مثل كاتب روايات إثارة كبير، ينهي روغل الفر مقاله قبل لحظة من حل اللغز. في مقاله (« مقطوع عن الواقع»، هآرتس، 24/9) يثبت أن حل «دولتين لشعبين» مات. هو يتفق معي أن الحياة في دولة ثنائية القومية ستكون جحيما.
ماذا تبقى؟ أن نهاجر؟ أن ننتحر؟ روغل الفر لا يقول شيئا. هو يبقينا من دون حل. يكفيه أن يقول إن «هذا هو الواقع».
أنا أحترم الفر وأقدره، وأقرأ مقالاته بلهفة. ولكن الآن هو يبقينا ـ حسب أقواله ـ واقفين على متن «التايتانيك» وننظر إلى جبل الجليد الذي يقترب منا. هذا ليس جميلامنه.
عندما أدعو إلى عمل وأقول إن هناك أمل، فإنه يقرر بثقة أنني «مقطوع عن الواقع».
سأبدأ بكلمة «واقع». ماذا يعني «واقع»؟، الواقع ليس حالة ثابتة. الواقع هو الحالة في هذه اللحظة. هو يتغير من دون توقف. هناك آلاف العوامل تؤثر فيه وتغيره. من بين هذه العوامل تؤثر فيه أيضا أعمالنا وإخفاقاتنا نحن بنو البشر.
من أقوال الفر يمكن أن يتكون انطباع بأنني أوصي بالجلوس مقابل التلفاز والانتظار بتفاؤل حدوث معجزة، مثل أن تغير السفينة نفسها الاتجاه قبل الاصطدام الفظيع القاتل. ولكن لست إنسانا متفائلا من هذا النوع. أنا إنسان متفائل يؤمن أنه دائما يمكننا تغيير «الواقع». وكذلك إذا كان النجاح غير مضمون فيجب علينا أن نجرب. ما الذي يمكن أن نفعله الآن؟ حسب الفر لا شيء. فالأمر انتهى. يجب إرسال أبنائنا إلى أمريكا أو ألمانيا من أجل تأسيس حياة جديدة لهم. نوع من الصهيونية المعكوسة. إسرائيل ستختفي، والمنفى الإسرائيلي سينضم إلى المنفى اليهودي (هذا ما يحدث). إذا ما العمل؟ قبل كل شيء علينا إرجاع الأمل. ليس عن طريق الأقوال، بل عن طريق الأفعال، مثلا، إنشاء إطار جديد يوحد عشرات الجمعيات والأحزاب وآلاف الأشخاص الذين يؤيدون حل الدولتين. إن إطارا كهذا يمكنه تجميع القوة والقيام بأمور يمكن القيام بها معا، من دون تنازل أي جسم عن استقلاله وعن شخصيته وعن نشاطاته الخاصة.
توجد لدي بعض خطوط التفكير في هذا الموضوع. مثلا، إنشاء كنيست بديلة. وأنا متأكد أن هناك من لديهم أفكارا أخرى كثيرة. لأنه عندما يكون هناك جسم مخلص كهذا، يمكن التوجه إلى الشعب الفلسطيني في المناطق المحتلة وإعادة الثقة المتبادلة، التي بدأت تتراكم في عهد ياسر عرفات. يجب الاتصال وتوسيع التعاون العلني من يوم لآخر، والقيام بنشاطات مشتركة ـ كل ذلك من أجل أن نثبت للإسرائيلي العادي بالتدريج أن شعار «ليس لدينا شريك» هو شعار كاذب.
لا أعرف من هو المذنب في أن التعاون بين إسرائيل والفلسطينيين قد ضعف منذ موت عرفات. يبدو أن الطرفين أصيبا باليأس، واليأس هو الحليف الكبير للمتطرفين في الطرفين. إذا أعدنا للجمهور الإسرائيلي الواسع الثقة والإيمان بأن السلام ممكن، وأن هناك شريك للسلام، يمكننا أن نقوي أحزاب السلام القائمة، أو أن ننشئ حزبا جديدا. عندما تكون الأجواء مناسبة سيقوم قادة شباب ومتحمسون بدل رجال اليوم الضعفاء.
يجب أن يكون واضحا أن ساحة الحرب الحاسمة من أجل السلام هي الكنيست. معسكر سلام مجدد بقيادة جديدة، سيرسل بنيامين نتنياهو مع سارة ويئير إلى الفيلا في قيصاريا، إلى السيجار والشمبانيا. هذا المعسكر سينشئ تحالفا يكون قادرا على صنع السلام مع الحريديين والعرب والروس.
أحد الدروس التي استخلصتها في حياتي (من أعالي الـ 94 سنة، حسب أقوال الفر) هو أن أمورا غير متوقعة تحدث طوال الوقت، منها السيئ ومنها الجيد. درس آخر هو أن تغييرا كبيرا لا يأتي نتيجة عامل واحد وحيد، بل هو مجموع عوامل مختلفة، عوامل لا ترتبط بالضرورة معا.
في الوقت الحالي تحدث أمور في أمريكا، جيل اليهود القديم يتمسك بكل ثمن بإسرائيل الرسمية. رأيت للتو مقالاعدّدَ عشرات الأشخاص الذين قرروا في الأجيال الأخيرة السياسة الأمريكية تجاه إسرائيل والمنطقة كلها. حتى الآن كلهم من دون استثناء كانوا من اليهود. ولكن الآن ينمو هناك جيل شاب جديد، علينا إقناعه بأن حب إسرائيل لا يؤدي إلى حب نتنياهو وأمثاله، بل إلى حب معسكر السلام.
في الوسط العربي والإسلامي تحدث أمور تغير تمام الصورة السياسية. هناك إمكانية للالتقاء مع الأنظمة الجديدة، التي تتوق إلى التعاون مع إسرائيل ـ بشرط أن نحل أولا المشكلة الفلسطينية. الحل هو دولة فلسطينية مستقلة إلى جانب دولة إسرائيل.
أنا أريد تكريس ما بقي لي من الوقت للجهد من أجل تغيير دفة هذه التايتانيك. ليست لي أية نية للانتحار أو الهجرة.
هآرتس 1/10/2017
أوري أفنيري