رقصة «فوكس تروت» المشوهة؟

حجم الخط
0

وحدة الأفلام للمتحدث بلسان الجيش الإسرائيلي لم تكن لتتجرأ على إخراج فيلم يؤيد إسرائيل وجيش الدفاع الإسرائيلي بهذه الدرجة مثل فيلم «رقصة فوكس تروت». فقد كانوا يعرفون في الوحدة أنه لن يصدقهم أحد. كما أن هذه الوحدة لم تكن مستعدة لإخراج فيلم بهذا القدر من الجمال والمشاعر والرمزية والمجازية. كما لم تكن هناك سفينة حمقى مستعدة لأن تستقبل على متنها جنونا بمستوى الهجمات الساخنة لوزيرة الثقافة على الفيلم من دون أن تشاهده. وحتى لو شاهدته ما كانت تستطيع إدراك أي كنز إعلامي يحتويه.
زميلها المحارب ضدَّ المقاطعة جلعاد اردان كان يجب عليه إصدار تعليمات لوزارته بأن تنشر حالا الفيلم في العالم في إطار حربه تلك. لا يوجد مثل «فوكس تروت» لتجميل صورة الدولة. انظروا إلى جمالنا نحن الإسرائيليين. أية سينما جميلة لدينا. في أي بيوت جميلة نعيش. وكم هم جميلون الناجون من الكارثة الموجودون لدينا، حتى في حواجزنا المقيتة الأمر جميل جدا.
شموليك معوز عمل فيلما جميلا ـ يخطف الأبصار. فيلم مضلل. الأمر الأخير الذي يستحقه هو أن يتهموه بأنه يضر بالدولة. رقصة فوكس تروت الخاصة به هي رقصة مشوهة. معوز يقول إن فيلمه هو مجازا لأسئلة عالمية حول الجبرية، الاختيار، المصير وقدرة الشخص على تشكيل مستقبله. هذه مسائل جديرة وممتعة. كان معوز يستطيع أن يناقشها بحبكة روائية عن بشرى سيئة عن مرض عضال، حمية قدرية لم يتم استغلالها، أو تأخير إجباري عن موعد الطيران. وبدل ذلك اختار أن يتركز النقاش في سياق الاحتلال الإسرائيلي، لهذا هو لا يستطيع أن يكون ساذجا ويدّعي أن الأمر يتعلق بفيلم فني وخيالي، لا صلة له بالسياق أو الواقع والحقيقة. في اللحظة التي اختار فيها الاحتلال ساحة لفيلمه، فقد حوّله إلى فيلم سياسي واقعي، ليس فقط لأنهم لا يرقصون هكذا رقصة فوكس تروت، كما اكتشف معوز ذلك بصورة متأخرة، بل أيضا الاحتلال لا يبدو هكذا ـ في الحقيقة لا يوجد أي تشابه. إن تجميل صورة الاحتلال ليست أقل خطرا من تشويه صورته.
أن نسمي جنود الجيش الإسرائيلي نازيين، هذا أمر فظيع، لكن أن نعرضهم في الحواجز مثلما تعرض نعومي شيمر «تمسك الناحل بسيناء»، والتي رأت عيناها «الكثير من الأمور الجميلة». وكذلك «دواوين شعرية صغيرة على الرفوف». هذا ليس أقل خطورة. الكذب هو كذب، من أية جهة كان. ليس هناك الكثير من الأمور الجميلة في الحواجز، حتى ولا واحد. معوز اختار تزيينها. له الحرية الفنية أن يصف الواقع كما يتخيله، لكنه لا يستطيع تجاهل تداعيات أوهامه. عندما يبدو حاجز للجيش الإسرائيلي مثل مشهد سريالي جميل في فيلم إيطالي من الأفلام التي كانت في يوم ما ـ في فينيسيا ربما يصدقونه، هنا لا يمكن ذلك. ليس هناك حواجز جميلة كهذه، ومع جمل يعبر بصمت وسيارة تبيع البوظة مصورة عليها فتاة شقراء.
هو أيضا لا يستطيع التنكر لمسؤوليته عن الرسالة. هو لا يستطيع التنكر عن مسؤوليته أن الفلسطينيين يوجدون فقط للحظة في فيلمه، وهم أيضا مختلفون بدرجة كبيرة عما هم في الحقيقة: في «فوكس تروت» هم يقودون سيارات «شيفروليه» ذات لوحات إسرائيلية، يلبسون ملابس أنيقة في طريقهم إلى حفل الزفاف أو أثناء عودتهم منه، ويغنون أغنية طرب.
ليس هناك الكثير من الشقق المزخرفة مثل شقة والدي يونتان، وليس هناك جنود يجلسون في الحواجز يرسمون الرسومات المضحكة في ساعات فراغهم الكثيرة. إن هذا مجازا لدرجة غرقهم في الوحل. الجنود في الحواجز ببساطة ليسوا هكذا.
هم لا يرسلون نظرات حزينة، وهم مشغولون في الأساس بالعنف والبلطجة وليس بالفكاهة. معظمهم لم يترعرعوا في بيوت فاخرة صممها مهندسون معماريون جميلون، تزوجوا من طالباتهم ـ هؤلاء يذهبون إلى وحدة 8200، من المسموح عرضهم كما يريدون، لكن عندما يقوم بذلك مخرج إسرائيلي له رأي سياسي فهو يقوم بصنع الدعاية وليس الفن.
ليس «المشهد» الذي يتحدث الجميع عنه يحول الفيلم هذا إلى فيلم مثير للغضب، ليس التصفية الجماعية من قبل جنود جيش الدفاع الإسرائيلي وليس إخفاء الدلائل في أعقاب ذلك. فوكس تروت يحاول أن يخفي شيئا واحدا تماما، أكثر خطورة بكثير: إنه يحاول أن يخفي البشاعة.

هآرتس 1/10/2017

رقصة «فوكس تروت» المشوهة؟

جدعون ليفي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية