ليس واضحا إذا كانت هذه المرة، على سبيل التغيير ستحظى السلطة الفلسطينية بالفعل بموطئ قدم في القطاع. وحتى لو حصل هذا، فإنه سيكون عديم المعنى، لأنه أولا كي تتمكن حماس من أن تكون مشاركة في الحكم الفلسطيني يتعين عليها أن تستوفي «شروط الرباعية» التي تتضمن التزام الاتفاقات السابقة، الاعتراف بإسرائيل ومعارضة العنف. أما حماس فقد رفضت هذه الشروط المرة تلو الأخرى. وثانيا، حماس لا تعتزم نزع سلاحها أو نقل السيطرة العسكرية إلى السلطة الفلسطينية. وهي معنية، في أقصى الأحوال، بـ «نموذج لبنان». أي توجد حكومة رسمية، منتخبة ظاهرا، ولكن السيطرة الحقيقية في الدولة هي لحزب الله. هكذا بحيث أن النية قد تكون بعض السيطرة الإدارية للسلطة في القطاع لغرض الاستعراض أمام الأسرة الدولية، ولكن النتيجة ستكون تعزيز القوة السياسية والعسكرية لحماس في الضفة الغربية.
الواضح هو أن إسرائيل ملزمة، حقا بأن تعرض على سكان القطاع والعالم بأكمله ـ إزالة الإغلاق، ميناء بحري، وغيره وغيره ـ شريطة أن تنزع حماس سلاحها. وستتصرف إسرائيل بحكمة إذا كانت هي التي ستبادر، الآن بالذات، بمثل هذا العرض. والاستجابة له ستكون انتصارا للعقل السليم. ولكن لا أمل في أن يحصل هذا. رد سلبي سيوضح أن حماس تفضل الإغلاق والمعاناة وصناعة الموت على التطور والازدهار. والمسؤولية عن المواجهة التالية، التي ستأتي في موعد ما، ستكون على حماس. وستخرج إسرائيل إلى المعركة مشحونة بعدالة الطريق. ليس متأخرا الخروج بمثل هذه المبادرة. والكرة توجد في القدس.
قبل ستة أسابيع نشرت أمورا عن مسلسل متلفز لا سامي في تركيا وعن اقتصادي أردني يروي في مقابلة متلفزة سيطرة عائلة روتشيلد على معظم البنوك في العالم، ومن خلالها السيطرة على دول العالم جميعها باستثناء ثلاث ـ كوريا الشمالية، كوبا وإيران.
هذا الاسبوع قرأت «سلام، لاجئون!» كتاب آخر ممتاز من انتاج توبيا تننبوم، عن اللاجئين في ألمانيا، ولمفاجأتي، من دون صلة بالموضوع المركزي يكتب هناك تننبوم عن مجلة اقتصادية تسمى «أسبكت» نشرت معلومات عن «بنك عائلة روتشيلد» وتروي هناك، ويا للعجب، القصة ذاتها. لا يحتمل. فكرت في نفسي. اتصلت بتننبوم. هو على عادته، يوثق ويسجل كل قصة ولقاء له. لأنه ينجح دوما في أن يصدر قصصا هي على حدود الـ «لا يحتمل». وبعد بضع دقائق أعطاني التقرير الأصلي. والحديث يدور، بالفعل، عن القصة إياها، مع تغيير صغير واحد. حسب المجلة الألمانية، إيران تفقد الاستقلالية لأن روتشيلد تسيطر منذ الآن على منظومتها البنكية. بمعنى، إن هذه القصة الفيظعة، اللاسامية بكل معنى الكلمة نشرت في صحافة تبدو جدية قبل أن تصل إلى «الخبير» الأردني، الذي سارع بالطبع إلى شرائها وتسويقها.
ما الذي يمكن أن يضاف؟ لا شيء.
«جامعة بريطانية قصقصت عنوان محاضرة لناجية من الكارثة تنتقد» إسرائيل». كان هذا عنوان صدر في «الغارديان البريطانية»، صحيفة القوى التقدمية. «نقد؟» فكم الافواه بلا توقف يتحقق أساسا تجاه من يحاول أن يقول شيئا ما في مصلحة إسرائيل. إذا ماذا حصل هناك؟ وبالفعل يتبين أن واحدة، هي مريكا شرفاد، كانت ستعطي محاضرة تحت عنوان «أنتم تفعلون للفلسطينيين ما فعله النازيون لي»، في إطار «أسبوع الابرتهايد الإسرائيلي» في جامعة مانشستر. بكلمات أخرى، تلك الناجية من الكارثة جاءت لتروي بأن إسرائيل هي في واقع الأمر وريثة الدولة النازية. هذه بضاعة مطلوبة في الدوائر التقدمية وفي دوائر اليمين المتطرف. فهم متحدون في هذا الشأن. أما السفارة الإسرائيلية في لندن فطلبت تغيير العنوان في الصحيفة. واستجيب للطلب.
عمليا، الناجية من الكارثة تفعل لإسرائيل ما فعله النازيون لليهود: أكاذيب وفريات دم. لأن الصحيفة وشرفاد على حد سواء يسعيان إلى التشبيه بين عدد الأبرياء الذين قتلهم التحالف الغربي، وكان جنود بريطانيا جزءا مركزيا فيه، منذ اجتياحهم للعراق وأفغانستان والعدد الأدنى بكثير من الأبرياء الذين مست بهم إسرائيل. يمكنهم أن يراجعوا المعطيات بشكل نسبي وبشكل مطلق على حد سواء. والنتيجة هي قاطعة لا لبس فيها. فهم قتلوا أكثر. اكثر بكثير، نساء أكثر، أطفال أكثر. ولكن لم تعمد أية صحيفة بريطانية أو جامعة بريطانية، وكذا لا أوروبية ولا أمريكية، إلى عقد ندوة مع محاضرة تشبه بين بريطانيا والنازيين. أما هذا التشبيه بإسرائيل فمسموح به.
حسب التعريف الوارد للاسامية، الذي تبناه قبل بضعة أشهر البرلمان الأوروبي، فإن مثل هذا التشبيه هو لاسامية صرف. أما المحاضرة، بالمناسبة، فلم تخضع لمقص الرقابة. فقد تمت، ووحده عنوانها هو الذي تغير.
في حزب العمال البريطاني لا يقولون «أيها اليهود انصرفوا، بل يقولون فقط «أيها الصهاينة انصرفوا». هذا ما حصل في ندوة حزب العمال في مدينة بريتون، حيث كان أحد ضيوف الشرف هو ميكي بيلد، إسرائيلي سابق. فحتى هيئة لا صهيونية صرف مثل «صوت يهودي للسلام» قرر التنكر لبيلد بسبب ملحوظات لاسامية. ولكن في ندوة حزب العمال أصبح خطيبا مركزيا. الشائق هو أن مطلب طرد الصهيونية من الحزب تصدره يهوديان هما نوعامي فيمبروم ـ ادريسي وميخائل كلمنوفتش.
إن الميزة الكبرى للاسامية الجديدة التي تتخذ صورة اللاصهيونية، هي في أنها تسمح لليهود أيضا بأن يصبحوا لاساميين. قلة صغيرة تستغل هذه الفرصة حتى منتهاها.
الهجوم على دير ياسين أصبح علامة طريق في حرب التحرير. كان إجماع على أن الحديث يدور عن مذبحة. لا خلاف في أنه في أعقاب النبأ عما حصل هنا، في نيسان 1948، كان أيضا هروب جماعي وتنديد دولي. واعتزم البريطانيون قصف المكان كي ينتقموا من أعضاء منظمتي الانفصاليين، الليحي والايتسل. ولكن مقاتلي الهاغناة احتلوا مكانهم. وألغي القصف.
عاد البروفيسور اليعيزر تاوبر إلى ذاك الحدث الذي أصبح وصمة عار، وأجرى، أغلب الظن، بحثا مشددا ودقيقا للغاية، في ظل مطابقة متكررة لمصادر المعلومات، الشهادات والتسجيلات من المصابين. والاستنتاج القاطع هو أنه لم تكن هناك مذبحة. لم تكن إصابة مقصودة، وبالتأكيد ليست منهاجية، للأبرياء. لم تكن هناك أعمال اقتصاد، لم يكن تنكيل جنسي. ولكن قصص الفظاعة سادت في تلك الأيام، أحيانا جزءا من الخصومة بين الهاغناة والمنفصلين. ومثلما هي الحال دوما، كان هنا تضليل أيضا، حين نشرت صور من مذبحة نفذها العرب ضد العرب صورا من دير ياسين. السنوات تمر، ولكن الطريقة تبقى أبدا دوما.
كتاب تاوبر، «دير ياسين: نهاية الأسطورة» تعزز أمورا سبق أن كتبت في الماضي من اوري ميلشتاين، ويبدو أنه في اللغة التي هي أدبية وبحثية في الوقت نفسه فإنها توسع اليراع. فالحديث يدور عن كتاب واجبة قراءته لكل من يريد أن يعرف المزيد عما حصل هناك وعن الطريقة التي تنشأ فيها الفرية. الكتاب لا يتملص من الادعاءات القاسية. بل العكس يبحث فيها ويدحضها بيد فنان.
يديعوت 6/10/2017
بن ـ درور يميني