عيد العُرُش في مواجهة الاقتصاد الإسرائيلي

حجم الخط
0

إهنأ بأعيادك. دولة إسرائيل تفرض احتراما لعيد العُرُش إغلاقا كاملا لمدة 11 يوما على الضفة الغربية، ولم يتحرك أحد. اليسار منهك ويائس، الوسط غير مبال وصامد، اليمين بالتأكيد راض. بالنسبة لأغلب الإسرائيليين هذا يبدو مقبولا لديهم، إنه رد على عملية واحدة لمنفذ منفرد يفرض حصارا مطولا على ملايين بني البشر. أناس من الدرجة الثانية كما هو معروف، وكأنه بالإمكان تقييد خطواتهم وتقييد حركتهم لفترة أسبوع ونصف الأسبوع من أجل أن يستطيع أبناء الشعب المختار أن يحتفلوا بهدوء في عُرُشهم ويتجولوا بسكينة في أرجاء البلاد الموعودة.
العملية هي فقط ذريعة. أيضا الأمر لا يتعلق بسابقة، بل بأمر اعتيادي. فقط الطول الاستثنائي يبرز قليلا القسوة والفظاظة. ولكن هذا طول تم تحديده بالأساس من قبل التقويم السنوي، ومن الطريقة التي وضع بها العيد ونهاية الأسبوع الذي تلته هذه المرة. الحقيقة هي أنه بالنسبة للإسرائيليين فهذا يعتبر واقعا طبيعيا: في كل مرة يكون لديهم أعياد يكون لدى الفلسطينيين إغلاق يمكنهم أن يصلوا ويطلبوا العفو في يوم الغفران، ويمجدوا حرية الإنسان في عيد الفصح في احتفالهم بذكرى هربهم من السلطة المستبدة والقمعية في عيد العرش ـ وفي الوقت ذاته شل حياة الرعايا خلف جبال الظلام. يتضح أن ليس هناك حدود للعمى وإنعدام الوعي.
هذا حقا غرابة تاريخية. بعد مرور 50 سنة الانشغال بالاحتلال وبتداعياته يتركز على الإجراءات، بالرموز، بأمور مقصورة على فئة معينة. بأي حماس يتعاملون هنا منذ سنة ونصف السنة بمحاكمة اليئور ازاريا. كم هي الكلمات التي سكبت على مشهد واحد في فيلم «فوكستروت» وعلى المسألة الحامية هل التشكيل الفني له يمثل بصورة أمينة الواقع. يتناقشون كثيرا حول هل كان يجب على قاضي المحكمة العليا أن يذهب إلى الاحتفال الرسمي بذكرى الخمسين عاما على الاستيطان أم لا. ولكن ماذا بشأن الأمر نفسه، مع الحياة نفسها؟ الاحتلال هو ليس فيلما أو احتفالا. الاحتلال هو القدرة ـ والاختيار المستمر ـ للسرقة بالقوة من أناس آخرين أرضهم، حريتهم واستقلالهم وحركتهم.
ليس فقط القسوة، توجد في الإغلاق الحالي، ولكن الكثير من السخرية. السبب الوحيد الذي يمكن حقا فرض الإغلاق لـ 11 يوما هو سبب اقتصادي. الحديث يدور عن فترة يكون فيها الاقتصاد معطلا تماما تقريبا، إذا ليس من المطلوب قوة العمل الرخيصة للفلسطينيين. وزير الدفاع افيغدور ليبرمان دائما تميز بحديثه، وكان بطلا كبيرا على الورق. هيا نره يفرض إغلاقا مطولا كهذا خلال أيام العمل. هيا نشاهد المستوطنات في الضفة والمناطق الصناعية المحاذية للخط الأخضر تدبر امورها من دون عمال فلسطينيين لمدة 11 يوم عمل كاملا. في نهاية الكلام الفارغ كله عن الاحتلال المتنور، الجيش الأخلاقي والسلام الاقتصادي، يختفي مشروع كولونيالي واسع متقن.
مقال هيئة التحرير في «هآرتس» استغرب أمس بقلق كيف سوت أجهزة الأمن جميعها صفوفها مع الحكومة الحمقاء. كيف حدث أن الجيش، والشرطة وجهاز الأمن العام صمتوا. حيث أن موقفهم التقليدي هو تمكين التطبيع، حيث أن العقوبة الجماعية أثبتت أنها غير ناجعة بل من شأنها أن تؤدي إلى نتاجات عكسية. مهما كان هذا الرأي معتدلا وحكيما أيضا، هذا موقف جاء عن تجربة، والذي يجب أن يدور النقاش الأخلاقي فوقها وتحتها. ولكن هذا النقاش تم استنفاده في قضية أزاريا.
ولكن ما دام قد سُئل السؤال فليس هناك مناص من طرح إجابة مهما كانت مخيفة وتآمرية. هل من الممكن أن يكون الهدف المخفي للعقاب الانتقامي وغير المتوازن هذا هو بوادر المصالحة الفلسطينية بين الضفة والقطاع، بين السلطة وحماس؟ في المرة السابقة عندما حدثت مصالحة كهذه على شكل حكومة وحدة فلسطينية، استقبلته حكومة نتنياهو- بينيت – ليبرمان بعملية «أرجعوا أولادي» التي قادت بسرعة إلى معركة «الجرف الصامد». ليس من الواضح ما هو التصعيد الذي يعدون له هذه المرة، ولكن ليس هناك شك في أن الإغلاق لمدة 11 يوما على الفلسطينيين في الوقت الذي يقضي اليهود عيدهم ويستمتعون بهدوء يبدو بداية جيدة.

هآرتس 4/10/2017

عيد العُرُش في مواجهة الاقتصاد الإسرائيلي

اوري مسغاف

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية