لندن – «القدس العربي» : الجميع يسافرون اليوم للكرملين: الإسرائيليون والمصريون والأردنيون والأتراك، على أمل أن يقوم فلاديمير بوتين، السيد الجديد للشرق الأوسط، بدعم ما يرغبون ويحل مشاكلهم. هذا ما يقوله تقرير في موقع «بلومبيرغ» أعده كل من هنري ماير ودونا أبو ناصر، إن آخر المسافرين إلى الكرملين هو الملك سلمان الذي سيصل إلى موسكو هذا الأسبوع وسيكون أول ملك سعودي يزور العاصمة الروسية.
وسيكون على رأس الأجندة في المحادثات إيران التي تعد حليفا مهما لروسيا والتي ينظر إليها عدواً كبيراً في دول الخليج وحلفائها. وحتى وقت قريب كانت واشنطن هي الجهة التي تقوم بالتوسط في مشاكل المنطقة، إلا أن التأثير الأمريكي في الشرق الأوسط في حالة من الخفوت وذلك بسبب التدخل الروسي في سوريا لدعم وحماية نظام بشار الأسد الذي دعت واشنطن لرحيله دونما نجاح. ويرى دينس روس، المفاوض الأمريكي السابق في محادثات السلام «لقد غيرت الواقع وميزان القوة على الأرض» في إشارة للتدخل الروسي وأضاف إن بوتين نجح بجعل روسيا «عاملاً» في الشرق الأوسط.
مشاكل النجاح
ويعلق الكاتبان بأن النجاح يجلب معه مشاكله، وعدداً من المطالب المتناقضة، «فكلما حاولت تبني موقف للتعامل مع الأطراف جميعهم وجدت من الصعوبة لعب اللعبة». وكانت موسكو قوة مهمة في الشرق الأوسط أثناء الحرب الباردة، وقدمت السلاح للدول العربية في حروبها مع إسرائيل. وتراجع تأثيرها بانهيار الاتحاد السوفييتي، وغزو الولايات المتحدة العراق في عام 2003. إلا أن اللعبة تغيرت بعد أن قرر الرئيس باراك أوباما عدم معاقبة الرئيس الأسد لاستخدامه السلاح الكيميائي، وهو الذي وضع خطا أحمر، وبعد عامين أرسل بوتين طائراته لحماية النظام السوري.
وكان حلفاء الولايات المتحدة كلهم في المعسكر الداعي لخروج الأسد من السلطة، وعبروا عن خيبة أملهم عندما تردد أوباما عن توجيه الضربة للنظام. ويقول خالد البطرفي الأستاذ في جامعة الفيصل في جدة إن نفوذ روسيا زاد «لأن أوباما سمح له» وقام بالانسحاب من الشرق الأوسط، فاسحاً المجال للروس ليملأوا الفراغ. وبرز الموقف من خلال تصريحات الرئيس التركي رجب طيب أردوغان الذي ظل يحث الإدارة الأمريكية خلال السنوات الماضية للتحرك ضد الأسد ولم «يحقق نتاجا».
وانضمت تركيا إلى روسيا وإيران في خطة تجميد النزاع بمناطق في سوريا، التي كمـا قال أردوغـان «حققت نتاجًا».
وانتهت الأزمة بين البلدين عندما أسقط الطيران التركي طائرة روسية. وفي الأسبوع الماضي زار بوتين أنقرة وتناول العشاء مع «صديقه» الذي وافق على شراء السلاح الروسي (نظام أس- 400» للدفاعات الجوية. ويقول الكاتبان إن السعوديين في الوقت نفسه يتعاونون مع الروس لإقناع المعارضة السورية بالوحدة في محادثات السلام التي ستؤدي في النهاية لتقوية النظام. ورحب حلفاء الولايات المتحدة في الشرق الأوسط بوصول الرئيس دونالد ترامب للسلطة الذي قدم خطابا متشددا ضد إيران. ولكنه لم يغير الكثير من السياسة التي تبناها سلفه أوباما في سوريا بل قام بوقف برنامج دعم وتسليح المعارضة السورية. وركز ترامب على هدف هزيمة تنظيم الدولة. وعليه فقد أثرت أولويات الإدارة في مواقف الدول الحليفة ومعها تراجع مطلب رحيل الأسد.
وتحاول السعودية ودول الخليج الأخرى حث روسيا للتقليل من الدور الإيراني في سوريا حيث قدمت طهران وحزب الله والميليشيات الشيعية قوات ضاربة لنظام الأسد.
وحسب مصدر مقرب من الكرملين فلن يحول بوتين موقفه من إيران كي يرضي السعوديين.
أربع زيارات
وهو ما وجده رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الذي زار موسكو أربع مرات خلال الـ 18 شهرا الماضية. ففي آب /أغسطس أخبر نتنياهو الرئيس بوتين أن صعود تأثير إيران في سوريا «غير مقبول». وفي تصريحات نقلتها عنه شبكة «سي أن أن» في أيلول /سبتمبر اتهم إيران بمحاولة «استعمار» سوريا و»تدميرنا وغزو الشرق الأوسط». ورفضت موسكو مطالبه بإنشاء منطقة عازلة بمساحة 60 كيلو متراً داخل سوريا بشكل تمنع تقدم الإيرانيين وحزب الله. وبدلاً من ذلك عرضت روسيا منطقة مساحتها 5 كيلومترات. ورفضت روسيا كذلك المطالب الروسية بجعل وادي الفرات منطقة انقسام بين قوات الحكومة والقوات التي تدعمها أمريكا، بشكل قاد إلى سباق بينهما للسيطرة على المناطق الاستراتيجية الغنية بالنفط التي يتراجع منها تنظيم الدولة. وبرغم هذا كله فقد نجحت روسيا بالإبقاء على قنوات الاتصال مفتوحة مع الأطراف جميعهم من إيران إلى السعودية والسلطة الوطنية وحماس وإسرائيل كما يقول أيهم كامل مدير الشرق الأوسط في مجموعة «يوريشيا». ففي الوقت الذي لم تسمح فيه روسيا بمنطقة عازلة، إلا أنها وافقت بشكل تكتيكي على قيام إسرائيل بغارات ضد حزب الله في سوريا حسب أندريه كورنتوف، المدير التنفيذي للمجلس الروسي للشؤون الدولية. ولعبت روسيا دوراً في الوساطة مع مصر لإقناعها بالمساعدة في إنهاء الخلاف الذي مضى عليه عقد بين حركتي فتح وحماس. كما دعا بوتين الأطراف المتحاربة في ليبيا إلى موسكو. وأصبحت روسيا من أكبر المستثمرين بمجال النفط في كردستان العراق، ولم تجدب الاستفتاء على استقلاله الأسبوع الماضي. وبرغم أن التنافس بين الولايات المتحدة وروسيا ليس متساويا من الناحية الاقتصادية فالدخل القومي الأمريكي هو 13 مرة الدخل الروسي، إلا أن الأمور لا تقاس بهذه الطريقة، كما يقول ألكسندر زوتوف، سفير موسكو في سوريا سابقاً، الذي نظر للسباق من خلال حلبة الملاكمة يتنافس فيها ملاكم قوي البنية وضخم مع آخر أصغر حجماً منه، ولديه أسلوب أفضل. وفي النهاية فقد بدأ الصعود الروسي بالمنطقة في ظل توجه أمريكا نحو آسيا وتعب الرأي العام من حروب الشرق الأوسط. وبرغم بقاء الولايات المتحدة القوة التي لا يمكن الاستغناء عنها، إلا أن التزامها بالتحالفات التقليدية ضعيف.
«فورين أفيرز»: المواطنون في الخليج لا يرون إيران التهديد الأكبر بل الإرهاب والتدخل الغربي
ما هي صورة إيران في أذهان أهل الخليج، وكيف ينظرون إلى الجارة الواقعة على الجانب الآخر من الخليج. وهل يعتبرونها تهديداً لوجودهم، أم جارة تختلف عنهم في نظام الحكم والتفسير للدين؟ يرى جاستن غينغلر الأستاذ المساعد رئيس وحدة السياسات في معهد الدراسات المسحية الاقتصادية والاجتماعية بجامعة قطر أن الرؤية تعتمد على البلد الذي ينتمي إليه المشارك، فهناك خلافات حول ما يشكل تهديدا للأمن. ويشير في البداية إلى تصريحات ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان في أيار/ مايو التي أعلن فيها صعوبة الحوار مع إيران، وأن سياستها تدار برؤية دينية قيامية، تطمح للسيطرة على العالم الإسلامي جميعه. وأنهت تصريحات الأمير الآمال بإمكانية حصول توافق بين المتنافسين الإقليميين، ووقف المواجهات في سوريا واليمن ومناطق أخرى، تحولت إلى ساحة تنافس بين طهران والرياض. باستثناء عُمان، وبشكل أقل الكويت وقطر تتعامل دول الخليج مع إيران دولة تهدد مصالحها، من خلال إثارة وتحريض وتسليح الجماعات الشيعية وزعزعة الاستقرار.
وعليه تتعامل حكومات الخليج بشكل عام معها كتهديد للأمن القومي، سواء اتفق مواطنو هذه الدول مع حكوماتهم أم لا. فقد درس الباحثون وبشكل معمق مفاهيم النخبة في الشرق الأوسط، حول التهديدات التي تحيق بهم، إلا أن هناك دراسات أقل، حول مواقف المواطن العادي الخليجي، وفيما إن عكست أراؤهم مواقف حكوماتهم الخارجية والداخلية من ما يُنظر إليه تهديداً إيرانياً.
ويشير الكاتب إلى أن المعلومات الإحصائية المتوفرة جمعت في الخليج بعد الربيع العربي عام 2011 وتقترح أن معظم العرب لديهم مواقف سلبية من إيران، خاصة في المجالات السياسية والثقافية. إلا أن المواقف تعتمد في النهاية على هُوية الفرد الطائفية (سني/شيعي). فالشيعة في الأعم الأغلب لديهم مواقف إيجابية من إيران. ولكن الحب والكره تجاه سياسات إيران يختلفان بالضرورة عنها كدولة عدوانية سياسيا وعسكريا. كما أن إيران وأسلحتها النووية تعتبر واحدا من تهديدات أخرى تمثلها دول وجماعات على الأمن القومي الخليجي، وتشمل تنظيم الدولة والقاعدة والركود الاقتصادي بسبب تراجع أسعار النفط، وحسب بعضهم استمرار التدخل الأمريكي والغربي بالمنطقة.
سد الثغرة
وفي محاولة لسد الثغرة في المعلومات قام غينغلر مع زملاء له في جامعة شيكاغو بإجراء دراسة مسحية داخل دول مجلس التعاون الخليجي الست: السعودية وقطر والبحرين والكويت وعُمان باستثناء الإمارات العربية المتحدة التي رفضت المشاركة في الدراسة. وقام الباحثون في الفترة من 2016- 2017 بمقابلة 4.000 مواطن من هذه الدول يمثلون الفئة العمرية من 18 عاما وما فوق. وسئل المشاركون تحديد أكبر خطر على الأمن القومي في بلادهم: صعود داعش، القاعدة، التهديد الإيراني، الركود الاقتصادي أم التدخل الغربي والأمريكي. وشملت الدراسة سؤالاً حول موقفهم من مجلس التعاون الخليجي كمؤسسة.
وكشف تحليل الأجوبة عن ملمحين مثيرين للدهشة، الأول: برغم تشابه دول الخليج العربية في الكثير من الأمور إلا أن مواطنيها عبروا عن مواقف مختلفة بشأن التهديدات الفردية للأمن وكشفوا عن اختلافات عابرة للحدود الوطنية حول ما يمكن اعتباره أمناً وليس أمناً. ففي عُمان قال 46% أن لا دولة تشكل تهديدا على استقرار بلدهم مقارنة مع 22% في قطر و 2% في الكويت.
القاعدة
أما الملمح الثاني وهو مثير للدهشة فيتعلق بمواقف الخليجيين من البرنامج النووي الإيراني، فعندما تم توسيع السؤال المتعلق بالتهديدات الأمنية الخارجية ليضم إضافة لإيران تلك غير التقليدية النابعة من الإرهاب العابر للحدود والتدخلات الغربية والأزمة الاقتصادية، فإن إيران تختفي من الصورة. باستثناء البحرين، أشار المشاركون في كل دولة إلى أن انتشارالمنظمات الإرهابية مثل القاعدة وتنظيم الدولة يمثل التهديد الأكبر على أمن الخليج بنسب تتراوح من 53% في عُمان إلى 68% في الكويت. وجاءت إيران ومشروعها النووي في المرتبة الثانية في ردود المشاركين القطريين والكويتيين. 23% و 21% على التوالي، وترى أنها التهديد الأكبر. أما في عُمان فقد اعتبرها الثلث تهديداً، أي 15% وجاءت بعد التهديد الاقتصادي النابع من تراجع أسعار النفط. وحتى في السعودية قال 25% إن الجارة الشيعية لا تمثل التهديد الأكبر على أمنهم مقارنة مع تهديد الإرهاب.
في البحرين
أما في البحرين التي تتعامل حكومتها مع إيران بوصفها تهديداً وجودياً عليها وذلك بسبب الانتفاضة عام 2011 فإن واحدًا من كل عشرين يعتبر المشروع النووي تهديداً كبيراً على أمن واستقرار الخليج. أما التهديد الأمني الأكبر بالنسبة للبحرينيين فهو استمرار التدخل الغربي خاصة الأمريكي في شؤون الخليج. ويرى أنصار المعارضة البحرينية في أمريكا عاملاً مساعداً في قمعهم من خلال تقديمها الدعم العسكري للحكومة في بلادهم. ويرى السنّة أنصار الحكومة أن الولايات المتحدة أقامت تحالفاً منافقاً مع إيران ضد العرب السنّة. ولم يظهر التدخل الغربي تهديداً في السعودية وقطر والكويت وعُمان.
تباين
وتكشف نتاج الدراسة عن تنافر بين الموقف السلبي العام من إيران في الخليج واعتبار الجماعات المتطرفة خطرا داهما برغم ما تزعمه هذه الجماعات من أنها تقاتل إيران لحماية السنّة. ويعكس التناقض مجموعة من الهُويات والولاءات التي يعبر عنها المسلمون في العالم العربي للتحرك والتعبير في أوقات غير واضحة. وما هو أكثر أهمية هو أن المواطن الخليجي لم يتبع الرواية الرسمية التي تقدمها الدولة منذ الربيع العربي عن إيران مصدراً لمشاكلهم كلها التي يعانون منها. وأصبحت الاتهامات لإيران بمثابة المعزوفة الموسيقية التي ترافق تصريحات المسؤولين الحكوميين وتحمل في ثناياها رسالة مفادها أن الاحتجاجات التي أندلعت في البحرين والسعودية وأماكن ليست تعبيرا عن مطالب حقيقية بل مصنوعة في الخارج، نفذها عملاء داخليون خُدعوا أو قاموا عن معرفة بتنفيذها. ففي الوقت الذي يركز فيه الخطاب الحكومي على التوسع الإيراني والقوة الخفية التي تعمل لمصالحه ينشغل المواطن بالاحتياجات والتهديدات الملموسة النابعة من ركود الاقتصاد والإرهاب والتدخل الأجنبي.
وفي محاولة لإقناع مواطنيها بالتهديد الإيراني ربطت الحكومات انهيار أسعار النفط عام 2014 التي يراها المشاركون من عُمان والبحرين التهديد الأكبر، برفض إيران تخفيض انتاجها. كما أن العجز في ميزانيات دول الخليج فسره المسؤولون بأنه نتاج حاجة الحكومات الرد على التهديد الإيراني من خلال تعزيز الأمن والسلاح ومواجهة إيران في سوريا واليمن.
ويشير الباحث هنا إلى الخلط المفهومي بين التحدي الاقتصادي الذي برز في كلام بن سلمان حول «رؤية 2030» والخطر الأمني. فهو بالضرورة يطالب المواطنين بالصبر على الإصلاحات الاقتصادية المؤلمة التي لم تعمر سوى سبعة أشهر من جهة، والوحدة، وتفهم النفقات العسكرية من أجل مواجهة إيران في اليمن. ويضيف الباحث: إن النخب الحاكمة عادة ما تقوم باستثمار مشاعر الخوف والأمن بين مواطنيها كي تحصل على دعمهم وتحرف أنظارهم عن السياسات التي لا تحظى بشعبيتهم أو التعمية على فشلها. وكشفت الدراسات السابقة عن وجود هذا في السياق الخليجي.
ولكن الدراسة المسحية الأخيرة تظهر أن النخبة والمواطنين لديهم رؤى مختلفة عندما يتعلق الأمر بالتهديدات الأمنية الإقليمية والاستقرار. فبرغم تأكيد الحكام مخاطر إيران وإرهاب معارضيهم مثل الجماعات الشيعية والإخوان المسلمين، إلا أن المواطنين يخشون أكثر من لاعبين مرتبطين بالحكومات الخليجية ورعاتهم الغربيين والجماعت المتطرفة، التي يزعم بعضهم أنها تحصل على دعم أيديولوجي ومالي منها. وحتى هذا الوقت فالانفصام بين النخبة والحكام لم يترك إلا أثراً سياسياً قليلاً حيث غمر العالم العربي في مرحلة ما بعد 2011 الاضطراب والفوضى ما زاد من خوف السكان من خسارة الاستقرار.
ولو تدهور الأمن أو الأوضاع الاقتصادية فسيجد الحكام في الخليج صعوبة في الاختفاء وراء البعبع الإيراني. وسيواصل الحكام في الخليج تحذيرهم من الخطر الإيراني ودعوة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى الخروج من الاتفاقية النووية عام 2015 أو حتى شن عمل عسكري ضد إيران. ويرى الكاتب أنه من الأهمية بمكان أن يأخذ المسؤولون الأمريكيون مواقف السكان العاديين في الخليج واهتماماتهم بإيران التي تأتي بعد خوفهم من الجهادية السلفية وفي بعض الدول الخوف من تدهور الاقتصاد والتدخل الأمريكي في شؤون بلادهم.
إبراهيم درويش