اليسار بنى الدولة واليمين اختطفها

حجم الخط
0

في 22 أيلول/سبتمبر 1967 وافق رئيس الوزراء ليفي اشكول على أن يستقبل في مكتبه وفدا من أبناء الكيبوتس الديني كفار عصيون، الذي احتله الجيش الأردني في 1948. كانوا في المنفى 19 سنة، في بات يم. برز بينهم شاب بعينين بارقتين، يسمى حنان بورات. وطلبوا الإذن بالعودة لإقامة الكيبوتس، بادرة حنين لتلك العهود.
اشكول تردد. الوزيران غليلي والون ضغطا عليه: غليلي، لأنه آمن بأن الاستيطان هو الأمن ـ فهو لم يعرف نوعا آخر من الأمن؛ والون، لأنه أراد لذع خصمه، موشيه ديان. الكيبوتس الموحد، حركة الرجلين، عمل بالتوازي، على نحو شبه سري، لاستيطان هضبة الجولان. وكانت الدول العربية أخذت قرار اللاءات الثلاث في الخرطوم: لا للاعتراف بإسرائيل، لا للمفاوضات ولا للصلح. نشأ فراغ لم تعرف الحكومة كيف تملأه.
وافق اشكول على أن يعاد في الضفة إقامة كيبوتسين: كفار عصيون وبيت هعربة. 30 شابا متحمسا استوطنوا في بيوت خلفها الأردنيون وراءهم. في 19 كانون الأول 1967 وصل اشكول للزيارة، رافقه وزير الزراعة حاييم غفتي ومدير عام دائرة الاستيطان يحيئيل ادموني. أنا أيضا كنت هناك. «دفار»، الصحيفة التي عملت فيها، كانت الوحيدة التي تكبدت عناء إرسال مراسل.
كان برد. ويدا اشكول تجمدتا. وقف لالتقاط صورة مشتركة وألقى خطبة قصيرة: «سيعملون هنا في الزراعة والحراثة، وهنا المكان لتجديد الصنعة اليهودية العتيقة ـ نحت الحجارة للبناء». بعد يومين من ذلك، في جلسة الحكومة، سأل أحد الوزراء إذا كان هذا استيطانا. فعدله اشكول: «هذا حيازة». لأنه كان واعيا وشكاكا بطبيعته، أضاف بابتسامة: «أعرف أنه على مدى الزمن يصبح الجدي تيسا».
مرت خمسون سنة منذئذ. نما مشروع الاستيطان وازدهر وأعاد صياغة وجه دولة إسرائيل كلها، سلم أولوياتها، مستقبلها. هذا مشروع له دولة. الجدي لم يصبح تيسا، بل صار مالك الحظيرة. عندما قررت الحكومة إحياء يوم الميلاد الخمسين لمهرجان كبير في غوش عصيون، توقعت احتفال نصر.
كانت المفاجأة هي الجمهور. فقد كان سلبيا، باردا ومغتربا. كان من الصعب أن نفهم لِمَ، هل بسبب حالة الجو التي بردت، هل لأنه بعد خمسين سنة من الصراع وصل الناس إلى السكينة والطمأنينة، أم لأنهم كفوا عن تصديق الوعود المبالغ فيها التي يسمعونها من على المنصة. بنت الحكومة في سفح قاعدة لواء المشاة عصيون، على مسافة غير بعيدة من المكان الذي اختطف فيه الفتيان الثلاثة، مدرجا ضخما وأقامت منصة مزودة بكل مفاعيل الفيديو المتطورة، وعلى مدى أسابيع غذت الجمهور بالأنباء التي تقول كم هو هذا الحدث مهما، مثيرا للانطباع ورسميا. الرئيسة المنصرفة للمحكمة العليا هي الأخرى ساعدت في ذلك، على طريقتها. وكانت مدينة افرات وبلدتا الون شفوت وروش تسوريم على مسافة خطى. وبرغم ذلك لم ينجحوا في ملء المقاعد كلها. لقد كان الجناح الشرقي فارغا (يدعي المنظمون بأنه لم يكن معدا لأن يمتلئ وأنه لم يبن إلا لإخفاء المنصة عن سكان المنازل في المستوطنة المجاورة، لاعتبارات أمنية. فإذا كان منشأة أمنية، فلِمَ أدخلوا إليها آلاف الكراسي؟). وكانت فراغات في الأجنحة الجانبية أيضا. في مظاهرات المستوطنين في القدس كانوا يقولون ليواسوا انفسهم إن «عشرات الباصات عالقة في أزمة السير في القسطل». فبم سيواسون أنفسهم في غوش عصيون؟. توقعهم من الحكومة الحالية، الأكثر يمينية بين حكومات إسرائيل، كان أن تبني على كل تلة، أن تصادر كل أرض، وأن تشرعن كل بؤرة. هذا لم يحصل. وعليه فقد كانت حفنة تتظاهر في الخارج، وكثيرون آخرون تظاهروا بأرجلهم. «أنا وعقيلتي سارة منفعلان لرؤيتكم»، قال نتنياهو. ويخيل أن الانفعال هذه المرة لم يكن متبادلا.
رئيسة المحكمة العليا مريام ناؤور قررت ان الحدث سياسي، غير رسمي، وأمرت القاضي نيل هندل، الذي كان يفترض أن يمثل العليا بأن يلغي مشاركته. وكتلة المعسكر الصهيوني هي الأخرى قاطعت.
«بودي أن اهدئ الروع: فالقضاة والنواب لم يفتهم شيء. ورئيس الأركان هو الآخر لم يصل. والجنرالات الذين لم يصلوا (باستثناء قائد المنطقة الوسطى، الذي وصل بحكم منصبه) وسفير الولايات المتحدة، الصهيوني الأمين فريدمان، الذي لم يصل، وباقي السفراء الذين لم يصلوا، والأصوليون، من سكان موديعين عيليت وبيتار عيليت، تل تسيون وعمانوئيل، لعلهم القطاع الأكبر من شرق الخط الأخضر ـ ممن لم يصلوا. لو كانوا جاءوا، لفهموا أنه برغم الاستثمار المالي الكبير، برغم العتاد المتطور، فرقة الرقص التي تهز بلا صلة، المغنيان، النص الصبياني، صور المشهد المضخمة وبضع ألعاب نارية، لا تصنع حدثا.

بناء وإخلاء

توقعت أن يصعد إلى المنصة قدامى المستوطنات من أبناء الـ 75، الكتسوفاريين والزمبيشيين وأن يدعوهم يروون قصصهم؛ توقعت أن يذكروا من ليسوا حاضرين، أولئك الذين قتلوا في العمليات وأولئك الذين توفوا قبل الأوان؛ توقعت أن يذكروا الحاخام تسفي يهودا كوك، الذي أعطى إسنادا مسيحانيا للمستوطنات؛ توقعت أن يعطوا احتراما لإسرائيل غليلي، شمعون بيرس، ميخائيل حزاني، اريئيل شارون، مناحيم بيغن، اسحق شمير، اسحق رابين، ممن ربطوا مقدرات الدولة في مصلحة المشروع.
هل خمسون سنة استيطان في المناطق جديرة بحدث رسمي؟ أعتقد أن نعم. فمشروع الاستيطان هو مشروع مشترك لكتلة اليسار وكتلة اليمين ـ عمليا، مشروع الساحة السياسية بكاملها، باستثناء الأحزاب العربية. وحتى أحزاب يسارية صرفة، مثل مبام وميرتس، تقدمت بمساهمتها، طوعا أو غصبا. وحذار أن ننسى المساهمة الحاسمة من المحكمة العليا لمشروع الاستيطان، مساهمة القضاة لنداو، شمغار، براك ورفاقهم. فلولا شهادات التسويغ التي أعطوها للمستوطنات، لكان من المشكوك فيه أن تقوم، مشكوك فيه أن يدعها العالم تقوم. وبدلا من التطاول على القضاة، السباب والشتم، كان ينبغي للوزير ياريف لفين أن يقول لهم شكرا.
ليس فقط في مشروع الاستيطان يتشارك اليسار واليمين ـ فهم شركاء أيضا في مشروع الإخلاء. اليسار أخلى أقل، اليمين أخلى أكثر: أخلى كل سيناء، أخلى قطاع غزة وأجزاء من الضفة الغربية. نتنياهو أخلى الخليل وصوت في مصلحة فك الارتباط عن غزة. ميري ريغف كانت الناطقة بلسان فك الارتباط ـ عفوا، بلسان الاقتلاع، بلسان الطرد. «لن يكون مزيد من الاقتلاع لبلدات في بلاد إسرائيل»، قال نتنياهو في مهرجان أمس. ليس الجميع صدقوه.
مؤكد أن الحدث سياسي؛ مؤكد أنه موضع خلاف. ففي كل حدث وطني تقريبا يزينه القضاة بحضورهم، توجد عناصر سياسية وموضع خلاف. هذه هي طبيعة المجتمع الإسرائيلي، هذه هي طبيعة واقع حياتنا. القضاة هم أول من عرف ذلك، بصفتهم قضاة محكمة العدل العليا.

وزير التاريخ

«ايام عاموس» هو اسم السيرة الذاتية لعاموس مانور الراحل، الذي تولى منصب رئيس المخابرات من عام 1953 ـ 1963. السيرة الذاتية، التي كتبها يئير شبيغل، رجل المخابرات، نشرت مؤخرا، برعاية الجهاز. وكتب رئيس المخابرات الحالي نداف ارغمان المقدمة.
الكتاب شائق. فهو يصف المخابرات في سنواتها الأولى، تحت قيادة ايسار هرئيل، كفرع سري لحزب مباي، تجسس على خصومه من اليمين ومن اليسار. مانور، كما زُعم، أملى على الجهاز المهنية والرسمية، برغم أنف وامتعاض ايسار هرئيل. مع اعداء مباي، من مناحيم بيغن وحتى شموئيل تمير واوري افنيري، وصل مانور بهدوء إلى اتفاقات اللاقتال. فقد اجتاز جهاز المخابرات منذئذ هزات غير بسيطة، ولكن أيا منها لم توقفه في المستنقع الحزبي. فهو رسمي.
ايسار هرئيل ورفاقه ترعرعوا في شرق أوروبا. بنوا الدولة على طريقتهم: بعقل، برؤية، بقوة، بدهاء، بانجازات هائلة وبأخطاء كبرى، ونعم، أيضا بإقصاء الخصوم السياسيين. الحزب والمملكة كانا بالنسبة لهم جوهرا واحدا، غير قابل للفصل. خيرا كان أم شرا، هم آباء الدولة.
انظروا كيف يخادعنا وزير التاريخ. من 1948 حتى 1977، كان مباي، بأسمائه المختلفة، منشغلا في إدارة الدولة. اليمين أقصي، ظُلم، وتعرض للتمييز. قادته كانوا متفرغين. قسم كبير من وقتهم كرس لإعادة كتابة التاريخ. اليسار لم يولِ هذا تفكيرا. في مدن إسرائيل يوجد، كما هو معروف، شوارع كثيرة على اسم جابوتنسكي أكثر مما على اسم هرتسل. كيف وقع هذا التشويه؟ ممثلو اليمين في البلدات ضغطوا. في مرحلة معينة نصبت في الشوارع لوحات ذكرى. من يتابعها يأخذ الانطباع بأنه كانت هنا منظمتان سريتان فاخرتان، الايتسل والليحي. نعم، كانت أيضا تسمى «الهاغاناة».
اليمين سرق التاريخ من اليسار: أحيانا، في إطار المسابقات، أسأل الناس كيف كان رئيس الوزراء مناحيم بيغن يسمي «تساهل» (جيش الدفاع الإسرائيلي). ماذا يعني هذا، يسارعون إلى الإجابة. خطأ، أقول. كان بيغن يعرف ما هو معنى «هاغاناة» (الدفاع) في اسم «تساهل». بن غوريون أراد أن يعرف الناس من هو الذي ولّد «تساهل» ومن ورث «تساهل». ولهذا حرص بيغن على أن يسمي تساهل «تسال» (الجيش الإسرائيلي) من دون كلمة هاغاناة.
ما يعيدنا إلى السؤال من هو المسؤول عن مشروع الاستيطان. في عام 1977، أرسل حزب العمل إلى المعارضة. والجدال الداخلي الذي دار فيه عن المستوطنات، كم ومتى وأين، تغير بالتدريج. وكان بيرس هو الرجل الذي قطع كل الطريق من جهة إلى جهة أخرى. من المساعدة السخية، العلنية والسرية، لكل المستوطنات، إلى المعارضة الجارفة. وحتى النصر في الأيام الستة فقد بالتدريج من لمعانه. في اليسار فهموا ثمن النصر، وكذا الثمن السياسي. فقد بشر بنهاية حكم حركة العمل.
ما رماه اليسار، التقطه اليمين. كل ما فعله اليسار وتطابق واحتياجات نتنياهو الحالية، يولى الآن بأثر رجعي لليمين، وكل ما فعله اليسار ولا يتطابق واحتياجات نتنياهو، يعتبر خيانة للدولة. الرسمية (الملوكية) ماتت؛ تحيا المملكة (الذاتية). ملك موجود لنا منذ الآن، بل وملكة أيضا.
عودة إلى الحدث في غوش عصيون. بين خطاب نتنياهو المغرور والخطاب الممتلئ بذاته لرئيس الكنيست يولي ادلشتاين، صعد رامي كلينشتاين إلى المنصة. وغنى «لم تنته بعد روائعك»، ليورام تهرليف، «بلادنا الصغرى، بلادنا الجميلة، وطن بلا لباس/ وطن حافي القدمين»، قصيدة حلوة عن دولة صغيرة لم تعد موجودة ولعلها لم تكن موجودة أبدا، وبالتأكيد ليس منذ بدأ هذا المشروع العملاق، قبل خمسين سنة.

يديعوت 29/9/2017

اليسار بنى الدولة واليمين اختطفها

ناحوم برنياع

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية