في مواجهة جنرالات فلسطين أو جنرالات تركيا: الاسلاميون كمعارضة تتشبه بالحكام

حجم الخط
0

في مواجهة جنرالات فلسطين أو جنرالات تركيا: الاسلاميون كمعارضة تتشبه بالحكام

د. عبد الوهاب الافنديفي مواجهة جنرالات فلسطين أو جنرالات تركيا: الاسلاميون كمعارضة تتشبه بالحكام صعود حركة حماس غير المتوقع إلي السلطة في فلسطين، وهو صعود فاجأ حماس قبل غيرها، ركز الضوء علي الوضع الغريب للإسلاميين في منظومة السلطة داخل البلدان الإسلامية. فحماس في السلطة أشبه منها بالمعارضة منها بحاكم حقيقي، بل هي أبعد من السلطة من كثير من المعارضات الرسمية في البلدان الديمقراطية التي تتمتع بنفوذ سياسي وسلطة أخلاقية تجعلها شريكاً في السلطة وجزءاً من تركيبتها. ولكن حماس تجد أن عليها دوماً الاعتذار عن وصولها غير المقصود إلي السلطة، بل إنها سعت بكل وسيلة لتجنب الانفراد بالسلطة وتوسلت إلي منافسيها مشاركتها، ولكنهم رفضوا. وهكذا بدا تقلد حماس السلطة أشبه بعقوبة منه بجائزة.نفس الأمر يمكن أن يقال، وإن بصورة أقل، عن الإسلاميين الأتراك التائبين من إسلاميتهم في حزب العدالة والتنمية بزعامة رجب طيب أردوغان، وهو حزب وصل إلي السلطة أيضاً في غفلة من الآخرين وفي غفلة من نفسه. الفرق بين الجماعتين أن حزب العدالة والتنمية قد سلم سلفاً بما ترفض حماس التسليم به، وهو الانصياع إلي الوضع العلماني القائم، والتخلي عن الثوابت المنسوبة للإسلاميين، والتأقلم مع الوضع الدولي، بما في ذلك المحافظة علي علاقات تركيا الودية مع إسرائيل. ولكن هذا لم ينقذه من سهام خصومه. فقد مارست الرئاسة والعسكر الفيتو علي بعض سياسات الحكومة الخجولة الرامية إلي توسيع الحريات في مجالات مثل السماح بلبس غطاء الرأس للنساء في بعض المرافق التعليمية، وظلوا بالمرصاد لهم في كل منعطف. وقد تفاقم الوضع أخيراً بعد قيام محام غاضب بإطلاق النار علي بعض القضاة المعارضين لحرية لبس غطاء الرأس، فقتل أحدهم وأصاب آخرين. وقد أنحي بعض أركان الدولة باللائمة علي الحكومة التي رأوا في تعاطفها (الخفي) مع الإسلام تحريضاً علي العنف. وقد بلغ الأمر برئيس الأركان أن أيد المظاهرات التي خرجت تندد بالحادث وبالحكومة وطالب بالمزيد منها، مما جلب عليه انتقاد رئيس الوزراء الذي رأي في هذا دعوة للتصعيد.في فلسطين أيضاً دفع أهل الحكم السابقين الحاليين في فتح بأنصارهم للتظاهر والإضراب، بل وبرفع السلاح ضد حكومة حماس بغرض تحجيمها وأيضاً الضغط عليها وصولاً إلي إفشالها ثم إسقاطها حتي تعود السلطة إلي موقعها الطبيعي . ويمثل هذا المسعي من قبل جنرالات تركيا وجنرالات فلسطين محاولة لقلب الأدوار، حيث أن المعارضة الإسلامية (أو شبه الإسلامية) نجحت في الحالين في الاستحواذ علي الشارع، ولكن هذا لم يمكنها من الإمساك بمفاصل السلطة الحقيقية المتمثلة في المال والجيش والقوات الأمنية والأجهزة البيروقراطية والقضائية وغيرها. فمثل هذا الإنجاز يتطلب إما انقلاباً أو البقاء في السلطة لفترة طويلة تتيح لصاحبها التأثير علي مواقع صنع القرار الحقيقية. ويريد الجنرالات أولاً ألا يسمحوا بأي من الاحتمالين، وثانياً استغلال هذا الوضع لإضعاف الحكومات، وثالثاً نقل المعركة إلي قلب موقع نفوذ الإسلاميين، أي إلي الشارع. هذا الوضع يثير بالطبع أسئلة محورية حول توازن القوي داخل المجتمعات المعنية. فمن جهة هناك التراجع المعروف في شعبية القوي العلمانية المهيمنة علي الساحة السياسية منذ الاستقلال، ونمو شعبية القوي الإسلامية بالمقابل. ولكن هذا التطور علي أهميته ليس محور نقاشنا هذا، بل التطور المحير الآخر، وهو فشل القوي الإسلامية في ترجمة شعبيتها إلي نفوذ سياسي واستمرار بقائها علي الهامش في بنية الدولة. هذا الوضع يستدعي تغييره تحركاً انقلابياً كما ذكرنا، وهو انقلاب لا تملك القوي المعنية القدرة علي إنجازه، تحديداً لأن مفاصل السلطة وإمكانات القوة ليست في يدها. ولكن حتي لو ملكت القوي الإسلامية القدرة والإرادة علي إحداث الانقلاب فإنها تواجه عقبة أخري تتمثل في توازن القوي العالمي وحاجة كل دولة إلي شرعية دولية ودعم خارجي حتي تستمر. وقد اكتشفت القوي الإسلامية التي نجحت في إحداث الانقلاب كما هو الحال في إيران والسودان أن الوصول إلي السلطة ليس نهاية المطاف، بل بداية ابتلاءات ومحن لا حصر لها.وقد يعتبر البعض الحالة الفلسطينية مختلفة إلي درجة كبيرة من وضع بقية الدول الأخري، لأن فلسطين ليست دولة ذات سيادة، حيث تفتقد الاعتراف والحدود وكل مقومات الدولة. وما يسمي بـ السلطة الفلسطينية هو في حقيقة الأمر نظام مقاولة يؤدي بعض وظائف الاحتلال ويرفع عنه بعض الأعباء، ويعتمد بصورة كاملة علي تفويض سلطات الاحتلال من جانب وعلي الدعم المادي الخارجي من جانب آخر. ومن هنا فإن الحديث عن انتصار لحماس في انتخابات ، وخيار للشعب الفلسطيني وما إلي ذلك من دعاوي عريضة لا مكان له في هذا المقام. وكل هذا صحيح، ولكن الاختلاف بين حال فلسطين وحال بقية الدول الإسلامية هو اختلاف درجة لا نوع. فكل دولة من دول العالم في الوضع الحالي هي دولة بحكم شرعية مكتسبة من وضعها الدولي، ونظام الاعتماد المتبادل في إطار المنظومة الدولية. علي سبيل المثال فإن حدود أي دولة لا تتحدد من جانب واحد، وإنما تقوم علي الاعتراف بذلك من جيرانها وبقية دول العالم. وكلما كانت الدولة أضعف، كلما كان اعتمادها علي الخارج أكبر والتمتع بالسيادة أقل. فالدول التي تحتاج إلي الخارج لتطعم سكانها أو تدافع عن حدودها أو نظامها لا ينبغي لها أن تتشدق بالسيادة كما تفعل بعض الدول العربية التي تتسول المعونات ثم تنادي نزال إذا انتقدها أولياء النعمة.الدول القائمة هي في نهاية المطاف صنيعة نظام دولي قائم وعالة عليه. وأي محاولة للانقلاب علي هذا النظام ووجهت بتحديات ضخمة. صحيح أن هناك مجالاً للحركة في داخل هذا النظام، وقد كان هذا المجال أكبر في أيام الحرب الباردة حيث كان صراع الأقطاب يتيح للدول الأضعف أن تتسوق بين نماذج التبعية. ولكن حتي هنا فإن مخاض التغيير كان عســـيراً، كما كشفت سيرة الانقلابات العسكرية التي شهدتها المنطقة، وما ولدته وواجهته من صراعات. وفي ظل هذا المناخ فإن القوي الإسلامية تواجه الرفض حتي قبل وصولها إلي السلطة، وهو رفض له دوافعه المتمثلة في التخوف علي تهديد أي انقلاب إسلامي للمصالح والأوضاع السائدة، ويستند أيضاً علي حكم بضعف السند الشعبي للتيارات الإسلامية وإمكانية احتواء تقدمها. ذلك أن الحركات الإسلامية رغم ارتفاع شعبيتها ما تزال تتمتع بسند متماسك في قطاع من الرأي العام لا يشكل أغلبية كاسحة، كما أنه قد يكون في كثير من الأحيان محصوراً في القوي الهامشية، ويكاد يكون غائباً في مراكز القوة، خاصة مراكز القوة المالية والأمنية والبيروقراطية. ويمكن معالجة هذا الضعف بتعبئة الأنصار والشارع باتجاه ثورة شعبية كاسحة كما حدث في إيران، أو اعتماد النهج الانقلابي كما حدث في السودان. وعندها قد تجد القوي الخارجية نفسها أمام الأمر الواقع وتضطر للتعامل مع الوضع المستجد. هذا بالطبع إذا لم يرفع الوضع الجديد شعارات الثورة المستدامة كما حدث بالضبط في التجربتين الإيرانية والسودانية. ذلك أن رفع شعار تصدير الثورة، فوق أنه تهديد واضح للوضع الدولي يصعب علي القوي المهيمنة التعايش معه طوعاً فضلاً عن أن تتعاون معه، فإنه كذلك يشي بنقطة ضعف. لأن رفع شعارات تصدير الثورة غالباً ما تكون محاولة من النظام الجديد لتعبئة الشارع لصالحه ضد خصوم داخليين. وهذا بدوره يعطي الإشارة للمتربصين بأن النظام المعني يواجه مشاكل تغري بالتحرش به.يمكن القول إذن أن الضعف الذي تعاني منه التجارب الإسلامية القائمة في الحكم يعود إلي أوضاع هيكلية في بنية الدول المعنية وبنية النظام الدولي، وأن التغيير الحقيقي لن يأتي إلا بتغيير جوهري في المناهج يتكيف مع طبيعة الأوضاع القائمة. والأمر هنا يجب أن يتجاوز الشعارات إلي ما وراءها من حقائق القوة. فالدول العربية التي اختارت في مجملها تجنب أي مواجهة عسكرية مع إسرائيل تعبر في ناحية عن ضعف سياسي وضعف في الإرادة. ولكن هذا الأمر تعبير أيضاً عن واقع ضعفها العسكري، فلو أنها واجهت إسرائيل في الميدان لهزمت شر هزيمة كما حدث لها من قبل. فتجنب المواجهة في هذه الحالة هو عين الحكمة. ولكن التساؤل المحيط بسلوكها لا يتعلق بحكمة تجنب هزيمة محققة في الميدان، وإنما باعتبار الاستسلام لهذا الواقع وعدم بذل الجهد اللازم للخروج من حالة العجز هذه إلي حالة من القدرة.الحركات الإسلامية تعيد إلي حد ما انتاج حالة العجز التي تعيشها الأمة الإسلامية بصورة مركبة. فكما أن المجتمعات الإسلامية تعاني من أزمة عجز وضعف بنيوي في الساحة الدولية، فإن الحركات الإسلامية تعاني من ضعف في داخل المجتمعات الإسلامية. وبدلاً من أن يؤدي صعودها إلي التغلب علي الضعف، فإنه يجعل الضعف مركباً. وإذا أخذنا حالة فلسطين فإننا نجد أن المجتمع الفلسطيني كان يواجه أزمة حادة تحت قيادة منظمة التحرير التي لم تقربه من نيل حقوقه بل أضافت إليه أعباء جديدة من الصراعات الداخلية والصراعات مع الدول العربية. ولم تحقق اتفاقية أوسلو إلا نتائج محدودة علي صعيد التخلص من الاحتلال وجمع الشتات الفلسطيني. أما مجيء حماس إلي السلطة فقد ضاعف من المعاناة ولم يحقق إضافة ذات معني لآليات النضال الفلسطيني أو روافع القدرة، اللهم إلا رافعة الضعط المعنوي التي تمثلها زيادة معاناة الشعب الفلسطيني. وليس اللوم هنا علي حماس أو منظمة التحرير فقط، وإنما اللوم علي العقلية التي ترفض أن تري الصورة الكاملة. فالجميع في حاجة إلي وقفة تأمل ومراجعة في الأوضاع التي تجعل رافعي شعارات النضال والمواجهة يقودون شعوبهم إلي واقع أسوأ من الضعف والسقوط في براثن الهيمنة والاحتلال كما هو حال العراق أو إيران أو سورية، أو يجعلهم يزايدون علي الاستسلاميين، كما هو حال مصر وليبيا ومنظمة التحرير والسودان. فالأمر لا يتعلق بنقد الحالة الاستسلامية، وإنما بنقد الأوضاع التي تجعل الاستسلام الطريق الوحيد العقلاني المتاح. فبغير معالجة هذا الوضع البنيوي فإنه لا الإسلاميين ولا غيرهم سيتمكنون من تغيير واقع الأمة إلي الأفضل.ہ كاتب وباحث سوداني مقيم في لندن9

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية