بعيدا عن مركز الاهتمام الإعلامي والسياسي، تجري مسيرة جغرافية استراتيجية ذات آثار بعيدة المدى على الساحة الدولية والإقليمية، وفيها إسرائيل أيضا. فبين أيلول/ سبتمبر 2014 وآذار/ مارس 2015 سيطر الثوار الحوثيون الشيعة، المدعومون من إيران، على عاصمة اليمن صنعاء، ميناء عدن، مضائق باب المندب ومناطق أخرى في الدولة. في آذار 2015 خرجت السعودية على رأي تحالف من عشر دول (معظمها عربية سُنّية) إلى معركة ضد الحوثيين لإعادة السيطرة في اليمن إلى حكومة الرئيس هادي. من هذا الموعد وحتى اليوم يجري قتال شديد في اليمن، والحرب الأهلية في هذه الدولة أصبحت ساحة صراع على الهيمنة الإقليمية بين إيران وحلفائها وبين التحالف السنّي بقيادة السعودية.
عنصر مركزي في هذا الصراع هو موضوع السيطرة على البحر الأحمر ـ واحد من المسارات التجارية العالمية الأهم ـ الذي يقع طرفه الجنوبي في مضائق باب المندب (بين اليمن وجيبوتي) وطرفه الشمالي في قناة السويس. وتعد مضائق باب المندب من مسارات الأبحر المكتظة في العالم. ففي كل يوم يمر عبر المضائق نحو 3.3 مليون برميل نفط من دول الخليج إلى أوروبا وأهمها التجارة بين أوروبا ودول آسيا، وفي مركزها الصين، اليابان والهند.
قناة السويس هي إحدى مصادر الدخل الأساسية لمصر، وعليه فإن حرية الإبحار في المسار من البحر الأحمر إلى القناة تعتبر مصلحة استراتيجية من الدرجة الأولى. والمخرج إلى البحر الأحمر حيوي أيضا للعلاقات الاقتصادية بين إسرائيل ودول آسيا. لقد حاولت إيران من خلال حلفائها الحوثيين السيطرة على مضائق باب المندب وبالتوازي كانت لها مراكز تأثير سياسية، اقتصادية بل ووجود عسكري في عدة دول على الشواطئ الغربية للبحر الأحمر: في السودان وفي أرتيريا.
في أثناء ثلاث سنوات من الحرب في اليمن نجح التحالف السعودي في السيطرة على منطقة باب المندب وعلى الميناءين المهمين في اليمن شمال المضائق، ولكن المعركة العسكرية بعيدة عن الحسم، ولا يزال الحوثيون يهددون مسار الإبحار بصواريخ شاطئ بحر، قوارب متفجرة وألغام بحرية.
في الساحة السياسية حقق التحالف السعودي إنجازات مهمة. فمعظم الدول الأفريقية على شواطئ البحر الأحمر قطعت علاقاتها مع إيران (السودان، أرتيريا، جيبوتي والصومال)، والسعودية واتحاد الإمارات أقامتا قواعد وموانئ عسكرية في هذه الدول الثلاث، تستخدمها في حربها في اليمن.
في عام 2016 وقع اتفاق بين مصر والسعودية، بموجبه عادت جزيرتا تيران وصنافير (في مضائق تيران) إلى السيادة السعودية. وهكذا نشأ في حوض البحر الأحمر واقع جغرافي استراتيجي جديد، معناه السيطرة المباشرة وغير المباشرة من التحالف بقيادة السعودية، ومصر فيه شريك مركزي على طول البحر الأحمر من مضائق تيران وقناة السويس في الشمال وحتى مضائق باب المندب في الجنوب. يبدو أن بعض المقدرات الهائلة التي تستثمرها السعودية، اتحاد الإمارات ومصر في تعزيز أساطيلها يستهدف ضمان السيطرة في المجال الاستراتيجي للبحر الأحمر.
إن الأهمية الاستراتيجية للمنطقة لا تخفى على ناظر القوى العظمى، واليوم تصبح المنطقة أيضا مركزا للمواجهة بين القوى العظمى. فبينا تقيم الولايات المتحدة في جيبوتي القاعدة الأكبر في أفريقيا بنت الصين قاعدتها الأولى خارج حدودها في هذه الدولة وتوجد فيها أيضا قواعد لفرنسا واليابان. بالنسبة لدولة إسرائيل من الأفضل أن يكون مجال البحر الأحمر منطقة نفوذ للتحالف السُنّي بقيادة السعودية ومصر على التهديدات الفورية الناشئة عن السيطرة الإيرانية. وتوجد اليوم مصالح مشتركة بين إسرائيل والتحالف العربي السُنّي في جملة من المسائل الاستراتيجية، ومنها أيضا منع السيطرة الإيرانية على حوض البحر الأحمر.
ومع ذلك على إسرائيل أن تستعد أيضا لإمكانية نشوء وضع أزمة مع السعودية وشركائها والمخاطر الناشئة عن الظروف الجغرافية الاستراتيجية الجديدة.
٭ مدير البحث في معهد السياسة والاستراتيجية في المركز متعدد المجالات في هيرزيليا
إسرائيل اليوم 1/10/2017
شاؤول شاي