القوة النووية الايرانية، والعالم العربي

حجم الخط
0

القوة النووية الايرانية، والعالم العربي

عبد القادر اللطيفيالقوة النووية الايرانية، والعالم العربي قد يكون من قبيل الترداد اليائس أو التكرار الممل ما سنقوله بشأن القوة النووية الايرانية من منظورنا كمغلوبين عرب ومسلمين لم تترك لنا الولايات المتحدة أو تكاد خيارات للاصطفاف. الا أنه من المهم أن يتذكر كل من العالم العربي والاسلامي، أن الآخر الغربي قد بالغ في دفعنا الي الطرف المقابل بكل الوسائل والطرق حتي أصبحنا جميعنا في منظورهم متطرفين وارهابيين.وقد يقول قائل ان الرأي العام الغربي متفاوت وأن الحكومات الغربية نفسها متفاوتة، وأننا بهذا المنطق ندفع الأشياء بدورنا حتما الي التطرف. الا أن هذا ليس أمرا صحيحا كما أنه لن يكون أمرا مقبولا لدينا وفي كل الأحوال. وذلك لأننا ببساطة ندّعِـي أننا أمة وسط، ولا يجوز أن نفقد توازننا حتي في أحلك الفترات التاريخية العصيبة.ومن هنا يتحول الحديث الي أزمة المصالح بالدرجة الأولي ـ لأنه لا مبرر لأي دولة من الدول، وعبر التاريخ، أن تقطع جيوشُها آلاف الكيلومترات، بقصد غزو دولة أخري أو محاصرتها أ، أو تهديدها وتجويعها ـ دون أن ننسي في الدرجة الثانية أهمية اختلاف المفاهيم وزوايا النظر الحقيقية، بل والتناقض الفكري الي حد التصادم.وحينما نتحدث عن المفاهيم انما نتحدث عن كل ما ينضوي تحت رؤية تشكيل الذات والشخصية الفردية والجماعية، تراوحا بين الدين والأيديولوجيا، وكل ما يعكس نظرتنا حتي الي طريقة أكلنا وتمشينا في الحدائق العامة والشوارع.. ولكن، وللأسف فان السياسة الغربية وتحديدا الأمريكية والحالية منها، لم تترك لنا أيا من الخيارات الهادئة أو حتي المسالمة. ونحن مضطرون بشكل عام كشعوب عربية واسلامية أن ندافع عن أنفسنا بطريقة أو بأخري.وليس غريبا في ظل هذا الوضع أن يختار كل واحد منا طريقة ما، أو طريقة مناسبة حسبما يعتقد ليؤمـّن الحماية لنفسه وللمجموعة الكبري التي ينتمي اليها. وبالطبع قد تختلف الطرق وتتباين الوسائل تباينا كبيرا.. ولقد اختارت ايران ـ ولها كل الحق في ذلك ـ أن تدافع عن نفسها ضد هيمنة الولايات المتحدة واسرائيل بالتحصيل العلمي للتكنولوجيا المتقدمة، والتي هي حـَربة الغرب المتفوق التي ما يفتأ يغرزها في عين كل معترض لطريقه علي مدي العصر الحديث.. ويجدر القول انه ليس شرطا أن تكون ايران دولة نووية بالمعني العسكري، وبالتالي فان خوف الغرب حاليا ليس من أن ايران ستمتلك سلاحا نوويا في القريب العاجل. اذ يمكن وعبر الوكالة الدولية للطاقة الذرية التي يرأسها البرادعي، أن تُمــــارس شتي الطرق والوسائل لجعل برنامجها النووي سلميا بواسطة المراقبة المكثفة والكاميرات المثبتة في كل مكان داخل المفاعلات. وهذا ليس بالأمر المستحـــــيل ولا بالمستبعد. ومن المعلوم أيضا أن عددا من الدول تمتلك هذه الطاقة النووية السلمــــية كما هو الشأن في اليابان وألمانيا مثلا. بل أكثر من ذلك يمكن القول ان بعض البلدان مثل باكستان والهند وكوريا الشمالية التي تمتلك السلاح النووي حقيقة لا وهما، لا يبدو أنها تشكل كبير تهديد للسلم العالمي حتي لو كانت كوريا الشمالية نفسها ما دامت الأمور تسير في الاتجاه الذي لا يفضي الي تدخلات القوي العظمي في شؤون من هو أقل شأنا.وهكذا فان خوف الغرب وأمريكا واسرائيل علي وجه التخصيص، هو من الامكانية القائمة علي الدوام، وبشكل مفتوح من أن احدي الدول الاسلامية، والتي لا تنسجم سياستها بالضرورة مع مصالح الغرب، تمتلك المعرفة التي يمكن أن تسيطر بها علي أي اتجاه علمي أو تكنولوجي تريد أن تمارسه في المستقبل.. ويمكننا القول اننا في لحظة تاريخية مهمة، علي اعتبار أن الولايات المتحدة في ظل الوضع الحالي وفي مواجهة ايران تجد نفسها أقل جموحا وأقرب الي ألا تكون كل الأوراق بيدها كما كان الشأن في حالة العراق. ومهما تقل السيدة الجليلة كوندوليزا رايس من أن الولايات المتحدة من الممكن أن تقوم بعمل فردي خارج اطار الأمم المتحدة، الا أن حقائق الوضع العالمي تؤكد أن ايران ليست العراق. وأن المثال العراقي، وللأسف الشديد بالنسبة الينا نحن العرب، كان هو الدرس الذي ينبغي أن تستفيد منه ايران وأن تتعظ به الولايات المتحدة علي حد سواء اذا كانت حقا تدافع عن قيم الحرية والكرامة الانسانية وتفكر في الحفاظ علي الأرواح البشرية مهما كانت درجة أصحابها ومن أي جنس أو لون كانوا.. وأعتقد شخصيا أن السياسة الأمريكية لا تخلو من جبن، فالأمريكيون لا يمكن أن يشنوا حربا من الحروب الا اذا كانوا قد ضمنوا النصر بنسبة عالية وشبه حاسمة، تدعمهم في ذلك التكنولوجيا العالية التي يمتلكونها. وهو مبدأ يمكن رؤية ملامحه منذ دخول الرجل الأبيض الي العالم الجديد مدججا بالسلاح، مرورا بحروب الولايات المتحدة في الحربين العالميتين الأولي والثانية، وفي الشرق الأقصي كما هو الحال في كوريا وفييتنام، وصولا الي الشرق الأوسط وتحديدا العراق. وقيمة اللحظة التاريخية الراهنة هي، وكما يراها ديميس روس أحد أقطاب اللوبي الصهيوني، هي أن أمريكا اليوم تجد نفسها أمام خيارين اثنين: اما الاعتراف بالأمر الواقع والتعامل مع ايران والايرانيين كطرف حقيقي في مفاوضات مباشرة، واما شن حرب علي ايران. هكذا بكل بساطة.. وفي تقديرنا أن مثل هذا الاعتراف يعكس حراجة الموقف الذي يمكن اعتباره لحظة انتصار بالنسبة الي العالم المسحوق والمظلوم كما هو حال العالم العربي والاسلامي. وليس ذلك بالمعني الانشائي، ولا من قبيل التهور أو الخفة ولا من قبيل النكاية بالولايات المتحدة. غير أن الانتصار بالنسبة الينا هو في بلوغ المرحلة التي لا تعود معها الأمور متروكة حقيقة لقانون الغاب المطلق. وقد تعلمنا منذ الصغر أن الطبيعة لا بد أن تزود كل كائن من الكائنات الحية مهما صغر شأنه بسلاح يدافع به عن نفسه. ولمن يطلون علينا بين الحين والحين من العرب ، ليقولوا لنا ان المفاعلات النووية الايرانية خطر علي المنطقة وأن تشرنوبل أسطع مثال علي ذلك، نقول ان هذه المقولات صبيانية وسخيفة. وما هو أسخف منها أن يكون الآخرون قد لقنوها لنا.ومن ناحية أخري، ومهما كانت خلافاتنا نحن العرب، مع الايرانيين سواء في العراق أو خارج العراق، سياسيا أو مذهبيا، فان ايران تظل دولة جارة ودولة كبري لن تشذ كثيرا مهما كانت مصالحها الخاصة، عن مصلحة المنطقة العربية والاسلامية عموما. بل ان وجود ايران قوية سيحفز البعض من العرب علي الأقل لكي يستيقظوا من سباتهم واستكانتهم منذ أن تكبل العالم العربي بقيود المعاهدات والاتفاقيات التي أعطت لأسرائيل كل شيء ولم تبق للعرب أي شيء. 8

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية