لندن ـ «القدس العربي»: وصلت درجة الاحتقان والكراهية بين الفئة الثورية الكتالونية وكيان الدولة الإسبانية للذروة، بعد تسارع الأحداث بشكل جنوني منذ اندلاع المعارك بين الطرفين، على خلفية رفض النظام الحاكم الاعتراف بشرعية استفتاء الأحد، الذي عرقلته الشرطة المركزية على أكمل وجه.
بداية الحرب
وانتظر الشعب الكتالوني يوم الأحد الماضي على أحر من الجمر، على اعتبار أنه سيكون يوم الخلاص من «العلم الإسباني»، إلا أن الصدمة جاءت قبل 24 ساعة، بتوصية من المحكمة الدستورية العليا، التي أمرت السلطات بعرقلة التصويت، لعدم شرعيته، من باب أنه لا يحق لأي إقليم التصويت على انفصاله، بل يُسند الأمر لمجلس النواب، ليُحدد موعد استفتاء شعبي تُشارك فيه الأقاليم الـ17.
هنا اختلط الحالب بالنابل، خاصة بعد نجاح القوات الأمنية في الاستحواذ بالقوة الجبرية على أكثر من نصف مراكز الاقتراع، لتبدأ الاشتباكات العنيفة، التي أسفرت عن إصابة عشرات المدنيين، وفي خضم هذه الأحداث، تقدم نادي برشلونة بطلب للاتحاد الإسباني لتأجيل مباراته مع لاس بالماس في ختام الجولة السابعة لليغا، لكن الطلب قوبل بالرفض، وهذا يرجع لتبعية الاتحاد ورابطة الليغا لمؤسسات الدولة.
نظرية المؤامرة
جاء الرفض ليوقد فتيل الحرب الباردة بين إدارة النادي المساندة لموقف الأغلبية في الإقليم، والاتحاد التابع للحكومة، وتجلى ذلك في القرار التاريخي الذي اتخذه الرئيس جوسيب ماريا بارتوميو بإقامة المباراة، لكن من وراء أبواب مُغلقة بدون جماهير، لأول مرة منذ تأسيس الملعب في أواخر الخمسينات، كنوع من أنواع الاحتجاج على الرفض وأحداث اليوم الدموي أمام العالم، ونادٍ بحجم البارسا لديه بالتأكيد عشاق في أرجاء الكرة الأرضية.
ومن الأسباب التي أجبرت البلوغرانا على إقامة المباراة، هو التهديد الواضح والصريح من مسؤولي الاتحاد، بفرض عقوبة تصل لخصم ست نقاط في حالة عدم خوض المباراة، وما زاد الطين بلة هو موقف الفريق المنافس، الذي وضع هو الآخر العقدة في «المنشار» برفض فكرة التأجيل أو استضافة المباراة على ملعبه، وهو الأمر الذي أصل عقدة الاضطهاد المزروعة داخل الثوريين الكتالونيين، مثل الرئيس الأسبق خوان لابورتا والمدرب الشهير بيب غوارديولا ولاعبين كتشافي ألونسو والمُناضل الكبير جيرارد بيكيه وآخرون.
ويبدو أن الأغلبية التي تُنادي بالانفصال، لم ولن تنسى ما حدث قبل ما يزيد على ثلاثة قرون، وتحديدا عام 1714، عندما قامت القوات الإسبانية بمحاصرة الإقليم لضمه إلى كيان الدولة، ومنذ ذلك الحين، أصبحت كتالونيا خاضعة للعلم الإسباني، رغم أنها بالكاد أكثر إقليم يتمتع بحكم ذاتي، متمثل ذلك في برلمان وحكومة يُديران الشؤون التشريعية والتنفيذية بشكل منفصل، لكن في النهاية تذهب ثروات الإقليم إلى أموال الدولة بنسبة تقترب من 20%. حتى كبار السن في كتالونيا ما زالوا يتذكرون سنوات العذاب مع الدكتاتور العسكري فرانشسكو فرانكو، الذي لم يكن يكره أي شيء في حياته أكثر من كتالونيا ونادي برشلونة بالتحديد، لدرجة أنه أمر بقصف ملعبهم، عندما عادوا لطلب الاستقلال بعد انقلاب 1938، ليجدوا الرد بقذائف وحصار أبشع من حصار قرون الظلام، لتتأجل مطالب الانفصال بعد موته في فترة السبعينات، التي شهدت في نهايتها بداية عودة مطالب الاستقلال.
ارتفاع سقف المطالب
وفي السنوات القليلة الماضية، ارتفع سقف الطموح بمحاولات جريئة من أصحاب فكرة الانفصال وعلى رأس برشلونة، بطرح فكرة التصويت أكثر من مرة، ليُظهروا للعالم أنهم شعب وإسبانيا بأقاليمها الـ16 شعب آخر، لكن حتى الآن، لا تبدو الحكومة، أو بالأحرى النظام الحاكم التفريط في الإقليم بكل هذه السهولة، لأهميته من الناحية الاقتصادية والرياضية، خصوصا في كرة القدم، ولا أحد ينسى أساطير برشلونة الذين ساهموا في إنجاز الاحتفاظ بيورو 2008 و2012 وكأس العالم 2010، بفضل تشافي وبويول وإنيستا وسيسك فابريغاس وبقية نجوم العصر الذهبي.
الدستور لا يُعطي الشعب الكتالوني حق الانعزال من تلقاء نفسه، لكن الصورة على أرض الواقع، تُنذر بواقع وخيم إذا أصر كل طرف على موقفه، وشاهدنا كيف عبر زوج شاكيرا عن رأيه، باعترافه أمام الشاشات أنه لا ينتمي إلا لكتالونيا، ولا يعرف أي شيء عن إسبانيا سوى القميص الذي يُدافع به عن ألوان المنتخب.
وقال المُتمرد باكيا: «أنا فخور كوني كتالونيا وفخور بشعبي العظيم. نحن لسنا أقلية كما يزعمون، هناك الملايين منا ونحن لسنا أشرارا، فقط نريد الاستفتاء، وإذا رأى المدرب أو مسؤولو الاتحاد الإسباني أن وجودي في منتخب إسبانيا سيسبب المشاكل ويُثير الفتنة، فأنا على استعداد لأن أعتزل اللعب الدولي، قبل حتى كأس العالم». لكنه في اليوم التالي ذهب إلى معسكر المنتخب الذي يستعد لخوض آخر مباراتين في تصفيات كأس العالم، ودفع الثمن بوابل من الانتقادات اللاذعة من الجماهير التي حضرت الحصة التدريبية، وطالبته بخلع قميص الوطن، باعتباره خائنا، إلا أنه تجاهل الصيحات ولم يُغادر التدريبات، وكأنه لم ير اللافتات ولم يسمع بأذنيه صيحات الاستهجان ضده. أما رئيس النادي، فكان ثابتا على موقفه، فبعد المباراة بعث رسائل حملت كل معاني التهديد، وكثير من وسائل الإعلام في بريطانيا فسرتها على أنها تمهيد أو إشارة لاحتمال خروج برشلونة من عباءة الليغا، لتزداد شائعات ذهاب البارسا إلى البريميرليغ او أي دوري أوروبي آخر أكثر من أي وقت مضى، وقال نصا: «لقد قررنا أن نُظهر استياءنا أمام العالم. الأمور لم تكن على ما يرام يوم المباراة، وكانت لدينا رغبة حقيقية للتأجيل، وأقول أن هذا القرار هو أصعب قرار اتخذته منذ توليت رئاسة النادي». وأضاف في حديثه الجريء: «كما قلت كنا نُريد حقا تأجيل المباراة، لكننا لم نجد اتحاد كرة قدم مُحترفا يوافق على طلبنا، إن ما شهدناه في بلادنا أمس غير مقبول على الإطلاق، إننا نُطالب باحترام شعب كتالونيا وسنقف مرة أخرى مع الأغلبية. الواقع يقول أننا حصلنا على حق التصويت، ويجب أن يستمعوا إلينا».
مولود جديد؟
المُلفت للانتباه، أن تصريحات بارتوميو كانت في اليوم الذي دعت فيه القوى الثورية لعصيان مدني، بوقف كل أنواع العمل، سواء الحكومي أو القطاع الخاص، لإظهار غضبهم على إخماد انتفاضة الاستقلال، وهذا يُنذر بعواقب وخيمة إذا استمر نضال الشعب الكتالوني مع تزايد سقف الطموح والمطالب، كلما توحدوا على توجيه ضربات موجعة للنظام الحاكم، بخطوات مُحتمل أن تكون تصاعدية بعد الإضراب الأخير، على أمل أن تنجح الخطة، وتُصبح كتالونيا أحدث دولة في العالم، بعد موضة كوسوفو وجبل طارق.
بالنسبة لإقليم كوسوفو، فيُعتبر آخر ضيف شرف للمنضمين لعضوية الفيفا، بدخوله لأول مرة في تاريخه تصفيات كأس العالم 2018، منذ حصوله على استقلاله من صربيا عام 2008، بموافقة الولايات المتحدة والمملكة المتحدة ودول أخرى كبرى في غرب أوروبا، وسبقه جبل طارق، الذي دخل هو الآخر قوائم الفيفا بأعجوبة، بسبب نزاع إنكلترا وإسبانيا على هذا المضيق، الذي لا تزيد مساحته على 7 كيلومترات، وعدد سكانه تقريبا 30.000 نسمة، فما بالك بكتالونيا التي يصل تعدادها السكاني أكثر من 7 ملايين مواطن.
الضربة الكروية
الشيء المؤكد أنه إذا حصلت كتالونيا على استقلالها، ستكون بمثابة الضربة الموجعة للكرة الإسبانية والمنتخب الإسباني، فعلى المستوى المحلي، لن يجد الريال من يُنافسه، إذا ذهب فكر الإدارة إلى اتجاه الابتعاد عن إسبانيا إلى الأبد، والسيناريو الأقرب سيكون إما الذهاب إلى الدوري الفرنسي بحكم المسافة القريبة بينهما، أو البريميرليغ، الذي سيُصبح في هذه الحالة دوريا من كوكب آخر، أما المنتخب، فسيُحرم من جواهر «لاماسيا» التي ساهمت بشكل كبير في كل الإنجازات الأخيرة… وما يُريده الشعب الكتالوني يُظهر رغبتهم وجديتهم بأن يكون إقليمهم المولد الثالث الجديد بعد كوسوفو وجبل طارق. والسؤال الآن: هل سيحدث ذلك عاجلاً أم آجلاً؟ الفترة القادمة ستوضح كل شيء.
عادل منصور: