الوظيفة العليا في الأردن… اقصاء الناجحين

لا يمكن بكل حال تحديد هُوية المسؤول الذي اقترح في الأردن الأسبوع الماضي اتخاذ قرار بتعيين مدير متميز ومشهود له للمواصفات والمقاييس في موقع إداري له علاقة بهيئة الانتخابات المستقلة.
الرجل هو الدكتور حيدر الزبن، من رموز الصف الأول في البيروقراطية الأردنية الذين يُنظر لهم اجتماعيا نجومًا، ومحاولة نقله من موقعه إلى وظيفة محدودة جدًا أخرى أثارت لغطا كبيرا حتى انتهى الأمر بصرف النظر عن المسألة كي لا يشعر الشارع بأن الحكومة تعاقب من يتصدى أو يُظهر أنه يتصدى للفساد والفاسدين.
دور الدكتور الزبن في معادلة الحيتان والفساد المعنية بمواصفات ومقاييس المنتج ليس شأني هنا.
لكن هذا المدير الشاب يُشار إليه عندما يتعلق الأمر بخبرة عميقة في مجال المواصفات والمقاييس.
ما اهتم به هو الذهنية البيروقراطية أو غير البيروقراطية، التي توقعت بأن خبيرا في المواصفات والمقاييس يمكن نقله ببساطة كي يدير هيئة ذات برنامج سياسي معنية بإدارة الانتخابات.
أغلب التقدير أن الزبن بعد تعاطف الشارع معه أحبط فكرة انتقاله لوظيفة جديدة، لكن الأهم هو أن مجلس المفوضين في هيئة الانتخاب كان قد عيّن الرجل أصلا في موقع الأمين العام، الأمر الذي يظهر مجددا بأن المسألة إما تنطوي على إقصاء وإبعاد لموظف ناجح أو مناكف عن موقعه الذي تميز به أم جائزة ترضية.
يحصل ذلك دوما في الطبقة الإدارية العليا في الحالة المحلية خصوصا عند بروز نجم بيروقراطي عنيد نسبيا، حيث سبق لرئيس متميز في الرقابة المالية، عندما أزعج أحد رؤساء الوزارات، أن كلف أيضا بملف انتخابي على قاعدة.. «خذ جائزتك واصمت» أو بمعنى آخر «أغلق فمك».
تداول النخب والقيادات الصالحة لكل مكان وزمان مرضا عضالا في جسد الإدارة الأردنية، حيث يُنظر لبعض الموظفين الكبار باعتبارهم المدراء السوبر، أو القائد الضرورة الذي يصلح لأي موقع، وفي أي مكان من دون اعتبار للمهنية والخبرة والكفاءة، وحتى من دون اعتبار لتراكم المعرفة بالنسبة لبعضهم داخل الوظيفة نفسها.
شاهدنا عشرات المرات في ظل عملية التداور الغريبة هذه أشخاصا مؤهلين لكل المواقع، رافقهم الفشل والإخفاق بالتوازي أينما وُضِعوا في صدارة الجهاز الإداري.
شاهدنا أيضا كفاءات وظيفية نقلوا فجأة من بيئة معرفية تناسب قدراتهم، إلى بيئة وظيفية أخرى لا يمكن الانجاز فيها.. ذلك يحصل بالعادة عندما ترغب السلطة بإبعاد أو إقصاء أو إهانة موظف رفيع المستوى، أو عندما يرغب رئيس الحكومة بالتخلص من مدير مهني يرفض تقديم تنازلات على حساب موقعه الوظيفي.
طبعا بعض المسؤولين، خصوصا في قطاعات «شعبوية» تتعلق بخدمات الناس، يميلون إلى الاستعراض ويستعينون بالجمهور ويحيطون أنفسهم بهالة اجتماعية تجنبًا لمقص الرقيب.. ذلك يحدث أحيانا، لكن ظاهرة الارتجال والعشوائية في مداورة ومداولة المناصب العليا، تحصل دائمًا وأصبحت مرافقة لتراجع حاد في مستوى الخدمات الإدارية الحكومية والعامة.
وهو تراجع لم يعد سرًا، بل يُقر به ويعترف به غالبية وزراء الحكومة الحالية، ويتحدث عنه الأردنيون جميعًا في مجالسهم وفي بيوتهم وعلى منابر الوسائط الاجتماعية.
قلناها سابقا ونعيدها.. يمكن ببساطة في الخريطة الأردنية أن تكون خبيرا في إنتاج البيض، فتُعيَّنُ وزيرا للمياه مثلًا، أو تنحصر خبرتك الإبداعية في مجال الخدمة العسكرية، فتصبح وزيرا للتنمية السياسية، ويمكن إذا كنت من المحظيين جدا والمحظوظين أن تعبر المناصب جميعها، وببساطة؛ أن تتعدل بعض اللوائح من أجلك وأن ينشغل عِلْية القوم بتدبير وظيفة تليق بمقامك، لأن مصلحة الوطن والدولة تقتضي بأن لا تشعر باي فراغ.
النخب الأردنية التي يتم تداولها وتداورها لا تؤمن بالتقاعد ولا تسترخي فتريح الوطن والمواطن من عناء جلوسها على رقبته.
صديق من فئة الشخصيات المهمة رصد هذه المفارقة مبكرا، فمن يترك الوزارة عينه مباشرة على عضوية مجلس الأعيان، ومن يتقاعد من خدمة عسكرية أو مدنية يطمح دوما بعضوية مجلس النواب، ونصف الشعب يريدون أن يحصلوا على لقب معالي، والعشرات من المواطنين يعتقدون أنهم أهم من كل وزير أو مسؤول بصفة فردية، حتى وصل حجم تكلفة التقاعد لأصحاب المناصب العليا على الخزينة إلى مناطق خيالية.
الجميع يريدون مياومات أفضل وسيارات مع سائق وأجهزة خلوية بأرقام متسلسلة، والجميع يريدون مرافقين وحراسا على البوابات، وتقاعد مريح وتذاكر سفر مجانية، والجميع يريدون ترشيحهم لشركات القطاع العامة الكبرى، واحتفاظهم بالكثير من الامتيازات بما فيها جواز السفر الأحمر.
من أين يمكن للنظام أن يأتي بامتيازات وتسهيلات لكل هذا الحشد من المستوزرين وأصحاب القناعة بأنهم ضرورة وطنية ينبغي أن لا تتقاعد ؟.. سؤال معلق بظرف دائم، والرّتق سيتسع في الثوب الوطني عندما تبدأ الدولة بمشروعها نحو التخلص من الأساس الرعوي في العلاقة مع الناس.
قيل الكثير في عدم وجود آلية واضحة لاختيار كبار الموظفين وشكلت عشرات اللجان المعنية في الانتقاء والفحص والتدقيق وبقيت فعاليات ومسابقات هذه اللجان حبرا على ورق، لأن تدبير موقع لبعض النخب يحظى بالأولوية، ولأن معايير الانتخاب والتعيين تنطوي على العديد من الاعتبارات، وفي آخر القائمة المهنية الاحتراف والخبرة.
وقلنا سابقا ونعيد؛ بأن طبقة كبيرة تشكلت من الأشخاص الذين لا يعرفون لِمَ أصبحوا وزراء مثلًا، ولا يعرفون لِمَ استقالوا من مناصبهم أيضا.. بين هؤلاء نائب لرئيس الوزراء وضعها في أذني شخصيا.. «لم أطلب تعييني أصلا.. وعندما غادرت لم يبلغني أحد».

٭ إعلامي أردني من أسرة «القدس العربي»

الوظيفة العليا في الأردن… اقصاء الناجحين

بسام البدارين

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية