سنّة العراق ومحنة الاستفتاء الكردي

طالما مثل سنّة العراق المادة الخام لمشاريع القومية العربية، عبر تاريخهم المعاصر، وطالما اتهم سنّة العراق شركاءهم بنقص الوطنية، أو عدم اكتمالها، في إشارة إلى ولاءاتهم الخارجية، أو حتى بسبب الفروق القومية والطائفية بينهم وبين الآخر في الوطن.
لكن وبعد كل الذي جرى للسنّة وعلى نحو خاص بعد 2014 من تدمير مدنهم نتيجة احتلالها من عصابات تنظيم «داعش»، كان صوت سنّة العراق خافتا، ويكاد لا يسمع بين الاصوات الصارخة إزاء الأزمة التي أثارها الاستفتاء الكردي، وقد تشتت أصوات السنّة تبعا لتوجهات فصائلهم السياسية، وكذلك تبعا لحسابات قياداتهم، سواء كانوا في العراق أو في أقليم كردستان أو في المهاجر.
ونستطيع أن نلمح في هذا المأزق البعض من ساسة السنّة من مصمص شفته شماتة ذاكرا ان السنّة حكموا العراق الحديث موحدا على مدى 80 عاما، ثم استلمته احزاب السلطة من الشيعة والكرد لتصل به الى حالة التفكك نتيجة تهميش السنّة، منذ أن كتب دستور2005 ، المشوه والملغوم الذي اوصل العراق الى التقسيم، وربما الاختفاء كدولة جامعة، بينما نلمح من جانب آخر تحرك بعض الساسة السنّة الذين بادروا وطرحوا مبادرات في محاولة لرأب الصدع ولملمة الجراح.
مثّلت كردستان بالنسبة لبعض الساسة السنّة ملجأ يحتمون به من تغول شريكهم الشيعي، وبشكل خاص إبان التوترات التي حصلت في ظل الولاية الثانية لرئيس الحكومة السابق نوري المالكي، حيث التجأ عدد من ساسة السنّة الذين اتهموا بتهم مختلفة وصدرت بحقهم مذكرات قبض من القضاء الاتحادي الى الاقليم، وقد حظوا هنالك بالامان وتحركوا بحرية، بل أقاموا المؤتمرات الصحافية للإعلان عن وجهات نظرهم تجاه حكومة بغداد، والرد على اتهاماتها، وربما كان أبرز هذه الوجوه نائب الرئيس الاسبق طارق الهاشمي ورافع الرفاعي الذي يعرف نفسه بـ»مفتي الديار العراقية» وغيرهما، وقد منحوا مساحة من الحرية اتاحت لهم إطلاق تصريحات نارية في مهاجمة حكومة بغداد وكانت حكومة الاقليم تغض البصر عن ذلك بحجة حرية الاعلام وما يتمتع به الاقليم من هامش ديمقراطية.
ومع هجوم «داعش» على المحافظات السنية، التجأ العديد من الساسة والقيادات السنية الذين سقطت مدنهم بيد التنظيم الارهابي الى الاقليم، وباتوا يتحركون سياسيا وإعلاميا منه، ومن الامثلة الابرز على ذلك الشيخ القبلي علي حاتم العلي سليمان وهو احد مشايخ قبيلة دليم كبرى قبائل الانبار، الذي وجد في اقليم كردستان منصة آمنة يهاجم منها اداء حكومة بغداد، ويهددها بالزحف باتجاهها وإسقاط النظام فيها، بينما لجأ العديد من القيادات العشائرية السنية من ابناء محافظة نينوى وصلاح الدين الى كردستان وتماهوا مع الخطاب الكردي بشكل لافت، وربما كان المثال الابرز لهذه المجموعة هو السياسي ناجح الميزان، الذي كان عنصرا ناشطا في مشروع رجل الاعمال العراقي خميس الخنجر، المتمثل في إقامة الإقليم السني في محافظات غرب العراق.
ومن الساسة السنّة البارزين الذين وفّر لهم إقليم كردستان ملاذا ودعما كان محافظ نينوى السابق أثيل النجيفي، الذي قاد تنظيما مسلحا عرف بحرس نينوى، الذي تلقى تدريبا على يد القوات التركية المتواجدة حتى الان في منطقة سهل نينوى، التي تسيطر عليها قوات بيشمركة الحزب الديمقراطي الكردستاني الذي يقوده رئيس الاقليم المنتهية ولايته مسعود بارزاني. كل هذا الطيف من السياسين السنّة كانت مشاركاتهم في الحياة السياسية تنطلق من مسلمات انتقادهم لحكومة بغداد وشركائهم من الاحزاب الشيعية، لكن بدون ان يجرؤ احدهم على ان يشير لأي مشكلة في حياة الاقليم ، وكانت الحياة السياسية في الاقليم بكل مشاكلها وخروقاتها وصراعات احزابها تمثل خطوطا حمراء بالنسبة لأي سياسي سني لجأ الى الاقليم، وبالتالي فهو يمارس ديمقراطيته بطريقة احادية توجه سهام النقد ضد بغداد فقط.
أما من يعرفون بسنّة الحكومة، الممثلين لشارعهم السني والذين استمروا في لعب دورهم السياسي في البرلمان والحكومة، فإن موقفهم من التوترات مع الاقليم كانت تتسم بالتذبذب وتحكمها عدة نقاط اهمها، موقفهم من شركائهم الشيعة ومدى سلاسة أو توتر العلاقة بينهما. ويمكننا اليوم بشكل عام تمييز ثلاثة اقسام لمواقف ساسة سنّة العراق من الاستفتاء الكردي. الموقف الاول تمثل في سنّة الحكومة الذين يمثلون جزءا من البرلمان والحكومة، وقد كان موقفهم رافضا بشكل صريح، سواء عبر تصريحات رئيس البرلمان سليم الجبوري، الذي تفاوض مع الوفد الكردي قبيل الاستفتاء، وحاول ان يضغط باتجاه تأجيل، أو إلغاء الاستفتاء، بدون نتيجة بسبب تعنت الموقف الكردي. والجبوري بخلفيته الاسلامية القريبة من تيار الاخوان المسلمين جاء موقفه متماشيا مع الموقف التركي، الذي كان الاعلى صوتا والأكثر تهديدا للأكراد، كما ان هذه الكتلة من سياسي السنّة باتت تدفع بالعبادي وحكومته باتجاه إجراءات اكثر تشددا وصرامة تتخذ بحق الاقليم، في محاولة لاستعادة هيبة ومركزية الدولة.
في الجانب الآخر هنالك بعض الساسة السنّة الذين اعلنوا موقفهم واضحا، وأيدوا الاستفتاء وما سيسفر عنه من استقلال الاقليم، بل ادعوا انهم يمثلون رغبة شارعهم في الانضواء الى دولة الكرد الجديدة إن قامت، عبر تشكيل اقليم عربي تحت نظام السلطة الفدرالية للدولة الكردية، وتمثل هذا الاتجاه في التصريحات النارية للسياسي المستقل ناجح الميزان وبعض مشايخ تجمع بات يعرف بـ»عشائر نينوى»، وقد ذكر المتحدث بأسم التجمع مزاحم الحويت، إنه تم جمع تواقيع أكثر من 250 ألف شخص من العشائر العربية غرب الموصل، تطالب بضم ناحيتي زمار وربيعة الواقعة غرب نهر دجلة على الحدود السورية إلى إقليم كردستان، بل بلغ التمادي بالحويت في بعض مقابلاته التلفزيونية، لأن يبرر رفع الاعلام الاسرائيلية في الاقليم، ودافع عن احتمالية إقامة علاقات دبلوماسية بين اسرائيل ودولة كردستان المقبلة، أسوة بغيرها من الدول العربية ممن تقيم علاقات دبلوماسية مع اسرائيل، ونتيجة هذا الاستفزاز للمشاعر القومية للعرب السنّة باتوا يطلقون على هذا الفصيل اسم (جحوش بارزاني) تشبيها لهم ببعض الاكراد، الذين كانوا يقاتلون مع نظام صدام ضد ابناء جلدتهم الاكراد قبل 2003.
أما الموقف الثالث فهو الموقف الذي توسط الموقفين السابقين، وفيه تنوع ممتد من السكوت الحذر الذي طبع بعض الشخصيات السنية المنتظرة للنتائج على الارض لتدلو بدلوها في الازمة، أو الشخصيات التي أطلقت تصريحات غير واضحة وباهتة، مثل تصريح نائب رئيس الجمهورية الاسبق طارق الهاشمي من منفاه التركي الذي يبدو انه طبع التصريح بطابعه، حيث ذكر في تدوينة له على موقعه على الفيسبوك قائلا؛ «يعز عليّ أن أرى وطني العراق يتشظى، كما يعز عليّ أن أرى البعض وهو يوظف وحدة العراق في الظلم والتمييز والتهميش والنهب وضياع السيادة.. هدف نبيل أن يبقى العراق موحداً، لكن وحدة العراق لم تكن لوحدها كافية للحيلولة دون وصول فاشلين يحكمون بسياسة خرقاء. ومن حق الناس في هذه الحالة أن يبحثوا عن البديل». بينما مثلت مبادرة نائب رئيس الجمهورية اياد علاوي الذي يقود كتلة العراقية، التي تضم رموزا سنية مهمة، أهم تحرك في هذا المضمار، حيث اطلق علاوي مبادرته في يوم الاستفتاء وتضمنت ست نقاط تؤكد على الحوار ومنع الصدام المسلح، وقد شبه البعض هذه المبادرة بطوق النجاة الذي ألقي لرئيس الاقليم الذي تلقفها ووافق عليها مباشرة، لكنها لم تحظ بالرد من حكومة بغداد حتى الان، ويبقى تصريح اثيل النجيفي الأكثر تعبيرا عن حالة المرارة والانكسار التي تعاني منها الطبقة السياسية السنية، ازاء محنة الاستفتاء الكردي عندما قال؛ «أقول للذين يطالبوننا بالمواقف في هذه الأزمة، لم يعد لمن أضعفوا بعدما خُذلوا موقف ترتجونه، وأقصى ما لدينا كلمة النصح والدعوة للحوار والتفاهم». وأضاف مخاطبًا السياسيين الشيعة: «لقد أضعفتم حلفاءكم بوشاية الواشين وضيعتم أنفسكم بسوء ظنكم وتصرفكم»، ثم يختتم بالقول «ستشغلنا لملمة جراحنا عن جعجعة سلاحكم»، لكنه حذر الساسة الشيعة قائلًا لهم: «سلامكم في ديارنا، فابقوا على ما تبقى من مدننا لتضمنوا أمان مستقبلكم».
كاتب عراقي

سنّة العراق ومحنة الاستفتاء الكردي

صادق الطائي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية