رحل عن عمر يناهز الـ69 عاماً بعد صراع مع المرض: الفنان مخلد المختار… حارس التراث العراقي تشكيليا

حجم الخط
1

بغداد ـ «القدس العربي» من صفاء ذياب: بعد صراع طويلٍ مع المرض، رحل مساء الجمعة الماضية الفنان العراقي مخلد المختار في أحد مستشفيات النمسا. الفنان الذي اشتهر بأعماله الكثيرة التي توزعت في أماكن عدّة من بغداد والمدن العراقية الأخرى، كان حلقة مهمة للوصل بين جيل الرواد والأجيال التي تلتهم، فقد تتلمذ على يدي الفنانين المؤسسين للفن العراقي المعاصر، ابتداءً من فائق حسن وجواد سليم وغيرهما، ليشكّل بذلك مرحلة جديدة ما بعد المرحلة التأسيسية في الرسم والنحت العراقيين.
ولد المختار في مدينة الموصل شمال العراق عام 1948 من أسرة موصلية عريقة. والده المرحوم يحيى الخطاط مختار محلة باب لكش في الموصل ومن وجهاء محافظة نينوى، وهو من مؤسسي النهضة الثقافية في العراق.
في عام 1973 حصل على شهادة البكالوريوس في فن الرسم في أكاديمية الفنون الجميلة جامعة بغداد، وفي عام 1977، حصل على الدبلوم العالي في الديكور والتزيين في أكاديمية روما للفنون الجميلة، ليحصل بعدها على شهادة دبلوم الكفاءة في الفن التشكيلي من المركز العالمي وشهادة دبلوم الكفاءة للفنانين المعاصرين في العالم من إيطاليا.
في مسيرته الطويلة التي بدأها بمعرضه الأول عام 1972 في بغداد، وحتى معرضه الأخير عام 2012 في النمسا، أقام المختار أكثر من سبعة عشر معرضاً في بغداد وإيطاليا والكويت والأردن وتونس وألمانيا والصين وروسيا والنمسا، وغيرها من الدول والعواصم المعنية بالفن التشكيلي.. وعلى مدى أكثر من أربعين عاماً حصل على عدة جوائز، منها: الميدالية الفضية من قبل البابا جوفاني، الفاتيكان 1975، الجائزة الأولى (الريشة الذهبية) إيطاليا 1977، وفي العام نفسه أيضاً حصل على الميدالية الذهبية في (المعرض الدولي آرت روما)، وجائزة بيكاسو الدولية الأولى (معرض بيكاسو ميرو) في بغداد 1985، ووسام 7 نوفمبر الذهبي، الذي منح له من قبل الجمهورية التونسية عام 1997، وفي عام 2005 حصل على تكريم من الملك عبد الله الثاني في الأردن.
كما شغل المختار منصب عميد لمعهد الفنون الجميلة في بغداد بين عامي 1978 و1982، وشارك في تأسيس معهد الفنون الجميلة في الموصل ومعهد الفنون الجميلة في البصرة ومعهد الفنون الجميلة في السليمانية، كما شارك في تطوير معهد الفنون في بغداد بفتح فروع وأقسام حديثة ومضافة كفرع التصميم والمقام العراقي والآلات الموسيقية الهوائية، والدراسات السمفونية والدراسات الجمالية، وتم تحويل فرع الخط والزخرفة العربية إلى قسم.
الناقد علي إبراهيم الدليمي يقول عن المختار إن لوحاته، كما عرفناها منذ بدايته، تعتمد على التصميم الهندسي المتوازن في ما بين الرموز والأشكال والألوان.. وجميعها مستمدة ومنطلقة من مشاهد تأريخية ومن صور التراث الفلكلوري العراقي الأصيل، الزاخرة بالمفردات والرموز العظيمة، والمآثر الخالدة، والحنين إلى الماضي بمشاهده الزاهية، واتساع مواضيعه والتلذذ بمعاني صوره المجيدة. كما استخدم المختار طوال تجربته بعض الاستعمالات والمقارنات ما بين الرؤية التشكيلية الخاصة، ووجدانية التعبير الأدبية.. مستشفاً من ذلك لنفسه خطاً متميزاً ونمطاً متفرداً في أسلوبه، من خلال تقنياته الفنية التي تدعو المتلقي إلى محاولة اكتشاف أبعاد ومضامين اللوحات التي تحمل في طياتها أسرارا ودلالات ورموزا وألوانا وإشارات لتمنحها عمقاً تأريخياً عزيزاً، وبريقاً زاهياً لحاضرنا ومستقبلنا المشرق في توليف وتكوين رائع، فقد استقى من ذلك ملامحه المتممة من جغرافية العراق، أرضه، هواءه، تربته.. مكانه وزمانه بشكل عام، مضيفاً إليها مأساة وصمود أبناء العراق، خلال سنين الحروب المتوالية والعدوان البغيض والدمار الشامل والحصار الظالم، لتنتهي بالطائفية.
ويضيف الدليمي: لقد عرف عن تجربة المختار، سطوحه الفنية ذات الطبقات اللونية المتعددة، بتقنية آلية (الرش) المتممة بالريشة في ما بعد، واستخدامه الصور الكثيفة التي تغني العمل الفني بالطرق الجمالية المتلاصقة والمتناسقة والمركبة والمتداخلة بين المفردات والألوان، قد تقترب من أسلوب النحت البارز، لتقريب نظر الأبعاد الفنية التي تحيط بالكتل، لأن المنحوتات البابلية والأكدية والسومرية لا تفارق بصره ومخيلته.
سطح اللوحة عند المختار، هو مكان للبحث والتجريب والتنقيب، وقد استطاع أن ينتج سطحاً يخدم عناصر لوحاته التي تتخذ من المنمنمات والرموز الإسلامية فضاء لها، معتمداً على إبراز تفاصيل دقيقة في الأشكال، ضمن أسلوب زخرفي متوازن ومتوافق مع أرضية اللوحة (البكراونت)، إذ اشتغل على مفردات أخرى كالنباتات الزاهية والحشرات الجميلة واختزالات من بعض ملامح وأطراف الإنسان، والمزاوجة ما بين هذه العناصر مع أشكال وجمالية الحرف العربي بأنواعه، ومن ضمن منظومة بصرية معاصرة من أجل تكوين وتقديم لوحة مملوءة بالمفردات والدلالات المنسجمة مع بعضها بعضا.
في حين يرى الكاتب عيسى شتات أن لوحات المختار تحكي تاريخ العراق من نبوخذ نصر وشلمنصر والوعل البابلي وأسد بابل وغيرها من الرموز والزقورات، إضافة للخط العربي بأشكاله الجميلة المتناسقة ، وألوان المختار التي تميز بها وحبه للحياة ودفاعه عنها، وعن الحرية إلى العصر العباسي بقصوره وعمرانه حتى الوقت الحاضر. ويكشف شتات أن الفنان مخلد المختار قال له إن الشعوب لا تنهزم أبداً طالما أنها تؤمن بأن معركتها عادلة وشريفة، وأضاف أن المعركة لن تنتهي برحيل الاحتلال عن أرض العراق وجلاء آخر جندي غازٍ أجنبي عن أرضه الطاهرة، وبإعادة ما نهبه جنود المارينز من لوحات فنية وكنوز ومنحوتات ونفائس وآثار تقدر بالمليارات من متاحف العراق ومركز للفنون وغيره من المراكز، والتعويض على كل عراقي لما لحق بالعراق من أضرار مادية ونفسية جراء الاحتلال والحرب والعدوان على العراق في حربين ظالمتين وحصار دام أكثر من 13 عاماً. مؤكداً أن معركتنا لن تنتهي إلا حين يتوقف الاستعمار الأمريكي البريطاني عن غزو بلادنا والبلدان الأخرى في آسيا وإفريقيا وغيرها.
ويرى شتات أنه في معارض الفنان مخلد المختار تنظر إلى لوحة تمجد دعاة السلام في العالم، تظهر فيها أعلام دعاة مناهضة الحرب والعدوان في إيطاليا وأوروبا وأمريكا. العلم ذو الألوان الصفراء والزرقاء والبرتقالي والأخضر الفاتح… تشدنا ألوان وخطوط مخلد المختار إلى عالمه وتجذبنا إلى عراق الحضارة والتاريخ والتراث، فهذه ملوية سامراء وآثار نينوى وقباب المساجد. قائلاً- على لسان المختار- إنه يختزن في ذاكرته القريبة الصور ثم يعيد تشكيلها على القماش بألوانه السحرية، إذ ورث عن الفنانين العراقيين الرواد رؤيتهم للتشكيل العراقي ذي الخصوصية والتميز عما عداه، فالفن العراقي مزيج من الزخرفة والخط والأشكال التي تستحضر الماضي وتصله بالحاضر، فتكون حضارة بلاد ما بين النهرين هي الحاضر في اللوحة ببيئتها المميزة وبإنسانها وعمرانها وموجودات البيئية من نبات وحيوان في معظم اللوحات تشاهد الثور المجنح والوعل والجاموس العراقي والنخل العراقي دائم الحضور، القصور العباسية بأعمدتها وتيجانها وأبوابها وقبابها وشرفاتها ونوافذها وأقواسها التي لا تنتهي.
فيما يبين الناقد رسمي الجراح في حديثه عن تجربة المختار: تأتي اقتراحات المختار المستندة إلى الأثر التاريخي والمعماري الباقي في العراق، على امتداد أرضه من شماله إلى جنوبه لتكشف عن جانب آخر من رؤية أجيال تلك الحضارات للأشياء والحياة وطقوسها والبيئة والطبيعة.
ويعتمد الفنان تقنية الطباعة الخاصة التي توصل إليها في أثناء البحث الطويل، ويعرف المختار بها، إذ يترك للأعمال خلفيات بملامح يستمدها من الأثر المعماري في المعابد الدينية القديمة في العراق، وجدران المواقع الأثرية ورموزها… ويركز المختار على تقديم أعماله من خلال مشهدية لونية زخرفية متنوعة وكرنفالية يحضر فيها الإيقاع والتكرار اللوني الناشئ عن تقنية النافر والغائر في الطباعة.
المختار يصف أعماله بقوله: «إن الأقوال والأمثال، الأسطورة والتراث، «الميثولوجيا» كلها تحتوي على رموز، لحكايات وقصص وتعاويذ استمدت من الحضارات والأديان، أكانت مكتوبة على رقم طيني أو منقوشة على منحوتة حجرية، إنه الأثر الذي تركه الأجداد الأولين، عبر العصور والحقب الزمنية منذ نشوء الخليقة على الأرض، قد تكون هذه الرموز ضرباً من ضروب الخيال، أو هي الحقيقة نفسها». ويضيف ببعض من الشعائر والتقاليد، هي أخيلة مقدسة، لم يبتكرها الإنسان لوحده، فهناك الرسالات السماوية التي حملت إلينا، خزائن الإيمان بالله سبحانه، عامرة بالمحبة والصدق والسلام. ويضيف، لا أريد أن أدخل في متاهات الأجهزة الحديثة، والمعلوماتية «عبر الإنترنت والحاسوب» أو أفكار العولمة، وبعض من المذاهب المبتكرة الحديثة على كافة الأصعدة، الذي يهمني كفنان تشكيلي معرفة أسرار الحياة الفاضلة برموزها المقدسة، مهما كانت وسائل الاتصال وتطوير تكنولوجيا الاتصالات، وطرائق التعبير عن إنسانيتنا الصادقة، بالأفكار والأقلام والألوان، يهمني تهذيب النفس وطهارة الروح والقلب واللسان، نحو المحبة والأخوة والسلام في الحياة.

رحل عن عمر يناهز الـ69 عاماً بعد صراع مع المرض: الفنان مخلد المختار… حارس التراث العراقي تشكيليا

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية