شهد العالم العربي تفاعلاً واسعاً مع إعلان إقليم كردستان العراق رغبته بالاستقلال، خصوصاً مع ما يتميز به الإقليم من ثروة نفطية ومعدنية، وما يتمتع به من ثروة مائية، وجمال طبيعي جاذب للسياحة.
اللافت أن الشارع العربي «في المُجمل»، اتفق مع المواقف الرسمية، العربية والدولية المُعارضة للاستقلال، مع اختلاف الدوافع بالطبع، فالموقف الرسمي تبلور نتيجة عدة عوامل سياسية واقتصادية بحتة، في حين يُعارض الشارع العربي «الانفصال» حفاظاً على الوحدة العربية، وخوفاً من الانقسام والتمزّق والضعف، في حين أبدى البعض تخوّفهم من توقيت الاستفتاء على الاستقلال، في ظل الظروف الصعبة التي تعيشها المنطقة.
وكما هو الحال منذ انطلاق ثورات الربيع العربي، فنظرية المؤامرة وفزّاعة سايكس بيكو «جديد» قد أخذت مداها وأصبحت الشغل الشاغل للبعض، خصوصاً مع تأكيد إسرائيل لحق الأكراد في تقرير المصير، متجاهلة حق تقرير المصير للشعب الفلسطيني الرازح تحت احتلالها منذ نحو سبعين عاماً!
يُعتبر الأكراد، من أكبر القوميّات التي لا تمثلها دولة مستقلة في العالم، بل وربما أعرقها. وقد عانوا بسبب اتفاقية سايكس بيكو، حيث توزّعت شعوبهم على أربعة بلدان (إيران، العراق، سوريا وتركيا) مع اختلاف عدد السكان ومساحة انتشارهم.
والسؤال الذي يطرح نفسه، هل الدعوة لاستقلال قوميّة ما، خيانة وطنية؟ وهل تعتبر الثورة العربية الكبرى التي أفرزت ما نراه حاليا من دول عربية (بعد استقلالها عن الدولة العثمانية) هي حركة تحررية ام حركة انفصالية؟
قبل أن نعطي لأنفسنا الحق في إطلاق الأحكام بالخيانة وزعزعة أمن البلاد والتعاون مع الصهاينة، علينا أن نقف مع أنفسنا لحظة صدق ونراجع سياساتنا الداخلية ونتحقق من مراعاتها لشروط العدالة والمساواة والمواطنة لكل الأقليات والأعراق التي تعيش تحت سماء أوطاننا. هل أشعرناهم أنهم مواطنون حقيقيون، أم مواطنون «درجة ثالثة»؟ هل احترمنا عاداتهم ولغتهم وثقافتهم، ولم نجد ضيراً في احتفاظهم بهويتهم القوميّة؟
لماذا يُطالب الكرد بالاستقلال؟ ألا يعتبر هذا فشلا ذريعا لأنظمة تلك الدول، في استيعاب هذه القومية وتحقيق آمالها وطموحاتها بالعيش السلمي المشترك؟
يقول علماء الاجتماع، إن الأقليّات بطبيعتها تميل إلى الإعتزاز بهويتها القومية والثقافية وموروثاتها الاجتماعية والمحافظة عليها، ويتناسب ذلك عكسياً مع مدى تقبّل المجتمع لها، فإذا أُضطهدوا، ازداد تمسّكهم وتقوقعهم على ذاتهم، بدل الانفتاح نحو المجتمع.
لو سألنا أنفسنا، ما الذي يجعل دولنا ضعيفة وقابلة للتقسيم والاختراق الأمني بل وعُرضة للمشاريع الاستعمارية؟ بدون تردد نُجيب، إن الأنظمة الاستبدادية تئدُ الولاء في النفوس، وتخلق شعوبا لا مسؤولين ولا مُبالين، وتجعل الظروف الاقتصادية والسياسية والاجتماعية سيئة إلى درجة قتل كل شعور بالمواطنة داخل شعوبها، فينتشر الفساد ويعمّ الترهل الإداري والمحسوبية وتجاوز القانون، وفوق كل ذلك يزيد الطابور الخامس انتشاراً وتوسعاً، وهكذا ندرك أن الولاء والمواطنة لا يُفرضان على الشعوب، وإنما هي علاقة تبادليّة، قائمة على الحقوق والواجبات، إذا صَلُحَت انتجت في النهاية مواطنين صالحين، يشعرون بالانتماء للوطن الذين يعيشون فيه.
إن دولةً، تحترم مواطنيها وتحقق لهم العيش الكريم وتضمن حرية الكلمة والرأي، على اختلاف أعراقهم ومعتقداتهم، ستكون قوية وعصيّة على العدو، مهما صغرت البقعة التي تحتلها على الخريطة، بل هي أقوى من دولة كبرى يعيث فيها الفساد، حتى لو بلغت حدود هذه الدولة (أو الدول) من المحيط إلى الخليج!
أما الحديث عن التوقيت، فلعمري أني ما سمعت خطاباً سياسياً مفصلياً لأحد القادة منذ أن اهتدت أذناي لطريق الراديو، إلا وأشار إلى «الظروف الدقيقة الراهنة أو المرحلة الحرجة التي تمر بها الأمة»، فمتى سيصبح الحديث عن حق تقرير المصير للأكراد ملائماً؟!
إذا كان الصهاينة قد عرضوا التعاون الاقتصادي مع الدولة الكردية المستقبلية، فلماذا لا نفكر في تلبية مطالب هؤلاء السكان الذين جاورونا لمئات السنين وذكرتهم أم الكتب العربية، والذين يدينون بديننا، بدلاً من تهديدهم وقمعهم وإعلان الحرب عليهم؟ لماذا لا نفكر في إطار تعاوني مفيد لنا ولهم، يحفظ وحدة كلمتنا، دون أن يصيبنا بالضعف ونقطع الطريق على الأعداء؟
إن أقوى دولة في تاريخنا الحديث مؤلفة من 50 ولاية تحتكم إلى نظام فدرالي فيما بينها، ولكل ولاية قوانين مستقلة وحاكم خاص بها، وفي أوروبا تحتكم الدول إلى إتحاد مشترك، ينظم العلاقات بينها، ويحافظ على وحدة قرارهم، ناهيك عن اعتمادهم على سوق موّحدة تعتمد على عملة مشتركة، رغم تعدّد لغاتهم وأعراقهم ومذاهبهم، وأزعم أن الدول التي استقلّت حديثاً زادتهم قوةً واستقراراً!
من حق الشعوب تقرير مصيرها، والأولى بنا نحن الشعوب العربية، التي عانت من الظلم والاستعمار والعنصرية، (وما زلنا إلى اليوم نطالب بحق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره) أن ندعم هذا الحق في كل مكان، مع فتح باب الحوار بنوايا طيبة، بدلاً من تعميق الاختلاف، وقطع السبل أمام العيش المشترك.
إن المطالبة بحق تقرير المصير ليس خيانةً ولا جريمة، ولكن الخيانة الحقيقية لأنفسنا ولأوطاننا، أن نمضي في خط الزمن حاملين معنا أفكار العقود الماضية نفسها!
لن نستطيع أن نتعامل مع معطيات القرن الواحد والعشرين بعقلية ستينيات القرن الماضي، علينا أن ننفتح وأن نعمل وفق سياسات تؤمن بالديمقراطية وحرية الرأي والتعبير، والعيش المشترك، أما التشنّج وإلقاء تهم الخيانة والتآمر على كل مشروع يتعارض مع رؤيتنا الخاصة، فهذا سيقودنا بالتأكيد إلى مزيد من الصراعات والانقسامات والضعف.
إن كل ما حصل في الأعوام الأخيرة وما زال يحصل في بلادنا العربية ناتج عن تفكيرنا بهذه العقلية التي تجاوزها الزمن. في سوريا، خَشِيَ أصحاب نظرية المؤامرة من تقسيم سوريا وسقوط «معقل المُقاومة»، وبدلاً من دعم المطالب الشرعية والمستحقة للسوريين، دعموا نظاماً سُلطوياً، دمّر سوريا على رأس مواطنيها، وجعل أهلها شِيَعاً!
أكثر ما أخشاه إذا استمررنا في التفكير داخل هذا الصندوق (نظرية المؤامرات وسايكس بيكو الجديد) دون أن نوسّع من مداركنا، ونؤمن بأهمية صون الحريات العامة وبناء شراكة وطنية فاعلة وحقيقية قائمة على الحوار، أن نشعل الحروب في هذه المنطقة دون أن نشعر، ثم لا نجد فيها ما يقبل القسمة، أو يصلُح لأن يكون غنيمةً للصهاينة من بعدنا!
كاتب ومُدوّن من الأردن
أيمن يوسف أبولبن