«من سيرة المجوس»، يقول العنوان الفرعي لعمل الروائي الليبي إبراهيم الكوني، الذي يصدر هنا في طبعة جديدة. ومن المعروف أنّ غالبية اعمال الكوني، التي تجاوزت 60 رواية ومجموعة قصص، تشترك في سلسلة عناصر موضوعاتية ذات صلة بعوالم الصحراء، حيث تصوّف الوجود وغنى الكائنات وغموض المصائر، وحيث روابط الإنسان مع أكوان الأرض والسماء تكتسب صفات الصراع والتكامل، الخلق والجدب، والظفر والانكسار.
هنا فقرات من مستهل الرواية:
«بعد أن أصيب الدرويش بالمسّ، وقبل أن يرفع يداً مجبولة بالقداسة والتصميم ليجتث عضلة الإثم ويتخلص من عرق الشيطان، بعد أن اقتحمت عليه الأميرة قفص السر ليصبح عصفور النور مهدداً بالاختلاس والامتلاك والاستلاب، وقبل ان تنزل المدية السحرية لتقطع رأس الحياة في الحيّة المدسوسة أسفل السرّة. في هذا البرزخ الواقع بين الـ»ما بعد» والـ»ما قبل»، في هذه المسافة المحصورة بين السهل ووادي الطلح، تقع تادرارات. وفي تادرارات تقوم القمم الجليلة التي انفصلت عن السماء ونزلت على الأرض ليستظلّ بها الأسلاف ويتخذوها بيوتاً يسكنون إليها، وجدراناً ينحتون عليها رموز الرحلة المجهولة. تحت جدار من هذه الجدران استظلّ الدرويش بنار القيلولة وهو يلهث وراء «أوداد» ليبلغه وصية الأميرة. تحت هذه الصخرة التي فصلها الزمان عن الجدار المقدس هجع موسى ليشقى بنار أقسى من نار القيلولة، ويداوي الجرح الذي يهدد عصفور النار في قفصه المنيع.
تحت الحجر الغامض، القديم، الذي يحفظ سيرة الآلهة ويكتم في صدره تاريخ الصحراء، رأى موسى خيال الربة الحجرية لأول مرّة. كانت تقف مكابرة في مقامها الخالد. تنظر إلى القمم المواجهة في الأفق البعيد، تروي تجربة أخرى في العشق بلسان السرّ، بلغة السكون الأبدي الذي لا تعرف الصحراء العظمى لغة سواه. ولا يعرف الدرويش لماذا رأى في قامتها المديدة، وحسنها الخفي، ونظرتها السرية، خيال الأميرة «تينيري» برغم محاولات القٍبْلي أن يقتطع منها نصيبه في غزواته الموسمية. ولم يجد نفسه يتابعها بإصبعه المبلل بدموعه لأنه اكتشف الشبه، ولكنه احترق وفقد الصواب لأنه اكتشف سراً أقسى، إذ أخبره وجدُ الحنين أن المخلوق إذا عشق مخلوقاً ارتفع المعشوق وابتعد إلى برزخ المحال».
دار سؤال، بيروت 2017