في ديمقراطيات مستقرة، قد لا تكون مناقشات النظام الانتخابي على هذا القدر من الإلحاح والأهمية، فثمة ديمقراطيات تأخذ بنظام الانتخاب الفردي، وديمقراطيات أخرى تأخذ بنظام القوائم، وثالثة تأخذ بنظم مختلطة، لكن الأمر في مصر الراهنة يبدو مختلفا جدا، فالاختيار بين النظام الفردي ونظام القوائم أقرب إلى مسائل حق تقرير المصير.
فلم تعد القصة مصريا في نزاهة إجراءات التصويت الانتخابي، وقد جرت انتخابات ما بعد الموجة الثورية الأولى في 25 يناير 2011 بدرجة نزاهة معقولة، وانتهت إلى تفوق بدا كاسحا لجماعات اليمين الديني، وفي قلبها جماعة الإخوان، وكانت الأسباب ظاهرة، فقد لعبت الدعاية الدينية المكثفة دورها في تزوير إرادة التصويت قبل الوصول لمحطة نزاهة الإجراءات، ثم أن مزاج الرأي العام الخارج لتوه من قبو مبارك كان مؤثرا جدا، فقد سادت الرأي العام وقتها رغبة عارمة في تجريب الحكم ‘الإسلامي’ لجماعات اليمين الديني. وقبل أن يفاجأ الرأي العام نفسه بالفشل المذهل لحكم الإخوان، وهو ما أعاد الغضب السياسي والاجتماعي هادرا إلى أسفلت الشوارع.
وتوالت الموجات الثورية وصولا إلى ذروتها في 30 يونيو 2013، التي أسقطت الحكم البائس بقوة عشرات الملايين من الناس، وفي سياق من التدني غير المسبوق في شعبية الإخوان، وسواهم من جماعات اليمين الديني. وبدا الميل ظاهرا مطردا إلى نزع ‘أخونة المجتمع’ قبل أن ينتهي إلى خلع ‘أخونة’ الدولة، وعلى نحو ما جرى في انتخابات الطلاب والنقابات المهنية، ودعك من النقابات العمالية، فليس فيها وجود يذكر للإخوان من الأصل، والمعنى ظاهر، فالأصل في نتائج الانتخابات هو مزاج الرأي العام، وقد يكون للنظام الانتخابي دور مؤثر بحسب دقته في قياس الرأي العام، ويكاد لا يوجد خلاف على أفضلية نظام القوائم في قياس التحولات بمزاج الرأى العام، فانتخابات القوائم سياسية تماما، بينما انتخابات النظام الفردي تبدو أميل إلى نزع السياسة، وتغليب عوامل ومؤثرات أخرى، والتجربة الفعلية أثبتت فساد وجهة نظر الذين يروجون الآن لنظام الانتخابات الفردية، وبعضهم للأسف من ذوي النزعة الثورية، ويتصورون أن الانتخابات الفردية أفضل، وبدعوى أنها قد تقلص من نفوذ الإخوان الانتخابي، وتنتهي إلى نتائج أفضل لجماعات ثورية، وربما لا يوجد ما هو أبأس من هذه الطريقة في التفكير، فقد وقع أصحابها أسرى للوهم الجهول، وربطوا بطريقة عشوائية بين فوز الإخوان السابق ووجود نظام القوائم بنسبة الثلثين، وتصوروا أن نظام القوائم هو اللعنة التي لا بد من تجنبها، ولم يقرأوا النتائج بطريقة صحيحة، فقد عكست أولوية مزاج الرأي العام وقتها، وكان القياس أدق بنظام القوائم، بينما كسب الإخوان على المقاعد الفردية بنسبة تقترب من ضعف الكسب بنظام القوائم، والأرقام هنا تتكلم، وتنطق بما جرى، فقد كان العدد الكلي لعضوية البرلمان السابق 498 مقعدا، وجرت الانتخابات بنظام القوائم على 332 مقعدا، حصل منها الإخوان على 127 مقعدا فقط، أي بنسبة 39’، فيما كان الوضع مختلفا بشدة على المقاعد الفردية، وكان عددها الإجمالي 166 مقعدا، حصل منها الإخوان على 108 مقاعد، أي بنسبة 65’، وكان الفوز الكاسح على المقاعد الفردية هو ما جعل الإخوان وقتها حزبا للأكثرية البرلمانية، وبنسبة قاربت نصف إجمالي مقاعد البرلمان السابق، وعلى العكس تماما مما يعتقد ذوو التفكير البائس، فليس من مصلحة في نظام الانتخابات الفردية لغير فريقين من أعداء الثورة، ليس من مصلحة في النظام اللعين سوى للفلول، وإن كان المرجح أن يستفيد فلول جماعة مبارك أكثر من فلول جماعة الإخوان هذه المرة، والسبب ظاهر في ‘البؤس الشعبي’ الذي تعانيه جماعة الإخوان وأخواتها بعد الموجة الثورية الثالثة في 30 يونيو 2013 .
العودة إذن لنظام الانتخابات الفردي ردة كاملة عن الثورة، وتعيدنا بالضبط إلى نظام المخلوع مبارك، وتستنسخ برلمانا قريب الشبه من برلمانات عهد المخلوع، حيث يختفي حس السياسة، وتسود لغة التواطؤ في المصالح الشخصية، وقد يقال لك ان تزوير إجراءات التصويت على طريقة ما قبل الثورة غير ممكن هذه المرة، وهذا صحيح إلى حد كبير، لكن الصحيح أيضا أن نظام الانتخابات الفردية يزور إرادة التصويت، ويضلل الناخب عن حقيقة السياسة التي يصوت لها، ولا يعكس أبدا طبيعة التحولات الثورية الجارية في وعي الرأي العام، ويعيد نظام الرشاوى الانتخابية إلى النشاط مجددا، وهو ما يعني أن البرلمان المقبل قد يكون محجوزا للأغنياء، وسواء كانوا تنظيما غنيا بملياراته المريبة كجماعة الإخوان، أو طبقة غنية بملياراتها المسروقة كجماعة مبارك، وإن كانت الساحة مفتوحة أكثر هذه المرة لجماعة مبارك، التي لم تعزل سياسيا، وبالذات مع دعم العائلات الأكبر والأغنى في مناطق الريف والصعيد، أضف إلى ذلك ما تعلمه عن سوءات نظام الانتخاب الفردي، فهو يهدر أغلب أصوات الناخبين، ويتعامل معها كأنها لم تكن، فالفائز بالمقعد الفردي من الجولة الأولى لا يلزمه سوى الحصول على صوت زائد عن نصف عدد المصوتين، ثم يجري رمي النصف الآخر في أقرب سلة مهملات، والفائز بالمقعد الفردي من الجولة الثانية قد لا يلزمه سوى الحصول على عشر أصوات الناخبين، خاصة أن الإقبال على التصويت في الجولة الثانية يكون أضعف بكثير، فاغلب المرشحين الكثر يكونون قد خرجوا من الساحة، وخرجت معهم الأصوات المتحمسة لتأييدهم، وهو ما يعني إعداما مدنيا لأغلب أصوات الناخبين، وتكوين برلمان لا يمثل حتى من الناحية الإجرائية سوى شريحة محدودة جدا من الناس، بينما يناط به حق وواجب وميزة التشريع والرقابة نيابة عن كل الناس، وفي حالة مصر الراهنة، سوف تكون هذه الشريحة المحدودة المحظوظة هي الشريحة المضادة للثورة بامتياز، وهذا ما نعنيه بقولنا ان نظام الانتخاب الفردي خيانة للثورة، والقول عندنا ظاهر ومباشر، فكل ما يزور إرادة الناس، أو يتحايل عليها، أو يغيب مزاج الرأي العام بأوسع طبقاته وشرائحه، كل ما يؤدي إلى ذلك يتنافى مع منطق الثورة، ويواصل سيرة الغدر بها، خاصة أن الثورة المصرية من طراز خاص جدا، فهي ثورة تقوم، لكنها لا تحكم مباشرة، وما من وسيلة لأن تحكم سوى بالطريق الانتخابي، وبتكوين برلمان وانتخاب رئيس من مزاج ثوري، وهو ما لا يمكن التقدم إلى تحقيقه برلمانيا سوى بنظام القوائم النسبية المفتوحة غير المشروطة، التي تكفل المساواة التامة في حق الترشح، ويتاح فيها حق تكوين القوائم للأحزاب والجماعات والمستقلين على حد سواء، وتكون القوائم كاملة أو ناقصة بحسب أحوال صناعها، وتتخذ فيها كل قائمة اسما وشعارا ورمزا للتيسير على الناخبين البسطاء والأميين، ويكون التصويت فيها على أساس سياسي، وتحتفظ لكل صوت انتخابي بأثره المباشر في تكوين البرلمان، فنظام القوائم لا يهدر الأصوات على طريقة النظام الفردي، وهذه ميزة حاسمة، ثم انه يخفف إلى أبعد حد من التأثير السلبي المتضخم لنفوذ المال والبلطجة والعائلات في النظام الفردي، والأهم بكثير أن نظام القوائم يفتح الطريق لتكوين برلمان الوعي الجديد، ويتيح للشباب والنساء فرصا هائلة لا تتاح بالبداهة في النظام الفردي، والثورة المصرية في ملمحها الخاص جدا هي ثورة الشباب والنساء، وهي ثورة إزاحة النخب القديمة المريضة المتواطئة، التي يراد إحياء دورها بنظام الانتخاب الفردي، وتوفير فرصة ‘شرعية انتخابية’ موهومة تتآمر على الثورة باسم الثورة، وتماما كما فعل الإخوان من قبل، فانتبهوا أيها الثوريون الآن، وقبل أن يفوت الأوان .
‘ كاتب مصري