في دراسة لفرويد تحت عنوان «تأملات معاصرة حول الحرب والموت» يبدو لافتا ما يقوله حول حروب تسمح لنفسها باقتراف أنواع شتى من العنف والفظاعات، من شأنها أن تفضي إلى اندثار سائر المكتسبات الأخلاقية التي بنتها البشرية عبر التاريخ، فلا يبقى بعد ذلك سوى التصرفات الأكثر بدائية والأكثر وحشية. علما أن الموت وإن كان في عين المظلي الياباني يوكيو ميشيما- كما الثعبان الملتف حول الكرة الأرضية متأهبا لخنق الحياة بكل تقلباتها، إلا أنه وفي زمن كالذي نعيشه الآن صار في نظر البعض وجها من أوجه التحرر من عبء الوجود، كما يقول سارتر، لذلك صار تمجيد الموت والموتى شائعا، بل وكثر الحديث عن أولئك الذين حالفهم الحظ إذ انعتقوا من إسار الوجود الأرضي.
وهو ما يأتي منسجما مع رواية خالد خليفة «الموت عمل شاق» التي يبرز فيها الموت فعلا متكررا لا يستدعي الانفعال، بل ويصبح خلاصا يثير حسد الأحياء، ففي الزمن السوري الصعب، يصبح بإمكانك أن ترى مئات الجثث تضيع وتنسى، بل يصبح مرور جنازة حدثا عاديا قد يثير حسد الأحياء الذين تحولت حياتهم إلى انتظار مؤلم للموت، ولا عجب آنئذ إذ ينظر سكان المدينة إلى بعضهم بعضا، باعتبارهم مجرد موتى مقبلين، والمحظوظ منهم من يجد سيارة تنقله إلى المقبرة، والأكثر حظا ذلك الذي يدفن في المكان الذي يختاره.
في هذا المناخ الذي يغدو الموت فيه شبيها بطوفان رهيب يحيط بالجميع، تتناسل الأفعال الغرائبية، لدرجة أن ما كان في نظر الناس أيام ما قبل الحرب قصة مأساوية يصبح حدثا عاديا. في روايتنا الآنفة الذكر نكون مع رحلة يقوم بها أفراد أسرة سورية من الشام إلى العنابية، لتنفيذ وصية الأب في الدفن قرب أخته (ليلى) ، وفي رحلتهم هذه يحدث ما يكاد يكون مشهدا سرياليا عجيبا يبدأ مع إقدام الأجهزة الأمنية على اعتقال جثة الأب، بحجة أنه كان مطلوبا لأكثر من فعل في دائرة المخابرات. بعد جهد جهيد ينجح أفراد العائلة في إخلاء سبيل الجثة المعتقلة، إلا أن العقبات ما فتئت تنثال عليهم الواحدة بعد الأخرى مع كل حاجز أمني كانوا يتوقفون عنده، وهو ما يدفعهم باتجاه التفكير في دفن الأب في أي مكان، ومن ثم العودة إلى دمشق، بل نجد أحدهم ينظر إلى الجثة متمنيا لو أنها تتحول إلى أكياس كمون يسهل تحريكها بدلا من العفن والرائحة الكريهة التي انبثقت منها لطول الرحلة وتعقدها، إلا أن وعدا كان الابن( نبيل/ بلبل) قد قطعه على نفسه لوالده بتنفيذ وصيته يحول دون العدول عن خط الرحلة باتجاه العنابية.
تحضر هذه العذابات لتقول لنا إن البشر باتوا بالنسبة إلى الدولة مفرغين من أي كيان مادي أو روحي، بل إن الواحد منهم يمكن اختزاله بمجموعة وثائق وأوراق، لذلك لا غرابة تذكر لو انتهكت الجثة، أو حتى رميت على حافة الطريق تنهشها كلاب البراري.
ومع الحرب حين يمسي الموت قريبا في كل الأوقات، وحين تتكرر أشكال الموت لدرجة أن أحدا لم يعد يسأل عن تفاصيله، كان لا بد من أن تحضر الحياة نفسها لتكون مجرد مجموعة أفعال تافهة لا بد ستنتهي، إلى أن نصطدم بالحب، ومعه تحضر الأسئلة تباعا: فهل الموت الإنساني يتقاطع بالضرورة مع جدل الحب؟ وهل هناك رابط حقيقي كما يقول آلان باديو بين الحب والموت؟ وهل يساعدنا الحب في فترات الحرب على المضي في حياتنا بدلا من التقوقع في دائرة اليأس أو العبثية؟ وهل يصبح بإمكان العاشق أن يمضي في حياته جراء إحساس ينتابه بضرورة العيش من أجل شخص ما؟ أم أن الحب الحقيقي مستحيل في زمن الحرب؟
الرواية رغم ما يكتنفها من صيغة تنأى عن الحزم في كل الحالات، إلا أنها تحمل في ثناياها دعوة لفتح كل الأبواب للحب، نستدعيه كي يجرف الماضي المعطوب دفعة واحدة، ومن ثم نرميه في سلة المهملات، نستدعيه لعله يساعدنا على غسل أعماقنا، واقتلاع كل الأغصان اليابسة التي لم تعد تورق، ولهذه الدعوة تجلياتها التي تستحث البشر على التقاط الوردة الطافية على صفحة النهر، والعبور معها بطمأنينة إلى الضفة الأخرى، وما قصة ليلى العمة التي اختارت موتها بنفسها رافضة حياة ذليلة مع رجل لم تختره، إلا تجسيد لهذه الدعوة، وكذلك حضرت نيفين في حياة الوالد، كما قبلة الحياة تعيد الحياة للروح والجسد، ولتكون خير معوض عن كل الخسارات التي عاشها، وهو الحب الذي عاشه (نبيل/ بلبل) مع لمياء، رغم أنه كما أحلام الثورة بدا جميلا إلا أنه لم يكتمل.
إن كان الروائي قد جعل من الموت قضية مركزية توازي تجربة معيشية ملموسة، تحكي الكثير عن الجراح النفسية في زمن بات فيه الضحايا الأبرياء يتساقطون بلا رحمة، في هذا السياق أستذكر ما بات معروفا بظاهرة (القصائد الاعترافية) التي شهدتها أمريكا في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية، ومعها برز من الشعراء من تمحورت كتاباتهم حول المضمون بعيدا عن الاهتمام بالسجع والوزن، لذلك كثر الحديث عن آلام الموت بكل تداعياته المؤلمة التي رافقته، بما في ذلك سلسلة من المشاكل الأسرية الصعبة، وهو ما أراه شبيها بهذه الرواية التي تركت الفسحة واسعة من خلال استرجاعات زمنية متعاقبة لأفراد الأسرة، كي تكشف خللا أسريا فاضحا، باتت معه رابطة الدم غير كافية للعيش في كذبة الوئام العائلي الذي تفسخ منذ زمن بعيد، بل ويتكشف لنا كم إن الروابط المقدسة التي أحاط الوالد بها نفسه حفاظا على صورته في الخارج كانت مجرد كذبة.
مثلها مثل كثير من روايات جديدة انغرست في الزمن العربي الصعب، كانت هذه الرواية معنية باستقبال الشخصيات، واستبطان نوازعها النفسية الداخلية، بعيدا عن نوازع زخرفية زائدة، بما يعنيه هذا الأمر من أن ارتقاء في الكتابة الأدبية إلى صدقية اللحظة الإنسانية يقتضي تخلصا من مبالغات شكلية معقدة، شريطة عدم الانزلاق في التسطيح والمباشرة، وهو ما يمكن تلمسه في هذا العمل الذي لم يخل من إحالات مبطنة، كما في شخصية الوالد التي تحيل إلى ماض حالم أثبت الحاضر عدم جدواه، مع كثير من التساؤلات عن صدقية ما عاشه، بما استدعى في النهايات العديد من التساؤلات، بما في ذلك إصرار الوالد على أن يدفن في تلك الأرض الملعونة التي احتوت وجوها قاسية لا تعرف الرحمة، فهل عاش الأب في الوهم ليموت في الوهم أيضا؟ بل لعل السؤال الأصعب الذي تنتهي به الرواية هو ذلك الذي صار يجري على كل لسان والمتعلق بهذه الثورات والحروب التي جلبت كل هذا الموت. هل كانت تستحق أن تخاض؟ أم كان الأجدى بالبشر أن يتركوا قوى الشر تنتصر؟ لأن لا شيء أقذر من الحرب والموت. للإجابة عن هذا السؤال يأتي (نبيل/ بلبل) وقد فقد رغبته في الحلم، مؤثرا العودة إلى عزلته واغترابه، فمع الموت العبثي يصبح الحفاظ على الذات مهمة مقدسة بقدر ما هي أنانية، فالموت في الحرب أعمى لا يتأمل ضحاياه، والبشر بعد الموت يتحولون إلى نوع ثالث؛ ليسوا أحياء ولا جمادا « تقفل بهم السجلات، يشطبون من دفاتر العائلة بخط أحمر، وترمى أشياؤهم إلى المزابل». ومع هذه العبارات يظهر نبيل في المشهد الأخير وقد تخلى عن أحلامه وشعارات استعارها من زمن مضى، مع رغبة حثيثة في التخلص من كل الروائح القديمة (الجثة والعائلة والثورة والنظام) والعودة إلى سلامه الشخصي، بعيدا عن زمن متفسخ مضى يشبه جثة والده التي عادت كتلة متفسخة تتناسل الديدان من خاصرتها.
في نهاية المطاف، أجد ألا مفر من الإقرار بأن المآلات الصعبة التي عشناها مؤخرا تؤكد ما قيل مرارا وتكرارا من أن الحرب قذرة، ولكن ألا يعد انتصار قوى الشر أقذر من الحرب نفسها؟
كاتبة وأكاديمية أردنية
رزان إبراهيم