري أسلوبا فنيا واقعيا متعدد القيم لتغذية مسارها الفني التشكيلي، وهو أسلوب يعتمد الشخوص ويجسد الواقع بصور جمالية تعكس مختلف القيم والمعاناة بتقنيات بسيطة، تصنع من خلاله مجموعة من العلاقات الجدلية ذات الصلة بالقضايا الاجتماعية والإنسانية وما يكتنفها من معاناة بمقومات الثقافة الفلسطينية في شموليتها.
وتتخذ لذلك أسلوبا فطريا بسيطا، تروم من خلاله التعبير باللون والخطوط والأشكال ومواد شخوصية وأيقونية للتعبير عن أحاسيسها ومكنوناتها بإلهام فني ورؤى عميقة الدلالة، فتتبدى أعمالها في مجملها واقعية ومتجانسة مع مختلف مقومات التشكيل الفطري، بلمسات واقعية تحمل مغازي وإيحاءات وإشارات رمزية، تقود إلى معان اجتماعية وترصد قضايا إنسانية، ترتبط أساسا بسيميولوجية المبدعة، وبفلسفتها الخاصة.
فمن رسائلها الفنية الصريحة ينبثق مجالها التعبيري، ورصيدها الثقافي والمعرفي الذي يشكل رصيدا قويا وأرضية خصبة في تدبير إبداعاتها الفنية. فمجمل الأشكال التعبيرية الفصيحة تتوقف على مناحي إنسانية وأخلاقية وروحية دافئة، فالمعاناة ومكابدة كل أشكال القهر وعناء الحياة وهموم الواقع وقساوته، كلها تعبيرات مصيرية حتمية تنبع بصدق من نفسية المبدعة، بعد أن تنسجها وفق تصور محدد فتبسطها بتلقائية في التعبير، وبأمل في التغيير. وفي نطاق العمل النقدي، فإن الأعمال الواقعية للمبدعة آلاء كمال الجعبري تتبدى فيها بشكل واضح الانطباعية والتلقائية، وتتمظهر فيها البساطة إلى حد كبير، ويغلب فيها البعد التقني إلى حد ما، خصوصا أن الأعمال الواقعية تحتاج إلى دقة واعتناء بقيم السطح، لأن لغة الواقع، أو مظهرية «الفيكيراتيف» والفن الشخوصي عموما يقتضي تقنيات هائلة للتعبير بالواقع بعمق، وبوسائط استطيقية تعتمد درجات الكثافة في الألوان ونوعيتها في صورة المساحة وفي بناء الفضاء. وللضوء أثر بارز وأهمية كبرى في تغذية الأعمال الفنية الواقعية وهو ما يغيب لسبب أو لآخر في أعمال المبدعة آلاء. لكن عل الرغم من ذلك؛ فإن آلاء تقارب ماهية أعمالها الفنية بالمادة الواقعية البصرية التي تشكلها وفق فطريتها وانسيابيتها وعفويتها وتلقائيتها، وهو ما يضع القارئ أمام واقع صريح وبعيد عن التكلف والتصنع، بل إنها تعمد إلى صنع انسجام بينها وبين مادتها الفنية الواقعية. فانفعالاتها وهواجسها تجعل من أسلوبها معْبرا لبث مجموعة من الصور الواقعية المثقلة بالإيحاءات والرمزية والإشارات التي تضمر العديد من المضامين المرتبطة بالقضايا الاجتماعية والأخلاقية والإنسانية. ولذلك، فأعمالها التشكيلية تنفذ مباشرة إلى أعماق القارئ من خلال عمليات التوظيف ذات الرؤى الفلسفية المتناسقة والمترابطة، وذات القيم التعبيرية التي تؤشر إلى انتقاء المضامين، التي تعكس بشكل واضح ثقافتها المحلية ورؤاها التشكيلية المؤثرة في العملية الإبداعية، والتي تجعل المبدعة تبسط تصوراتها بشكل مباشر وتلقائي، لتُدفق اللون والصورة، وتوَلّف بين المبنى والمعنى، وتصنع بُؤرا تشكيلية واقعية، وفُسَحاً جمالية للربط بين مختلف تصوراتها الفنية، بنوع من التوازن والتكامل والانسجام.
إن أعمال ألاء كمال الجعبري تتبدى مثقلة بالتعابير والقيم الإنسانية وتتبدى فيها أيضا اجتهادات، حين تنتج تعابير من عصرها، ومواد من بيئتها، وبذلك تلامس واقعها بالمقاييس التشكيلية المطلوبة، وبالأدوات الفنية البنائية ذات الطابع الجمالي، لتحاكي المادة الواقعية بجرأة، وتُحرك النسق الجمالي بتعبير يحوّل تلك المادة من واقع الى فلسفة، وإلى دلالات تُحرّك مشاعر القراء والنقاد. فالمبدعة لها قدرة على بسط الأساليب التحاورية، لتصنع حيزا إبداعيا يقوم على منشأ تصوري بتعبير تلقائي يفسح المجال لإرساء مقومات العمل الفني المرتكز على أسس بنائية ووضعيات فنية تلقائية تطفو في المشهد التشكيلي على نحو إبداعي تفاعلي. وهو توجه يُعدّ انطلاقا نحو وجهة جديدة بمقومات حضارية ترصد من خلالها آلاء عوالم جديدة، وتؤثث بها لأسلوب فني واقعي تفاعلي يشرك القارئ في العملية الإبداعية من خلال السياق الفني الذي يعضد التعبير الواقعي التلقائي الذي يروم الرؤية البصرية. وهي بذلك تنسج مجالا واقعيا خصبا كثيف المضامين والدلالات، باختيارات غاية في البناء وفي الجمال تُرصّن به وجودها الفني وعمقها التشكيلي وحضورها الإبداعي في الوسط التشكيلي المعاصر.
تشكيلي مغربي

المفردات الواقعية في تجربة الفلسطينية ألاء الجعبري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية