الدوحة- «القدس العربي» من اسماعيل طلاي: حققت قطر انتصارا حقوقيا مفصلياً في صراعها مع خصومها؛ بعد نجاحها باكراً في حسم معركة «حقوق الإنسان» في الأمم المتحدة ومنابر حقوقية دولية بارزة، بجانب الانتصارات التي حققتها الدبلوماسية القطرية منذ بداية الحصار المفروض عليها بتاريخ الخامس من حزيران/يونيو الماضي.
وإلى جانب دعم المفوضية السامية لحقوق الإنسان لمطلبها بضرورة رفع الحصار المفروض عليها فوراً؛ انتزعت قطر، ممثلة في اللجنة الوطنية لحقوق الإنسان، دعما دولياً لافتاً من الكونغرس الأمريكي والبرلمان الأوروبي، وصولا إلى البرلمان البريطاني، فضلاً عن تقارير صادرة عن أهم المنظمات الحقوقية ومراكز بحثية وجامعات عالمية مرموقة (هارفارد وتافتس بالولايات المتحدة) أجمعت كلها على إدانة الحصار بشدة، والمطالبة بضرورة وقفه فوراً، لما خلفه من انتهاكات جسمية لحقوق الإنسان، وخرق صارخ للمواثيق الدولية.
وفي المقابل، تغرق جمعيات تصنف نفسها في خانة المنظمات الحقوقية، محسوبة على الإمارات والسعودية والبحرين ومصر في فضائح متتالية، بلغت حد تقديم الرشاوى واستعمال النفوذ ومحاولات «التضليل»، في مسعاها لتشويه سمعة قطر، الأمر الذي أثار غضب مؤسسات دولية لحقوق الإنسان؛ مطالبة بطرد تلك المنظمات من مجلس حقوق الإنسان في الأمم المتحدة.
موظفون ومتطوعون مجندون منذ 4 أشهر
في الخامس من تشرين الأول/أكتوبر الجاري، تغلق الأزمة الخليجية شهرها الرابع. فترة عصيبة، تحوّل خلالها مقر اللجنة الوطنية لحقوق الإنسان، الكائن في حي شعبي متواضع في الدوحة، على مقربة من العمال ومختلف شرائح المجتمع، إلى خلية نحل؛ لم يعرف موظفوها يوما للراحة بعد مرور قرابة 120 يوماً من الحصار. وما يزال الموظفون والمتطوعون في اللجنة يصلون الليل بالنهار، ويعملون طيلة أيام الأسبوع، لاستيعاب حجم الشكاوى التي تتدفق يومياً من المتضررين بحصار الأشقاء، ووجدوا أبواب اللجنة مفتوحة لاستقبال شكاويهم، وتوثيقها، على أمل الحصول على تعويضات مادية ومعنوية للأضرار التي تكبدوها.
أزيد من 13 ألف عائلة تضررت من الحصار؛ والآلاف من المواطنين القطريين ومواطني الدول الخليجية الثلاث وجدوا ملاذا لهم منذ اليوم الأول لدى اللجنة القطرية لحقوق الإنسان التي استقبلت في الساعات الأولى فقط من بدء الأزمة مئات الشكاوى والتظلمات من أسر تفككت، وطلاب حرموا من متابعة دراستهم، ومرضى لم تشفع لهم معاناتهم في الإفلات من الحصار الجائر، ولا أفلحت أموال المستثمرين القطريين ومشاريعهم الضخمة في الدول الثلاث في معاملتهم بالحسنى. بل إن العقاب الجماعي لم يستثن معتمرين علقوا في مطارات جدة، ومنع أزيد من عشرين ألف مواطن ومقيم في قطر من أداء فريضة الحج لاحقاً.
وأمام حجم المعاناة والمآسي التي خلفها الحصار؛ لم تتردد «حقوق الإنسان» منذ اليوم الأول في استنفاد كافة الإجراءات القانونية التي يتيحها القانون الدولي الإنساني والمواثيق الدولية لحقوق الإنسان للدفاع عن متضرري الحصار، ونقل معاناتهم إلى العالم.
أثبتت اللجنة الوطنية لحقوق الإنسان منذ بداية الأزمة أنها أحد الأذرع القوية لقطر في مواجهة دول الحصار، وحسمت «معركة حقوق الإنسان» باكراً عبر محتلف المنابر الدولية.
وتناغما مع نهج الدبلوماسية القطرية التي طافت العالم لفضح الحصار المفروض عليها؛ جال الدكتور علي بن صميخ المري، أحد أبرز المسؤولين القطريين تحركاً في الداخل والخارج منذ بدء الأزمة، عشرات الدول، حاملا هموم ضحايا الحصار، في زيارات التقى خلالها أبرز المسؤولين عن ملف حقوق الإنسان في العالم؛ منهم الأمير رعد بن زيد، المفوض السامي لحقوق الإنسان في الأمم المتحدة، مروراً بمجلس حقوق الإنسان لهيئة الأمم المتحدة، وصولا إلى أبرز المنظمات الحقوقية الدولية، مثل منظمة «رايتس ووتش» ومنظمة العفو الدولية «أمنستي»، والمنظمة العربية لحقوق الإنسان، وغيرها من الهيئات الحقوقية الدولية.
توثيق الانتهاكات
ولم تكتف اللجنة باستنفار الرأي العام في عواصم العالم، بل وجهت دعوات إلى مختلف المنظمات الحقوقية الدولية وبرلمانيين وصحافيين وصناع الرأي العام في العالم لزيارة قطر، والوقوف على تداعيات الحصار ميدانياً.
توالت الوفود الدولية، من منظمة «أفدي» الدولية، ووفد منظمة «هيومن رايتس ووتش» برئاسة كينيث روث -المدير التنفيذي للمنظمة، ومنظمة العفو الدولية «أمنستي». إلى جانب أزيد من 200 مشارك من منظمات ومؤسسات دولية، حضرت إلى قطر في عز الحصار للمشاركة في المؤتمر الدولي حول حرية التعبير، تحت عنوان: «حرية التعبير: نحو مواجهة المخاطر» يومي 24 و25 تموز/يوليو الماضي، وأجمعوا كلهم على إعلان «إدانة قوية» للحصار المفروض على قطر.
استنفار دول الحصار
وفي مقابل نجاح قطر وحسمها لمعركة حقوق الإنسان في أبرز المنابر الحقوقية الدولية، ثارت ثائرة دول الحصار، فجندت وسائل إعلامها لمحاولة النيل من الانتصارات المتتالية لدولة قطر؛ ومحاولة تشويه صورتها، واستعانت بشخصيات ومنظمات مختلفة، تحت مسمى «منظمات حقوقية». وسارعت لعقد لقاءات على عجل في لندن، وجنيف وعواصم دولية أخرى، بهدف الضغط بكل الوسائل لإقناع المنظمات الحقوقية بأنها لا تفرض حصاراً على قطر، وإنما إجراءات سيادية، على حد زعمها. ونشر تقارير تزعم انتهاك قطر لحقوق الإنسان، متغاضية عن تقارير أممية ودولية تدين سجل دول الحصار الثلاث في مجال حقوق الإنسان.
وسرعان ما أدركت دول الحصار أنها تحركت في توقيت متأخر جدا؛ بعد أن نجحت قطر في إقناع العالم بقضيتها، ووثقت المنظمات الحقوقية الدولية انتهاكات جسيمة، وجمعت شهادات من المتضررين؛ فلم تعد التقارير المضللة، ولا الخطابات السياسية مجدية لدول الحصار لتغيير قناعة الرأي العام العالمي ضد قطر.
رشاوى وتلاعب
وفي محاولة لتدراك إخفاقاتها، لم تتوان الدول المحاصرة لقطر عن اتباع أساليب غير قانونية، من قبيل دعم منظمات وشخصيات، ألبستها ثوب الدفاع عن حقوق الإنسان، مستعينة بقوة المال، قبل أن تثور الفضائح من حولها.
كانت آخر فصول فضائح دول الحصار في محاولاتها لتشويه إنجازات قطر في منابر حقوق الإنسان الدولية، ما كشف عنه تحقيق أجرته «الهيئة المستقلة لمراقبة الأمم المتحدة» داخل مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، أدان وجود تعبئة وضغط سياسيين تمارسهما الإمارات عن طريق إغراق المجلس بمعلومات مضللة، والضغط على المقررين الخاصين التابعين لمجلس حقوق الإنسان، في انتهاك صارخ للقوانين المالية والتجارية السويسرية والأوروبية.
وفي وقت لاحق، أعلنت الهيئة المستقلة ومقرها جنيف ونيويورك أنها تقدمت برفقة حقوقيين سويسريين بطلب إلى الشرطة السويسرية من أجل اعتقال كل من سرحان الطاهر سعدي المقيم في سويسرا والمنسق العام لجمعية محلية إماراتية متورطة في تقديم رشى وغسيل أموال تدعى «الفيدرالية العربية لحقوق الإنسان»، إضافة إلى شخص آخر إماراتي الجنسية يدعى أحمد ثاني الهاملي يقف خلف ذات الجمعية بجانب منظمة أخرى تدعى «ترندز» للبحوث والاستشارات.
وقالت الهيئة أنها تقدمت للشرطة السويسرية بتقرير تفصيلي مدعم بالأدلة وإفادات الشهود حول قيام الأشخاص المتهمين بتوزيع رشى داخل الأراضي السويسرية، وداخل مقرات الأمم المتحدة إضافة إلى نقل أموال والعمل بصورة غير قانونية.
كما طالبت مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة بطرد جمعية إماراتية تتواجد دون أي صفة قانونية داخل أروقة المجلس، وترتكب «مخالفات مالية وقانونية وتهرب ضريبي».
ولاحقا، اتهمت ذات الهيئة المستقلة لمراقبة الأمم المتحدة في جنيف، المنظمة المصرية لحقوق الإنسان والتي يرأسها المصري حافظ أبو سعدة، بالتورط في مشاركة الإمارات العربية المتحدة في تسييس أعمال مجلس حقوق الإنسان. موضحة أن المنظمة المصرية سهلت عمل جمعية محلية إماراتية سيئة السمعة تدعى «الفيدرالية العربية لحقوق الإنسان» خلال جلسة مجلس حقوق الإنسان السادسة والثلاثين خلال أيلول/سبتمبر الماضي.
وطالبت الهيئة المستقلة بسحب الصفة الاستشارية للمنظمة المصرية لحقوق الإنسان، بسبب تلقي رشاوي من الجمعية الإماراتية، معربة عن صدمتها من تصرفات المنظمة المصرية التي تحولت أداة بيد بعض الحكومات، من أجل مهاجمة دول أخرى ومنظمات حقوقية دولية.
إلى ذلك، كشف تقرير لمجلة «إنترناشونال بيزنس تايمز» الأمريكية، تفاصيلَ حملة علاقات عامة تمولها السعودية في الولايات المتحدة، تسعى إلى التصدي لقانون العدالة ضد رعاة الإرهاب، وإظهار جارتها قطر بمظهر الممول للإرهاب وتشويه سمعتها.
ويظهر بحث أجرته المجلة، بناء على الادعاءات المقدمة لوزارة العدل الأمريكية، أن شركة «تارغتيد فيكتوري» الأمريكية، التي تعمل في مجال الاستشارات الإعلامية تلقَّت أكثر من مليون دولار من المملكة، لكتابة 55 تغريدة على موقع «تويتر» وإنشاء حملات إعلانية مدفوعة.
الرأي العام
وتعدّ هذه الفضائح، عينة من تقارير أخرى تدين محاولات دول الحصار استعمال أساليب غير قانونية لمحاولة تشويه صورة قطر، في وقت تواصل الدبلوماسية القطرية، واللجنة الوطنية لحقوق الإنسان حصد المزيد من الدعم الدولي، والأصوات الحقوقية المطالبة برفع الحصار الذي فشلت السعودية والإمارات والبحرين ومصر في إقناع العالم الحر بقانونيته!
إسماعيل طلاي