أسبوع الرحيل في تونس… ورحلة المعارضة إلى أين؟

لا ينبغي أن تلهينا مأساة سورية التي تتوجه إليها الأنظار في الوقت الراهن عن تطورات باقي الدول العربية، التي تهبّ عليها أيضا رياح الاحتقان وإن بشكل أقل دموية، حتى لو فيها أيضا دماء وطنية لا تزال تراق.
وإذا كان حديثنا اليوم يبني حججه على الشأن التونسي، موسّعا إياه إلى جو ما وراء الربيع العربي ككل، فلا يزال يقاسم الحالة المصرية وحتى السورية في نقطة جليلة، وهي الأداء الفقير للمعارضة الذي لا بد أن تدفع الساحة السياسة العربية بسبه آجلا أم عاجلا ثمنا غاليا.
فنتيجة انقسام المعارضة على نفسها، وعدم قدرتها على بيان أكثر من حقيقة ‘اتفقنا على الا نتفق’، ليس غريبا أن يواجه أعضاؤها بكلام حاد. وأكثر الكلام حدّة في السياسة، كما نعلم جميعا، لا يأتي من الخصوم السياسيين وإنما يأتي من الشعب، فما بالك بالشعوب العربية التي لن تقبل من الآن فصاعدا أن تصدّق أنها لم تدخل ذلك اليوم الذي تريد فيه الحياة، فكسّرت من أجله قيودا وأجلت ظلمات ليال. لكن بدخول الشعوب العربية ‘فصل الحياة ‘ هذا، حملت معها معطى أساسيا يبدو أن كثيرا من المسؤولين السياسيين لم يعوا آثاره الميدانية البليغة، أهمها نفاد الصبر.
ونفاد الصبر تحمله مثلا ردود فعل المواطنين الذين أصبحوا يجاهرون أمام الملأ بأن الكيل قد طفح، وأنّ السيل بلغ الزبى… كفانا استشهادا، رسالة نصية بعثت بها مواطنة تونسية إلى برنامج تلفزيوني حواري تفاعلي تقول فيها :
المعارضة نقمة على الشعوب، في مصر أتت بانقلاب عسكري، وفي تونس تزعزع البلاد لعدم وصولها إلى السلطة’.
لا أحد سيتصوّر، بعد قراءة هذه الرسالة، أن صاحبتها من خصوم المعارضة، بل من الواضح وضوح الشمس أنها تؤيدها في الصميم، ولكن من الواضح وضوح الشمس أيضا انّ أملها فيها خاب باتجاه 180درجة، مما حدا بها إلى كتابة هذه السطور.
وليس من الصعب في هذا المقال، مع الأسف، ان نزيدكم ضربات يوجهها المواطنون لمعارضتهم، كالتي أتت من مصر قبيل بدء صاحب هذا المقال كتابة مقاله، حيث نقرأ على شريط آخر الأنباء الواردة إلينا من وكالة رويترز: الآلاف من أنصار مرسي يحتجون في مصر، وسط وجود امني كثيف. ونقرأ مع هذا العنوان ‘نتفا’ من ‘الشعارات المختارة’ التي يوجهها المتظاهرون للمعارضة على سبيل المثال لا الحصر: ‘مصر حتفضل إسلامية رغم أنف العلمانية’.
يقول المثل الفرنسي: ‘إن تبحث عني أكيد تجدني’. هنا يبدو جليا أن المعارضة وجدت ما لم تكن تبحث عنه، بل وجدت ما كانت تود تجنبه….
ففي الشأن المصري، كما في الشأن التونسي، تسجل بدايات السياسية لما بعد الثورة انعكاسا غير محمود العواقب، وهو انعكاس يحمل عنوانا كثر الحديث عنه في النقاش العام : الاستقطاب. والاستقطاب مختلف تماما عن التنافسية السياسية التي يوجد فيها ايضا طرف وطرف مضاد، لكن تحافظ فيه أجهزة السجال الديمقراطي على الأقل على قدر أدنى من الاحترام.
ففي الشأن التونسي ما جدوى الدعوة الى تحطيم حكومة منتخبة، بدل الحديث عن برنامج يمكن تنفيذه على أمل الفوز بالانتخابات القادمة؟
ما جدوى الدعوة إلى اسقاط مجلس تأسيسي وإن كانت على أغلبيته علامات استفهام كثيرة – لم تنته صلاحيته بعد؟
ومن الطرف الآخر ما جدوى كما فعل الشيخ راشد الغنوشي مؤخرا- مطالبة رئيس الجمهورية بالاستقالة، إن كان يريد نيل رئاسة ثانية؟
ودعونا نرجع صدى يأس أحد المواطنين التونسيين من جديد وهو يقول: ‘لم نكن نعرف السياسة ولا الأحزاب ولا الشخصيات ثمّ باللهجة المحلّية- من جويليا 2011 نتكلّم على الحوارات ولا حت شي تقدّم…’
كأن تونس ضيعت فرصة كبيرة نرجو ألاّ يكون قد فات أوان تداركها.
فمن منا لا يتذكر عدد الأحزاب السياسية التي تكوّنت بعد سقوط بن علي… أكثر من مئة وخمسين…؟
من منا يستطيع إنكار الباع التونسي الطويل في شؤون مؤسسات الدولة وبنود القوانين وفصول الدساتير؟ من منا يمكنه تجاهل ان الرياح التي هبت على الشعوب العربية حملت معها أفكارا ثرية خصبة، لعل أهمها أن الحداثة والأصالة لا تتعارضان متى أحكمنا ربطهما بمتطلبات المجتمع الحاضر؟ ولكن أيضا من منا لا يعلم أن اللاتنظيم والتلكّؤ والنقاش البيزنطي، وهي وجوه مختلفة من اللامسؤولية أقصر طريق لأصحابها إلى الباب المسدود؟
وفي المجمل، من منا لا يعلم أن الدعوة إلى السقوط من غير بناء، إنما هي دعوة إلى رحلة إلى المجهول نحن في غنى عنها في خضمّ ما بات يحيط بـ’ربيع ‘الثورات العربية من ضبابية؟

‘ باحث أكاديمي فرنسي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية