اوباما يسدد الكرة في مرمى الكونغرس

تعالت اصوات السوريين، وكثير من العرب خلال السنتين الماضيتين، مطالبة امريكا بالتدخل لوضع حد للمجازر التي يرتكبها النظام السوري ضد المدنيين السوريين. واستغربت هذه الاصوات السكوت الامريكي، واعتبره الكثيرون مؤامرة امريكية مع النظام ضد الشعب وثورته. الان وقد قرر الرئيس الامريكي توجيه ضربة عسكرية للنظام، برزت هذه الاصوات وغيرها اولا تنتقد التباطؤ في التحرك، ثم تسميه عدوانا على سورية في تناقض واضح وغريب.
الرئيس اوباما كرر على مسامعنا لايام عديدة انه مازال يفكر ولم يتخذ قرارا بعد في دراما امريكية تحبس الانفاس. وما زال يكرر ان الضربة لن تكون موسعة، ولن تهدف لاسقاط النظام، ولن تكون حربا برية، ولن تكون مطولة وما زال يقلل من حجمها، حتى ظننا انها اذا حصلت، فلربما لن ترى بالعين المجردة، والله اعلم.
ما فتئ اوباما يتلقى المفاجآت غير السارة الواحدة تلو الاخرى. بدأت بتصويت مجلس العموم البريطاني ضد مشاركة بريطانيا في ضربة عسكرية لسورية (بفارق ضئيل من الاصوات، ولكن هذه هي اصول اللعبة الديمقراطية)، فامتثل كاميرون لهم وترك اوباما حائرا. يتساءل اوباما بمرارة واضحة عن الايام الخوالي، حين كان توني بلير حليفا قويا لجورج بوش الابن، في صغائر الامور وعظائمها، ثم جاءت المفاجأة الثانية بان اظهرت نتائج الاستطلاعات ان 25′ فقط من الامريكيين يؤيدون ضربة عسكرية (محدودة) لسورية. خرج جون كيري وزير الخارجية في خطاب بليغ جدا، يقسم باغلظ الايمان انه يقول الصدق ولا يفبرك الادلة، كما فعلت الادارة الامريكية ايام بوش والعراق، ولكن الشعب الامريكي يبدو انه تعب من حربي العراق وافغانستان، او انه لم يعد يصدق السياسيين ولم تتحسن النسبة، واسقط في يد اوباما.
الاعلام اليميني الامريكي يشن حملة شعواء على اوباما، متهما اياه بانتهاج سياسة مبهمة، مترددة، بطيئة، وغير حاسمة تجاه الوضع في سورية. خرج ظهر السبت، نهاية اب/ اغسطس، يعلن قرارا حاسما بتبنيه قرارا بتوجيه ضربة عسكرية محدودة (حتى لا ينسى احد) ضد النظام السوري.
السياسة الامريكية فيها مفارقات لا تخفى على المراقب، فلو قال الديمقراطيون ان الوقت نهار، وان الشمس مشرقة في وضح النهار لاقسم الجمهوريون ان الوقت ليل وان ما تشاهدونه هو القمر وليس الشمس، انهم مختلفون، على الدوام، في كل شيء، الضرائب والصحة والاقتصاد والتعليم وميزانية الدفاع والاقليات والهجرة… وكل شيء (صح ما عدا الالتزام بأمن اسرائيل ودعمها اللامحدود واللا مشروط). اوباما يدرك هذا جيدا ويرى الجمهوريون يعارضونه، ان لم يفعل شيئا، وسيعارضونه ان ضرب النظام. الدليل على ذلك السيناتور ماكين (الجمهوري) الذي قال ان اوباما اعطى الضوء الاخضر للنظام السوري لاستعمال الكيماوي، في اشارة الى عدم تدخله في سورية منذ سنتين، الان يقرر اوباما التدخل العسكري فيكون ماكين اول المعارضين، ارأيتم نفاقا اكثر من هذا بربكم؟
اوباما سدد الكرة بمهارة وقوة في المرمى الجمهوري. قراره بالضربة العسكرية لن يطبق الا بموافقة الكونغرس (النواب والشيوخ) . الان سنرى الجمهوريين، اصحاب الحربين في العراق وافغانستان، سيكونون كالحمام رمز السلام، داعين للتأني واعطاء الفرصة للحلول السياسية، لا لشيء الا لان الرئيس ديمقراطي وليس جمهوريا.
الرئيس اوباما الحائز جائزة نوبل للسلام لا يريد ان يبدأ حربا جديدة، حتى ان كانت محدودة جدا، وسيبقي على سجله نظيفا في الحالتين، في حالة رفض الكونغرس الموافقة على الضربة العسكرية (المحدودة جدا) وفي حالة موافقة الكونغرس على الضربة (المحدودة)، فسيكون الكونغرس هو الذي اتخذ القرار النهائي، ويبقى اوباما رجل السلام المسالم جدا.
الدراما الامريكية بشأن هذه الضربة المحدودة، كما يقول اوباما ليست مرتبطة بزمن، فقد تكون الضربة بعد يوم، اسبوع، او شهر (مع الاعتذار لعبد الحليم في يوم ، في شهر ، في سنة) ويبدو ان الحبكة والترقب سيستمران في التصاعد، كما في المسلسلات التركية، ولا نعرف متى ستنفذ هذه الضربة الموعودة (المحدودة) التي ينتظرها الكثيرون على أحر من الجمر.
على ان تلكؤ اوباما في اتخاذ القرار واحالته الى الكونغرس، لا شك، مرده الى احتمالات تداعيات ما بعد الضربة، اذ ربما تكون نتائج هذه الضربة المحدودة غير محدودة على الاطلاق، اذا دخلت اسرائيل وايران وحزب الله على الخط، وتعرضت للخطر الدول الصديقة لامريكا، الاردن والعراق ولبنان وتركيا. اوباما في مأزق حقيقي ولكنه يعرف حقا كيف سيوزع دماء كل هذه القبائل في رقبة الكونغرس. الجمهوريون الان مشغولون بالبحث عن انجع السبل للذود عن مرماهم الذي سدد فيه اوباما كرة ضربة الجزاء في المقص.

‘ كاتب فلسطيني

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية