أسطورة السلاح في الثقافة الأمريكية

حجم الخط
0

يحصل هذا مرة أخرى.. أمريكي غريب الأطوار يتزود بترسانة ما كانت لتخجل كتيبة مشاة وينطلق لأن يقتل صبرًا أكبر قدر ممكن من الأبرياء. مثلما في كولومبين، اورورا، نيوتون، اورلندو وعدد آخر لا يحصى من الأماكن الملطخة بالدماء، فإن المذبحة في لاس فيغاس هي الأخرى ستدخل في قاموس العنف الأمريكي ولا تظنون للحظة أن هذا سيكون الاسم الأخير في القائمة.
إذًا لِمَ لا يوجد حل سياسي لحوادث إطلاق النار التي لا تنقطع في أمريكا؟ فمن أجل أن يحصل هذا ينبغي بداية الموافقة على وجود مشكلة أصلا.
عندما ينظر نحو نصف الجمهور في الولايات المتحدة ـ ذاك الجزء الليبرالي الذي لم يصوت في معظمه لترامب ـ إلى لاس فيغاس، فإن المشكلة في نظره واضحة: الخفة التي لا تطاق والتي يمكن بها الحصول على السلاح. إذا قيدت الدولة وتصلبت في قدرة الوصول إلى البنادق، كما يعتقدون، فسيقل إطلاق النار. ولكن بالمقابل يقف أيضا ملايين الأمريكيين ممن لا يرون ذلك على هذا النحو. فعندما ينظرون إلى المذبحة في لاس فيغاس يشخصون مشكلة مختلفة تماما: ليست البنادق هي المذنبة، بل مطلقي النار أنفسهم. حل المشكلة من ناحيتهم لا ينطوي على تقييد السلاح بل على معالجة المشاكل النفسانية وزيادة عدد أفراد الشرطة في الشوارع. ويكفي هذا: فهم يدعون بأنه بالذات إذا ما خفف من إجراءات الوصول إلى السلاح فإن المزيد من «الأخيار» سيتمكنون من تحييد منفذي العمليات المحتملين.
طالما تعاطى الطرفان مع مسألة السلاح بهذا الشكل المتعارض، لا غرو أن منتخبي الجمهور يمتنعون عن تقديم جواب في القانون على ذلك. وهذا أيضا لا يوشك على أن يتغير قريبا: فلا يوجد لغم أكثر خطورة في السياسة الأمريكية ـ للجمهوريين والديمقراطيين على حد سواء. ولمن نسي، فإنه حتى السناتور الليبرالي بيرني ساندرس نال الثناء من منظمات السلاح. ولكن برغم قوة ونفوذ لوبي السلاح وبالأساس اتحاد البنادق الوطني، فإن المشكلة هي ليست المنظمات نفسها بل الشرعية الجماهيرية الكثيرة التي تحظى بها.
إن الظروف الجغرافية، الثقافية والاقتصادية المميزة التي صممت تطور الولايات المتحدة هي أيضا التي رسخت ثقافة السلاح في الفكرة الأمريكية، وجعلته جزءا لا يتجزأ من الهُوية القومية. من ناحية جغرافية، فإن الكثير من المناطق في الولايات المتحدة، مثل نفاده، بقيت مناطق نائية. وحتى اليوم، مثلما قبل 226 سنة عندما سن التعديل الثاني على الدستور الذي ينص على حق حمل سلاح، يوجد ملايين الأمريكيين ممن لا ينسون ذلك: التجربة الطليعية التي اضطر آباؤهم إلى مواجهتها مع الأعداء في كل زاوية ـ جيوش أجنبية، هنود، قطاع طرق ودببة ـ هي التي غذت أسطورة العنف القومية.
أرني من الطارق أريك من أنت: وبالفعل، فإن الكثير من أبطال الولايات المتحدة هم أولئك أصحاب المسدسات مثل دانييل بون، جسي جيمز وبيلي الفتى الذي نال المجد بفضل قدراته على إطلاق النار وإحصاء جثثها.
صحيح أن الكتاب طوي منذ زمن بعيد، ولكن أساطيره بقيت. وغير قليل من الأمريكيين يواصلون تعريف هُويتهم من خلال تلك الأساطير التي لم يكن فيها العنف نتاجا مرافقا بل يقبع في أساسها. بتعبير آخر: تاريخ أمريكا هو أيضا تاريخ العنف. وعليه فمن يسعى إلى تقييد الحق في حمل السلاح يجب أن يستوعب بأن ما يعرف الكثير من الأمريكيين هُويتهم هي تلك البنادق. إذا أخذتموها منهم، تكونون أخذتم منهم جزءا من أمريكا.

يديعوت 3/10/2017

أسطورة السلاح في الثقافة الأمريكية

يوآف فرومر

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية