إذ يقترب السباق الانتخابي الرئاسي في مصر، يكثر الحديث هذه الأيام عن التحول الديمقراطي السلمي وفرص، أو بالأدق «لا فرص» المرشحين المفترضين المرجوين، الحقيقيين.
يدور كل هذا على خلفية تحركاتٍ سريعة تشمل تغيير مواقف ومواقع يدهش الجمهور، على رأسها بطبيعة الحال تلك المصالحة بين حماس وفتح تحت رعاية مصرية (وبالتأكيد موافقة إسرائيلية من وراء ستارٍ شفافٍ لا يستر شيئاً). تلك المصالحة التي أصبحت حماس الأكثر تدجيناً بموجبها جيدة ولطيفة يحاورها من شتموها وخونوها وشيطنوها بالأمس.
المنطقة والعالم الأوسع يتغيران، وخرائط جديدة قد ترسم على خلفية الصراعات والهيمنة الغربية (الأمريكية بالأخص) المنحسرة المتراجع دورها، إذ ليس من شك في أن الرأسمالية الغربية مأزومة، ليس اقتصادياً فحسب وإنما سياسياً أيضاً، إذ أسفرت تطورات الانتخابات الأخيرة، خاصةً بمن جلبت إلى سدة الرئاسة أو الوزارة عن مشاكل عميقة في صلب الديمقراطية الغربية، وحجم الهوة التي تفصل بين طابعها التمثيلي المفترض والطبقات التي تزعم تمثيلها، وأيضاً عن حجم التفاوتات الاجتماعية والتمزق على مفترقات العرق والطبقة والهوية، وربما النوع ذكراً أم أنثى، ولا نبالغ إذ نقول إن أكبر تحدٍ يلقاه هذا النموذج الرأسمالي الغربي آتٍ من رأسماليةٍ أخرى، أكثر شراسةً ومستبدة، وأعني بالتحديد الصين وروسيا. أما على صعيدنا شرق الأوسطي فإن القوى الإقليمية (على رأسها إيران وتركيا) وروسيا ترسخ حضورها بواقع السلاح وحامليه من الفصائل. كل ذلك يحدث ونحن نشاهد ونحبس أنفاسنا، نأمل أن تأتي صراعات الكبار في صالحنا، بينما نراقب طيف أحلامنا بالتحرر والتعددية والديمقراطية يبتعد.
ممتعٌ قراءة ما يكتبه بعض الكتاب الجادين عن شروط التحول الديمقراطي، وما يعرب عنه الآخر، خاصةً من تحمس للسيسي ذات يوم ثم أفاق على حقيقته، من مخاوفه من غياب منافسة حقيقية له في الانتخابات، في ضوء شيطنة كل من يبدو واعداً كمنافسٍ محتمل، واختلاق التهم السخيفة لتكبله. خلاصة ما يكتبونه تحليلٌ لعواقب الاستمرار والتمادي في خنق المجال العام، وملاحقة وسحق كل محاولات التنظيم السياسي الحقيقي لا الكارتوني، والالتزام بالانحيازات الاقتصادية نفسها وما صاحبها من قراراتٍ غير مسؤولة، بل متهورة أفقرت وضربت مصالح القطاعات الأوسع من الناس. هم يحذرون ويحاولون الترويج أو دعوة النظام والمؤسسة العسكرية تحديداً للإقدام على الانفتاح السياسي والمشاركة، قبل الانزلاق في هاويةٍ لا يشكون في وصولنا إليها ما استمر ذلك النهج. يجملون للعسكر التغيير من أعلى ويحثونهم على رؤية السبيل القويم، أي يستجدون التغيير خوفاً وإشفاقاً من كارثةٍ يرونها وشيكة وحالّة.
أزعم أنه من السهل للغاية إثبات مكمن الضعف في تلك الدعوة، يشير إليها الكتاب ضمناً: أولاً، هي تبني كل حساباتها على جملة من الافتراضات، أن يدرك العسكر اقتراب الكارثة، أن يفهموا أوجه الخلل، أن تتوفر لديهم النية للإصلاح والتنازل عن امتيازاتهم المتزايدة، لكنني، بعيداً عن التشاؤم، لا أرى للأسف أياً من هذه متحققاً.
فرؤيتهم لمصر والعالم ودورهم فيه وما يتصورونه من طبيعةٍ خاصة للشعب المصري، الذين يتصورون معرفته أفضل من غيرهم (وهي نظرة لا تنطوي على احترامٍ البتة) لن تدفعهم لتقديم أي تنازلات. فهم يتصورون أنهم قادرون على الضحك على الناس بكلمتين معسولتين عن مدى تفهمهم لما يمرون به من ضائقة، يردفونها ببضع كلماتٍ أخرى عن ضرورة الصبر وجدوى هذه السياسات التي سيرونها قريباً الخ. ومن لم تعجبه هذه الحجج ففكر في رفع رأسه فالعصا والسجن في انتظاره، وليس أسهل عليهم من ذلك، وها هي السجون والمعتقلات ملأى.
فمن أجل البقاء أيضا مضى النظام يحاول إعادة تفعيل دوره في المنطقة، خاصةً في أوراقٍ امتلكها ولعب بها تقليدياً، وعلى رأسها الملف الفلسطيني بحكم الجوار والتاريخ، لا ليصبح قائداً أو حتى اللاعب الأساسي بـ»أل» التعريف، وإنما كوسيطٍ أو سمسارٍ، ليثبت أنه مفيد ولا غنى عنه، بما لا يتعارض مع مصلحته ووجوده، ولعل ذلك ما يفسر اختلافه مع حلفائه الإقليميين، وعلى رأسهم المملكة السعودية في الشأن السوري، فهو يتماهى مع ذلك النظام في أوجهٍ عديدة، ويخشى إسقاطه لما لذلك من انعكاساتٍ مباشرة على استمراره: هو يرفض التغيير الثوري في المطلق. كما أنه برهن على شجاعته وجرأته لا في المقاومة أو التصدي، لا سمح الله، وإنما في اقتحام المحاذير وكسر الثوابت بما يتخطى من حيث النوع والوتيرة أي شيءٍ حلم مبارك بالإقدام عليه، كتلك المناورات المشتركة المزمعة مع إسرائيل التي أعلنت عنها شبكة «RT» الروسية، ولم يكذبها مصدرٌ حكومي حتى الآن على حد علمي.
لست أتفق مع من يتحدثون عن التغيير السلمي في مصر، سوى في كون ضعف أو عدم نضج البدائل (بغض النظر عن أسبابه المعقدة التي لا يتسع لها المجال هنا) يمثل تكئة النظام الأساسية في عدم تقديم تنازلات. هو لن يقدمها إلا تحت ضغطٍ حقيقي قائمٍ مستمرٍ يهدد وجوده، خارجيا كان أم داخليا.
لذا، فإن أي حديث أو دعوة للنظام للإصلاح من فوق، محض مضيعةٍ للوقت، كما أن أي انتفاضةٍ عفوية الآن، من دون وجود بديلٍ تنظيميٍ يطرح نفسه، عرضة لأن تصبح فريسة لسيناريو الفشل نفسه وإعادة إنتاج النظام بتنويعاته ومشاكله.
ما العمل إذن؟ أداعٍ أنا للركون إلى السلبية والاستسلام والتسليم؟ كلا على الإطلاق.
بل أرى وأؤكد أنه في هذه الفترة الرمادية من الانكفاء، بعد أن منيت الثورات بهزائم متكررة، فلا بد من الانصراف عن ما لا يجدي من انتظار التغيير والإصلاح، منةً من النظام والبحث عن بناء التنظيم البديل، رغم الصعاب والعراقيل.
كاتب مصري
د. يحيى مصطفى كامل