لا أمل بدون «المصالحة»…ولا أمل بها وحدها

حجم الخط
1

انتهيت قبل ايام من قراءة كتاب اسرائيلي باللغة العبرية صدر مؤخرا، هو كتاب «الحكومات الاسرائيلية المتعاقبة: قرارات حكيمة، وقرارات غبية»، وهو من تأليف المحامي دان كورن والبروفيسور والسياسي يحيئيل غوطمان. والكتاب من ثلاثين فصلا (ومقدمة وخاتمة ايضا)، يعرض، ويستعرض، ويقيّم، وينقد، ويحاكم، ثلاثين قرارا اتخذتها الحكومات الاسرائيلية، من «قرار اعلان قيام دولة اسرائيل» سنة 1948، إلى «قرار تدمير المفاعل الذري السوري» في منطقة دير الزور، في شمال شرق سوريا سنة 2007، ومرورا بالمشاركة في العدوان الثلاثي على مصر سنة 1956، واجتياح لبنان وحصار بيروت، وحتى «قرار محاولة اغتيال خالد مشعل»، وغيرها من القرارات المهمة التي تركت آثارا على اسرائيل والمجتمع الاسرائيلي. وينتهي كل فصل بفقرتين: الفقرة الاولى عن النتائج التي ترتبت على القرار المعني، والفقرة الاخيرة عن العلامة التي يعطيها المؤلفان لذلك التقرير، مع ذكر الحيثيات والمبررات طبعا.
هذا الكتاب اعاد إلى ذاكرتي ملحقا لصحيفة «هآرتس» الاسرائيلية، اصدرته بمناسبة مرور خمسين سنة على اعلان دافيد بن غوريون «اقامة دولة اسرائيل». كان عنوان ذلك الملحق: «15/15: افضل 15 قراراً واسوأ 15 قراراً اتخذته حكومات اسرائيل في سنواتها الخمسين». [وبالمناسبة كان الأسوأ بين تلك القرارات، حسب كتبة المعالجات الثلاثين كاتباً اسرائيلياً، هو قرار الموافقة على ابقاء 149 الف عربي فلسطيني داخل حدود «دولة اسرائيل، واللذين اصبح تعدادهم اليوم بحدود ما بين مليون ونصف المليون فلسطيني عربي إلى مليونين].
[بالمناسبة ايضا، اعطيت في حينه وشرحت للاخ الرئيس ابو مازن،، فحوى ومضمون واهمية ما حواه ذلك الملحق، وبعد نحو عشرين سنة، فاجأني الأخ د. محمد اشتية، وربما بمبادرة من الاخ الرئيس ابو مازن، برغبته في إصدار دراسة/كتيب فلسطيني، تحت عنوان: «اين اخطأنا». فرحت وسعدت لتلك المبادرة، وعلمت من الآخ د. محمد اشتية انه استكتب نحو خمسين شخصية فلسطينية تعالج هذا الموضوع، وبطلب منه كتبت وسلّمت له ولمكتبه ثلاث ملاحظات/مقالات، ولكنها، لسوء الحظ، لم تلقَ، بعد، مع غيرها، طريقا إلى النشر].
طالت المقدمة والتقديم اكثر بكثير مما خططت لها في ذهني مسبقا. اعتذر. لكن وجب التوضيح: هذا مقال مخصص لموضوع «المصالحة الفلسطينية» التي يتابع الناس، كل الناس، خطواتها الجدية الاولى، على ما يبدو. وقصدت «المقدمة الطويلة» ان تقول: حتى لا نكون مثل الاسرائيليين بمحاكمة ما كان، دعونا نسبقهم بمحاكمة ما يكون وما يتكون. بدل البكاء على حليب مدلوق على التراب، تعالوا نعمل ونحاول حماية الحليب من الاندلاق على التراب.
من البداية، وقبل الخوض في غمار احداث واخبار وتطورات «المصالحة الفلسطينية» برعاية مصرية مشكورة وجديرة بالتقدير، اجد ضرورة في توضيح ما اعتقده سياسةً فلسطينية حكيمة. ومنعاً لأي التباس اقول قناعتي ملخّصة في اربعة بنود:
البند الأول: لا يمكن بدون «المصالحة».
البند الثاني: لا يمكن بـ»المصالحة» وحدها.
البند الثالث: لا يكفي قول بعض الكتاب والسياسيين وـ»المفكرين» يجب ترسيخ «المصالحة» على اساس وقواعد «تخطيط مُحكَم»…، هكذا بدون تحديد دقيق لما يقوم عليه هذا «التخطيط».
البند الرابع: لا مصلحة فلسطينية في إنكار حقيقتين: اولاهما: ان شعبنا الفلسطيني اصيب بكوارث ونكبات عديدة، تكاد لا تُحصى، في المئة سنة الأخيرة؛ وثانيتهما: ان الغالبية الأعم لتلك الكوارث والنكبات اصابت شعبنا الفلسطيني وهو في كامل توافقه و»تصالحه» مع بعضه البعض، الامر الذي يعني ان «المصالحة» والتعبير السياسي والصحافي الجديد، تعبير «الكل الفلسطيني» ليس ضمانة لتأمين المصلحة الفلسطينية الحقيقية. ثم، من قال ان «الكل الفلسطيني» لا يخطئ؟ يمكن للمجموع ان يخطئ. ويمكن للفرد ان يكون مصيبا ومُحِقّاً. هكذا كان الأنبياء، وهكذا كان كبار المفكرين والعلماء والفلاسفة. هكذا كان نيوتن، وهكذا كان غاليليو، وهكذا كان علي بن ابي طالب وارخميدس وارسطو وسقراط قبلهم، ومئات، ان لم يكن آلاف اخرون.
إذن: لا امل بدون «المصالحة». ولا امل بـ»المصالحة» وحدها.
فما العمل؟.
العمل، في اعتقادي، يبدأ من الغاء صيغة كارثية، هي صيغة ما تم اعتماده فلسطينياً تحت مُسمّى «القيادة الوطنية والإسلامية» و»أبطالها» الاساسيان اثنان، هما: صخر حبش، القيادي في «فتح»، رحمه الله، وحسن يوسف، (ابو مصعب)، القيادي في «حماس»،… وثالثهما اليساري الفلسطيني صالح رأفت، اطال الله عمرهما. ولن اتحدث، في هذا المقام، عن رابعهم، ولا خامسهم، ولا الساكتين، مع علمي وقناعتي بحقيقة ان «الساكت عن الحق شيطان اخرس».
ثم، بعد هذا نَصِلُ إلى الاهم:
حذار من سقوط «ازمة غزة»، ولا اقول «سقوط غزة» نفسها، في حضن مصر. ازمة غزة جريمة اسرائيلية. فهي ازمة وجريمة اسرائيلية المنشأ والتكون والتطور، وعلى اسرائيل ان تتحمل مسؤولية حلها، برفع الحصار عن بر غزة، لتتواصل مع القدس العربية والضفة الغربية، «المحافظات الشمالية لدولة فلسطين»، ورفع الحصار عن بحر غزة، لتتواصل دولة فلسطين مع العالم. فتح معبر رفح ضرورة وطنية وانسانية واخلاقية، تعطي لغزة بعضا من حقوقها الاكيدة والثابتة والدائمة. ولكن الاهم من ذلك بما لا يقاس هو تواصل غزة مع نفسها ومع بلدها ووطنها واهلها. حتى اريئيل شارون ربط الانسحاب من غزة والقطاع بالانسحاب من مستعمرات/مستوطنات في محيط محافظة جنين في شمال «المحافظات الشمالية» لدولة فلسطين.
لا يمكن القول «اخيراً» في مقال واحد يعالج قضية في مثل هذا التعقيد. ورغم ذلك اجد نفسي مضطرا، جراء ما يفترضه ويفرضه الالتزام بحدود مقال في الصحيفة إلى القول «اخيرا»:
الميليشيات ضرورية لتدمير دولة. الميليشيات ضرورية لتجميع قوى شعب طرد من ارضه ووطنه، لمواجهة احتلال إحلالي أسكن مستعمرين ومستوطنين في منازل وبيوت واراض ومدن وقرى شعب آخر، هو شعبنا الفلسطيني. لكن ما تم حتى الآن هو وضع جديد: المليشيات في وضعنا الفلسطيني الحالي تشكل تدميرا لما امكن انجازه حتى الآن، وهو قليل إذا ما قورن بمدى طموحات شعبنا، وبمدى ما قدمه شعبنا من تضحيات.
من هذه الحقيقة الأكيدة نصل إلى الحقيقة الثانية: لا يمكن بدون مفاوضات، ولا يمكن بالمفاوضات وحدها. لكن ذلك يتطلب تنسيقا بين القوى الفاعلة لدى شعبنا، وكل تنسيق معلن هو تدمير لامكانية تحقيق الهدف.
في العمل الفلسطيني ثلاثة عوامل اساسية، لا مجال، ولا مصلحة ايضا، بتخطيها: منظمة التحرير الفلسطينية اولا، ثم السلطة الفلسطينية المنبثقة عن منظمة التحرير ثانيا، ثم مكونات منظمة التحرير، وهي فتح وبقية الفصائل والجبهات والاحزاب، التي يتوجب ضم حركتي حماس والجهاد الاسلامي إلى بقية مكوناتها، لتكون، ولتظل البيت الشرعي والرسمي والمعنوي للشعب الفلسطيني في الوطن وفي الشتات واللجوء.
في واقعنا الحالي، فشلت فتح في جر حركة الاسلام السياسي، بنسختها الفلسطينية، متمثلة بحركتي حماس والجهاد الاسلامي، إلى ساحتها الوطنية الفلسطينية. وتمادت الحركتان الاسلاميتان في جموحهما، وتمكنتا خلال العقدين الماضيين من جر الحركة الوطنية الفلسطينية: فتح وحلفائها من تنظيمات ومستقلين إلى مربعها العقيم، الذي دمر ما تم انجازه، واعاد الوضع الفلسطيني مئة عام إلى الوراء. ولكن نتائج الوضع العربي بمجمله، منذ بداية الانتفاضة العربية في تونس قبل نحو ثماني سنوات حتى الآن، وبشكل خاص احداث وتطورات الوضع في مصر اساسا، ثم في السعودية والخليج العربي ثانيا، اثمرت استفاقة حركة حماس، وبدء جنوحها في الابتعاد عن تقديم الهوية العقيدية الدينية، على الهويتين: هوية القومية العربية، وهوية الوطنية الفلسطينية، ادت إلى هذا التراجع الحمساوي المبارك، بتقديم الهوية الوطنية على كل ما عداها. هذا تطور هام وايجابي، يخدم المصلحة الوطنية الفلسطينية، ويحشر اسرائيل في زاوية ضيقة. واجب الحركة الوطنية الفلسطينية الاستفادة من هذا التطور الهام.
لا يضيرنا التعلم من تجارب الآخرين، حتى ولو كان بين هؤلاء اسرائيل. لكن، لا داعي لأن نخطئ، وننتظر عقودا لسؤال انفسنا: اين اخطأنا.

٭ كاتب فلسطيني

لا أمل بدون «المصالحة»…ولا أمل بها وحدها

عماد شقور

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية