يصر الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي على جرّ إعلام بلاده إلى الدرك الأسفل من الضحالة والإسفاف، مسيئًا إلى تاريخ هذا الإعلام الذي كان يُعتبر ـ إلى عهد قريب ـ مدرسة قائمة الأركان وجديرة بالاقتداء. كما يسيء، في الوقت نفسه، إلى أخلاق المواطن المصري وإلى الحضارة المصرية برمّتها.
فمباشرة بعد موت المرشد العام السابق لجماعة الإخوان المسلمين، محمد مهدي عاكف، الجمعة الماضية، أطلق السيسي قنواته للشماتة في الرجل، بحيث ما ترك مذمة إلى وإلا ألصقها به؛ وكأن القنوات المصرية الحكومية والحرّة تنوب عن المَلَكين اللذين يسجلان أعمال الناس، فتعمل على تسويد صفحة الراحل ميتا، كما لم ترحمه حيا، دون مراعاة حرمة الموتى، تمامًا مثلما لم يأخذ النظام الانقلابي مرضه وشيخوخته بعين الاعتبار، فأبقاه قيد الاعتقال يتـجرع المنـية تدريجـيا.
والقنوات المصرية إذ تفعل ذلك، فربّما لوجود إحساس مضمر وغير معبّـر عنه بالذنب في منطقة ما داخل لا شعور القائمين على تلك القنوات. ومن ثم، يُلاحَظ وجود نوع من الإصرار على إضفاء المشروعية على طريقة تعامل السيسي مع محمد مهدي عاكف خلال سجنه، وأيضا على قراره بعدم السماح بتنظيم جنازة علنية له وعدم إقامة صلاة الجنازة عليه، خوفًا من أن تتحول المسألة إلى مظاهرة عارمة بعد قول المصلّين «آمين».
ولو أراد البعض تعقّب السعار الذي أصاب بعض الإعلاميين المحسوبين على النظام المصري بعد موت الشيخ المذكور (رحمة الله عليه)، لما كان هذا الحيز كافيا لسرد اللغط الذي جعلهم يقومون بعدة مهام في الوقت نفسه: فهم محامو سيدهم، وهم ممثلو النيابة العامة التي تطالب بإنزال أقسى العقوبات على المتهم، وهم القاضي الذي يحكم بما أُوحي إليه، وهم الشهود الذين تنطبق عليهم مقولة «شاهد ما شافش حاجة».
ولكنْ، يكفي التدليل على ذلك بصنيع أحمد موسى الذي ظهر في قناة «صدى البلد» يصرخ حتى انتفخت أوداجه، محاولا إقناع الجميع بأن للمرشد العام السابق لـ «الإخوان» تاريخًا في الإجرام، وبأنه كان يريد أن يبيع البلاد، وأنه كان يسرق تبرعات باسم دعم الفلسطينيين… ولم يكتف بسرد هذه الاتهامات وغيرها، بل أشهر من على شاشة التلفزيون بضع أوراق، زاعمًا أنها مستندات تدين من أسماه «السفاح مهدي عاكف»، وقال إنه سيحوّل هذه العبارة إلى «هاشتاغ». كما استكثر على الراحل نقله إلى المستشفى لتلقي العلاج وتقديم الأكل له لمدة تسعة شهور.
صدى السيسي
تلك الإطلالة التي تفتقد لأي «ذوق»، بتعبير إخواننا المصريين (الشعب وليس الفصيل السياسي) شكلت مادة دسمة لبعض القنوات المعارضة المبثوثة من الخارج، ومن ضمنها قناة «الشرق» التي تساءلت كيف أن أداء مناسك الحج لم يغير شيئا من طباع أحمد موسى؟ ولكنها لم تستغرب للأمر، بما أن هذا الأخير استغل وجوده في البقاع المقدسة لتمجيد السعودية وشتم قطر، عبر تصريحات أدلى بها لقناته «صدى البلد» والتي حاشا لله أن تكون بالفعل صدى مصر وصدى المواطن المصري، وإنما هي صدى السيسي فحسب!
ومثلما قد تظهر نبتة من بين الصخور، فمن وسط ذلك «الزعيق» الإعلامي الذي صاحب موت مهدي عاكف في الفضائيات المصرية، تحدث سيد علي في قناة «الحدث اليوم» عن الشيخ الراحل بانفعال أقل وبتروِّ أكثر، حيث بدأ كلامه بالقول: «انتقل إلى رحمة الله…»، وكرر ألا شماتة في الموت، ولم ينس الدعاء بالرحمة لشهداء الشعب المصري من الجيش والشرطة والدعاء أيضا بالرحمة لبقية الأموات. لكن، وبما أنه لا بد من تبرئة الذمة حتى لا يُنعت بالتعاطف مع إخواني، روى سيد علي مضايقات «الإخوان» له، واصفا هؤلاء بكونهم «عاثوا في مصر فسادا»، ثم استدرك بالقول: «أنا لا أتكلم عن الرجل (عاكف)، فهو الآن عند ربنا، وحسابه عنده.»
حكاية الأزهري/ المغني
وبما أن «الإخوان» صاروا اليوم بمثابة مشجب تعلق عليه كل كوارث «أم الدنيا» الماضية والحاضرة والمستقبلية، فقد اعتبرهم الأزهري/ المغني إيهاب يونس هم السبب أيضا في الحملة التي أثيرت ضده أخيرا على خلفية أدائه لأغنية لأم كلثوم في برنامج «ست الحسن» على قناة «الشرقية». لكن الجواب جاءه من قناة «وطن»، حيث قال الإعلامي محمد جلال هلال إن المشكلة ليست في كون الأزهري يغني، ولكنها في غنائه بالعمامة والجلباب. ووجه كلامه للشيخ قائلا: لماذا تهين لباس العلماء والأزهر؟ ارتدِ لباسا عاديا وغنّ كما يحلو لك!
لقد كان حريا بالشيخ الأزهري أن يعتذر عوض أن يتمادى في خطأه، حسب إعلاميّ «وطن» الذي أوضح أنه، كما لا يمكن قبول شخص يغني أو يرقص بلباس الجيش أو القضاة أو بلباس الكنيسة، ليس مقبولا أيضا أن يقع مع لباس الأزهر.
كاتب من المغرب
السيسي يطلق طبوله للشماتة في موت محمد مهدي عاكف… والأزهري عاشق أم كلثوم يردد «الإخوان» هم السبب!
الطاهر الطويل