بين كتالونيا وكردستان: الاستفتاءات ضدَّ الديمقراطية!

حجم الخط
0

من السهل السفر لزيارة برشلونة ومدن كتالونيا، والاقتناع بأن هذه المقاطعة المزدهرة في إسبانيا ذات الثقافة الفريدة، يمكن ويجب أن تكون دولة بحد ذاتها. المقاطعة الكردية في شمال العراق، صحيح أنها سياحية أقل، لكن الادعاءات التي تؤيد استقلال الأكراد، الشعب الذي عانى الكثير من القمع القاتل من قبل جيرانه العراقيين والإيرانيين والأتراك، ادعاءات مقنعة أكثر. مثلا، يوجد في كردستان العراقية نفط، موروث من المقاتلين الشجعان، وسياسة مؤيدة للغرب وحتى مؤيدة لإسرائيل. ولكن حتى الآن الاستفتاءات الشعبية التي أجريت اليوم في كتالونيا وفي الأسبوع الماضي في شمال العراق، لن تؤدي إلى الاستقلال في المستقبل القريب. ويمكن جدا أن تؤدي إلى أضرار للأكراد والكتالونيين في المدى القريب.
في العراق يحظى النظام الكردي الإقليمي هناك بحكم ذاتي شبه تام في إدارة شؤونه، لقد فرضوا حصارا حقيقيا على المقاطعة الكردية في الأيام الأخيرة، بما في ذلك إغلاق الحدود والمجال الجوي. حكومة بغداد والجارتان القويتان إيران وتركيا، تصممان على خنق الدولة الكردية الجديدة في مهدها.
خلافا لتصريحات حكومة نتنياهو المبهرة والفارغة، ليس هناك دعم دولي لاستقلال الأكراد في المرحلة الحالية، ولن يهب أحد لمساعدتهم.
إن الضرر من رؤية العنف اليوم في صناديق الاقتراع في كتالونيا، حيث حاولت الحكومة الإسبانية أن تمنع بالقوة إجراء الاستفتاء الشعبي، ربما تشعر به بالأساس حكومة مريانو رخوي. ولكن هذا الأمر يشكل دليلًا على أن الحكومة المركزية في مدريد بدعم صامت من الاتحاد الأوروبي لن تسمح للكتالونيين بالانفصال. في هذه المرحلة ليس مؤكدا وجود أغلبية للاستقلال في أوساط سكان المقاطعة. ولكن إلى حين إجراء عملية منظمة في البرلمان في إسبانيا حول هذا الأمر، فإن ما حدث هو عمل رمزي من شأنه أن يقسم ويضر.
بدل الاستمرار في نقاش الاستقلال عن طريق عملية سياسية منظمة، النضال الآن تحول إلى نضال عنيف. ولكن كما يبدو، هذه هي طبيعة الاستفتاءات. حتى لو تم إجراؤها بتصريح وصلاحيات، فإنها توفر فقط صورة لحظية لرأي عام ينقضي، وليست طريقة مناسبة لحسم مصير أمة. لا يمكن القول عن الاستفتاءات الأربعة المهمة التي أجريت في السنوات الأخيرة بأنها نجحت في حسم المواضيع الحاسمة التي كانت على أجندتها. فعليا، هذه الاستفتاءات فقط زادت من حدة الوضع.

جذور الصراع الكتالوني

1714: ملك إسبانيا فيليب الخامس احتل برشلونة ومنع استخدام اللغة الكتالونية.
1850: تحولت كتالونيا إلى مركز صناعي مهم. وأقيمت حركة معارضة وطنية.
1923: ميغيل دي ريبرا سيطر على إسبانيا ومنع استخدام الرموز الكتالونية.
1931 ـ 1934: حصلت كتالونيا للمرة الأولى على الحكم الذاتي في إسبانيا.
1936 ـ 1939: برشلونة دعمت الجمهوريين في الحرب الأهلية الفرنسية.
1939 ـ 1975: الطاغية فرانكو منع استخدام اللغة الكتالونية ورموزها.
1978: بعد ثلاث سنوات من موت فرانكو أعيد لكتالونيا حكمها الذاتي.
2006: حصلت كتالونيا على صلاحيات أوسع من الحكومة في مدريد وتم الاعتراف بها كأمة.
2010: المحكمة الدستورية ألغت جزءا من صلاحيات كتالونيا وأحيت حركة الانفصال عن إسبانيا.
2014: 80 ٪ من سكان كتالونيا صوتوا في استفتاء غير رسمي لمصلحة الانفصال عن إسبانيا.
2017: رئيس كتالونيا فوغدامون أعلن استفتاءً شعبيا رسميًا برغم معارضة حكومة إسبانيا.
شبيها بذلك كان استفتاء الاستقلال الذي أجري في 2014 في اسكتلندا بناء على طلب الحزب الاسكتلندي الوطني الذي فاز مرتين متتاليتين في الانتخابات للبرلمان الاسكتلندي. في الاستفتاء الذي كان عليه أن يحسم موضوع انفصال اسكتلندا المتوقع عن بريطانيا، خسر الوطنيون عندما صوت 55 من مئة مِنَ الاسكتلنديين لمصلحة البقاء في المملكة المتحدة. رئيس الوطنيين أليكس سلموند تعهد بأن الاستفتاء سيزيل عن الاجندة مسألة الانفصال «على مدى جيل»، ولكن بعد مرور سنة بدأوا يتحدثون هناك عن إجراء استفتاء آخر. ريح الانفصال لم تهدأ وهي تستمر في شق المجتمع الاسكتلندي الآن ايضا.
بعد سنتين من ذلك أجري استفتاء آخر، هذه المرة في بريطانيا كلها، بهدف الحسم في موضوع العلاقات المعقدة بين الدولة والاتحاد الأوروبي. هذه المرة حسم الأمر بفارق ضئيل أكبر بكثير ـ 51.9 من مئة من المصوتين صوتوا لمصلحة أن تترك بريطانيا الاتحاد. وبعد 16 شهرا ما زال غير واضح كيف سيبدو الانفصال. ليس للحكومة المحافظة أو المعارضة أي برنامج واضح بخصوص مستقبل علاقة بريطانيا مع أوروبا. في الاستطلاعات اليوم هناك أغلبية ضئيلة تفضل البقاء، ولحظة الحسم تقترب ـ بعد سنة ونصف السنة ستكون بريطانيا خارج الاتحاد.
في كانون الأول الماضي كان ذلك رئيس الحكومة الإيطالية النشط، ماتياو رنتسي، الذي أعلن استفتاء شعبيا. كان رنتسي يأمل تمرير تغييرات في الدستور تقلص من قوة مجلس الشيوخ وتمكنه من سن إصلاحات بعيدة المدى. مواطنو إيطاليا خافوا من إعطاء رئيس الحكومة صلاحيات واسعة جدا، وقد خسر الاستفتاء بفارق 18 من مئة. رنتسي اضطر إلى الاستقالة، لكن بعد أربعة أشهر من ذلك حاول في تركيا الرئيس رجب طيب اردوغان إجراء استفتاء خاص به حول توسيع صلاحياته كرئيس. وهناك أيضا خاف الكثيرون من إعطاء الرئيس قوة ديكتاتورية، لكن اردوغان توجه إلى الاعتقالات وتضييق خطوات معارضيه قبل التصويت. وقام باتخاذ سلسلة من التزييفات في عد الأصوات، وفاز بأغلبية ضئيلة بلغت 2.8 من مئة. إن ثمن تحويل اردوغان إلى سلطان حديث كان تقليل ثقة الجمهور في تركيا بالعملية الانتخابية.
هذا ما يصنعه الاستفتاء. يبدو ظاهريا أنه أداة للديمقراطية المجردة. لكن تاريخيا استخدم بالأساس أداة في أيدي الحكام المستبدين الذين أرادوا من الناخبين التنازل عن حريتهم باسم دعم الرئيس.
يوجد للديمقراطية البرلمانية العديد من النواقص. في أحيان كثيرة يتم شلها عن طريق تحالفات وعن طريق الدستور. ويشعر الكثيرون أنها لا تمثلهم. ولكنها ما زالت الطريقة الأفضل التي اخترعتها الإنسانية لإدارة وتوفير حاجات المجتمع ومنع تسلط أفراد أو جماعات.
الديمقراطية مثل العدل يجب أن تعمل ببطء شديد للوصول إلى إجماع، حيث تواجهها تعقيدات، والحاجة إلى توازنات وضوابط. إن الإغراء لاختراق الجمود عن طريق استفتاء حاسم هو إغراء كبير، لكن هذا بصورة عامة لا يؤدي إلى الحسم الحقيقي. وفي معظم الحالات يضر بالديمقراطية.

هآرتس 3/10/2017

بين كتالونيا وكردستان: الاستفتاءات ضدَّ الديمقراطية!

أنشل بابر

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية