
تونس ـ “القدس العربي”: أعاد حديث الرئيس التونسي الباجي قائد السبسي عن اقرار المساواة في الميراث إلى السطح نقاشا عاشته النخب التونسية منذ سنوات وبوتائر متقطعة وحماس متفاوت الحدة. ومن الأهم في تقديري التطرق إلى المسألة من زاويتي مقاربة تختلف درجة تأثيرهما دون أن تتفاوت قيمتهما من حيث الدلالات.
مخزن انتخابي
المستوى الأول سياسي إن شئنا ويتمثل في أن رئيس الجمهورية التونسية أراد توظيف المسألة لإعادة الصلة بـ»خزانه الانتخابي» المتكون في جزء منه من عدد هام من النساء اللائي يتناقضن تناقضا تاما مع النموذج المجتمعي الذي تروج له حليفته في الحكم حركة «النهضة». والرسالة موجهة أيضا للشخصيات والأحزاب التي تقاسم الباجي قائد السبسي رؤيته لدور المرأة ولكنها تريد ان تفتك منه جانبا من هذا «الخزان الانتخابي» الذي أوصله للحكم، ولكنه لا يخفي «خيبة أمله» من توافق وتقارب الباجي قائد السبسي وراشد الغنوشي. وهناك جانب آخر في المستوى العرضي ويتمثل في أن إثارة موضوع المساواة في الميراث في ظل المشاكل الاقتصادية والاجتماعية المتعددة والمتزايدة التي تشكو منها تونس حاليا قد تبدو امعانا من الباجي قائد السبسي في انتهاج استراتيجية «التلهية وتحويل الاهتمام» التي عوضت منذ كانون الثاني/يناير 2011 استراتيجيات الصمت واعتماد الحد الأدنى من الحوار والنقاش.
ويبدو أن الكثيرين قد توقفوا عند هذا المستوى فاعتبروا أن المساواة في الإرث موضوع ثانوي وهامشي بل نزله البعض في سياق «الخضوع لإملاءات أوروبية». ولن نتوقف عند هذا المستوى رغم أهميته لان تطوير التشريعات يأتي استجابة لعوامل متداخلة يتساوق فيها المحلي والعالمي والهامشي والمحوري. فما يعنينا هو تنزيل هذه الدعوة في سياق تجربة تونسية اختارت منذ صدور مجلة الأحوال الشخصية سنة 1956 تحديث المجتمع من خلال تغيير بنية العائلة عبر تغيير التشريعات. هذه التجربة منحت المجتمع التونسي فرادته على المستوى العربي وأوجدت نموذجا له ايجابياته وأيضا سلبياته.
مسار طبيعي
لقد ازداد حضور المرأة في الحياة العامة وخاصة في خلق الثروات عبر تنامي تواجدها في سوق الشغل وهو ما يجعل تطلعها للمساواة الكاملة استتباعا طبيعيا لمسار اكتساح الفضاء العمومي الذي يعتبر من مؤشرات الحداثة. من هذه الزاوية فان الحديث عن المساواة في الإرث يعتبر «أمرا طبيعيا». ويتعزز هذا التطلع بمكتسبات الثقافة الإنسانية في نزوعها الكوني والتي تؤكد على المساواة الانطولوجية بين كل بني الإنسان بصرف النظر عن الجنس والدين والعرق.
ويصطدم هذا النزوع بقراءة «ذكورية» للموروث الديني وللنص القرآني تجعل من الآيات التي تفصل تقسيم الإرث آيات محكمة لا يمكن الاجتهاد فيها. وليس الحديث عن «القراءة الذكورية» أمرا اعتباطيا بل لأننا نؤمن أن «القرآن خط مسطور يتكلم به الرجال» كما قال الإمام علي رضي الله عنه ليشير بذلك إلى أهمية الموقع الاجتماعي والمصلحة الاقتصادية في تفسير القرآن وتأويله.
وفي تقديري فإنه كما كان لتونس سبق إلغاء الرق والتطليق وتعدد الزوجات، فإنها قادرة على التوجه نحو المساواة في الإرث على قاعدة قراءة أنسية للقرآن تنطلق مما أكده من مساواة انطولوجية بين المرأة والرجل ومن نظرة مقاصدية للنص تأخذ بعين الاعتبار تراجع أنماط الإنتاج التقليدية وظاهرة التزويج داخل العائلة الممتدة وما تخفيه من حرص على التحكم في علاقات المصاهرة حفاظا على الأرض في الأساس. ولا شك ان أهم تحول وجب أخذه بعين الاعتبار هو ان المجتمعات التقليدية تقوم على اعتبار المجموعة هي قاعدة وأساس الانتماء وبناء المجتمعات، في حين ان الفرد هو محور المجتمعات الفردية، وهذا يفرض قطيعة معرفية مع المقاربات القديمة التي تجعل من الاختلاف في الأدوار والوظائف الاجتماعية مدخلا للتأسيس في اختلاف «انطولوجي» بين بني البشر يحول حالات التمييز التي لا يلعب فيها الجهد الفردي دورا.
قاعدة المساواة
وهناك تحول سياسي وتشريعي لا بد لتونس ان تنجح فيه إذا أرادت ان تمنح للمساواة في الإرث بعدا ايجابيا. ففي المستوى السياسي يتعين ان تتكرس المواطنة بما تضمنه من حريات وما توفره من ضمانات للانخراط في الشأن العام حتى يتم تجاوز المفارقة التي عاشتها الدولة التونسية منذ الاستقلال في هذا المستوى، والتي لخصتها عبارة عالم الاجتماع عبد القادر الزغل برشاقة حين اعتبر ان الدولة التونسية «حررت المرأة وصبينت الرجل».
وأما المستوى التشريعي فيتمثل في التغيير الكلي لمفهوم القوامة الذي تقوم عليه من الناحية القانونية العلاقة الاقتصادية داخل العائلة التونسية والذي لا ينسجم مع قاعدة المساواة التي تستند إليها مبادرة المساواة في الإرث.
هشام الحاجي