علوان السهيمي كاتب سعودي مميز بموضوعاته الروائية التي تبحث في العوالم القلقة والشخصية، الشديدة وتدل عليها عناوين رواياته الأربع على اعتبار أن العنوان عتبة نصية شديدة الأهمية والصلة بمقاصد الكاتب وغاياته وتحديد مجال تخييله وقد تحيل كثيرا على نوع المحكي السردي. ورواياته الأربع تحمل هاته العناوين: «الدود»، و»القار»، و»الأرض لا تحابي أحدا»، ثم «حياة بنصف وجه»، وهذه الرواية الأخيرة يمكن وضعها ضمن الروايات القصيرة المعروفة بـِ»النوفيلا»، لذلك فمن ملامحها البنائية ضيق المساحة الورقية، الذي يضع الكاتب في إشكال كبير: إذا لم يتم الحسم فيه يمكن للعمل إن يتحول أجناسيا من «رواية» إلى «قصة»، لأن السرد سيكون تحت رحمة الاختزال والتكثيف والحذف والخطية السردية ويبعده عن أهم خصوصيات الخطاب الروائي، أي التركيب.
إن الرواية، كما تتبدى لنا، خطاب سرد ووصف، وهذا هو تحدي نوعية النص الروائي، مركب من عدد من المحكيات السردية، وهو ما يرتبط ببناء النص و»نحو» محكياته، ويرتبط التركيب بالفضاء الروائي، وبناء المحكيات، وكلما تعددت المحكيات داخل الخطاب الروائي كلما اتسعت أبعاده وانفتحت على إمكانيات جديدة لتقديم أوجه مختلفة ومتنوعة عن «الحياة» عامة أو «الحالة» الشخصية.
والرواية تشتغل على حالة شخصية قابلة للتعميم، لأنها ليست معزولة عن محيطها الاجتماعي والثقافي، وإنما هي اليوم ظاهرة مرضية منتشرة بين الناس ويعاني منها الكثيرون، وهم في حاجة إلى التعرف عليها وفهمها للتعايش معها ثم التغلب عليها وتجاوزها دون أن تترك في نفوسهم تبعات سلبية تنعكس على سلوكهم اليومي وعلاقاتهم ووظائفهم في المجتمع. والكتابة عن حالة شخصية يمكنها أن تكون مناسبة للسرد القصصي، نظرا لمحدودية الموضوع وخصوصيته، لكن لكتابتها روائيا فالحاجة ستدعو الكاتب إلى البحث في سبل «توسيع» الفضاء وتنويع الحيز الزمني السردي، وهنا يتجلى معنى التركيب في الخطاب الروائي، وتبرز كذلك مؤهلات وثقافة الكاتب السردية وكفايته السردية.
أولا، لقد اختار الكاتب اعتماد المحكي الذاتي وجهة نظر سردية، وهو اختيار يسهم في كتابة الرواية القصيرة، نظرا لكون المحكيات الذاتية تقوم أساسا على تضييق المساحة بين الكاتب والسارد والقارئ، فلا يتم التمييز بين الكاتب الموضوعي والسارد إلا بصعوبة كبيرة وبالاعتماد على أنواع الخطابات المتخلل للمتن السردي، وعلى تقريب المسافة بين الكاتب والسارد والقارئ بمستوياته عبر «الإسقاط». فغالبا ما «يتبنى» القارئ حالات الكاتب والسارد في المحكيات الذاتية، فترتفع قيمة الخطاب الانفعالية والعاطفية.
ثانيا، اختار الكاتب التركيز على «الاسترجاع» و»الاستذكار» كقيمة سردية وتقنية في السرد، ورؤية استردادية تتحكم في الزمن وتحد من تدفقه واسترساله الخطي. وتقوم هذه التقنية والرؤية السردية بتكسير خطية السرد والتحكم فيه بالعودة بين الفترة «المتوالية السردية» والأخرى إلى إضاءة محكي صغير، أو «استئناف» محكي سردي مؤجل.
ثالثا، اختار الكاتب بناء محكياته السردية بناءً دائريا، أنه يفتتحه بأول المحكيات السردية الأساسية «الاستئنافية»؛ وهو محكي استئنافي لأنه اتخذ مفتتحا صادما مثيرا ومحفزا على القراءة، وسيترك أو «يهمل» ويؤجل السارد العودة إليه حتى الفصل الأخير الحادي عشر، حيث سينتقل السرد في هذا المحكي الاستئنافي من تقديم «قصة» الطبيب المعالج بالكيِّ إلى الإنجاز العملي لعملية الكيِّ بالمسامير الحامية الملتهبة لرأس ورقبة السارد المريض.
يفتتح الخطاب بهذه الجملة: «أكثر ما أخشاه الآن، أن تستمر دمامتي بهذا الشكل، بأطول صورة ممكنة، وأبقى هكذا إلى أن أموت».
والمعين اللفظي (الآن) في الجملة، لا يحيل على حاضر الكتابة وإنتاج النص، بل يحيل على حاضر المرض وهو ماض بالنسبة للكتابة، وبهذه الطريقة التي تجمع بين الحاضر والماضي؛ حاضر الكتابة والتخييل وماضي الواقعة الحَدَثِيَّةِ، صنع الكاتب من خطابه السردي القصير خطابا مركبا، وبالإضافة إلى إدراج عدد من المحكيات «المؤجلة» و»الاستئنافية» و»العَرَضِيَّةِ»، ومنها:
المحكيات الاستئنافية: وهي المحكيات الأساسية التامة في خطاب الرواية، لكنها توظف سرديا لتأطير المتن، كما هي حالها حيث يفتتح بها الكاتب خطابه الروائي، ويُمْهِلُهَا طوال المساحة الأوفى في السرد، ويعود إليها في الفصل الحادي عشر لجعلها «قفلة» سردية وينتقل بها من مستواها الأول، من محكي ذاتي متناوب؛ يبدأ بمحكي السارد الذي لم يعلن على هويته، ولم يصرح باسمه، يقول:»ماذا يمكن أن تحكي لنفسك إذا كنت تشاهد عددا من المسامير الحديدية تتحول أمام ناظريك إلى لون برتقالي قاتم تخرج النار منه، وهي تقبع وسط المجمر، والموت يزمجر من أطرافها؟».
يعلن هذا المفتتح الخاص بأول وأهم متوالية سردية في الرواية عن محكي ذاتي حميم (Intime)، فالسارد يخاطب نفسه في حوار داخلي (مونولوغ)، وهو كما ذكرنا آنفا تقنية اعتمدتها الرواية الجديدة للتخلص من المحكيات الواقعية (الطبيعية) السائدة قبل القرن العشرين، وساهم المونولوغ في توسيع المتن السردي وفي تكسير رتابة المحكيات الواقعية الوصفية التي تفتتح بوصف المكان وكل شيء. ويمكنني هنا الإشارة إلى وعي الكاتب بضرورة الاشتغال على الذاكرة القلقة وعلى الذكريات المتداعية في بناء المتن السردي وفي تركيبه عبر محكيات غير تامة.
أما المحكي الذاتي الثاني الذي سيتسلم ناصية السرد فسيكون محكي الشيخ الأشيب الذي سيعالج السارد من مرضه (تشوه في الوجه) بالكي بتلك المسامير الستة الملتهبة الواردة في الفصل الأول كمحفز لعملية السرد، فيبدأ هكذا: «منذ زمن بعيد، كنت أعيش في جنوب الأردن، إبان التحاقي بالجيش السعودي المشارك في الحرب على العدوان الإسرائيلي، أحيا في خيمة بالقرب من محافظة الكرك مع زوجتي فقط، لم يكن لي أبناء حينها، كنت سعيدا بهذه الحياة…».
وسيوقف السارد محكي الشيخ الخارج من حقل القطن، ليمنح السرد متنفسا عبر محكيات روافد تذهب في اتجاهات متعددة، موسعا من الفضاء الضيق للرواية القصيرة، والخبر والفكرة الضيقة للمحكي الإطار.
ومن المحكيات الاستئنافية نجد كذلك محكي سهام، الذي يرويه السارد من الذاكرة. وهو محكي يسترجعه السارد للتدليل على وسامة وجهه سابقا ودورها في تحبب الناس وخاصة الفتيات له ونشدانهن الاقتراب منه وتملي طلعته. يبدأ محكي سهام، في سياق تطور الحالة النفسية للسارد، فبعد فرض العزلة على نفسه في غرفة مظلمة بعيدا عن زوجته بدرية وولده يزن، وبعيدا عن زملائه في العمل، بدأت المرآةُ تقلقه بمواجهته للحقيقة التي يتهرب منها بتجاهله شلل نصف وجهه الأيسر، يقول: «قمت بعد ذلك إلى المرآة، وأخذت أنظر فيها، وأنا أضع أطراف أصابعي على جهة الشلل الذي أصاب وجهي وأفقده رونقه وبهاءه، وتفكيري يعود إلى حادثتي مع سهام، هذه الفتاة التي كانت ترش الماء على حياتي الجافة في وقت سابق، حبيبتي التي كانت تشبه ذلك المسن الذي يرش الماء أمام محله كل صباح طلبا لرزق الله وللبرودة».
ويمهل مرة أخرى السارد حكي سهام ليعود إليه في الفصل العاشر مستذكرا افتنانها بوسامته التي ضيعها المرض والبرد القارس لمدينة تبوك السعودية، فيقول: «تذكرت في هذه الأثناء لقائي الثاني بسهام، وكيف كانت تمسك وجهي بيديها وتعض على شفتها السفلى، ثم تقرصني قرصة خفيفة على خدي الأيسر، وتقول «ما أحلاك».
يمثل هذان المحكيان السرديان طبيعة «المحكي الاستئنافي»، كما يبرزان وظيفته الجمالية والفنية وأيضا طبيعته البنائية، أما المحكيات الأخرى التي اعتمدها الكاتب في توسيع ضيق مساحة الرواية القصيرة «النوفيلا» فهي محكيات «اعتراضية» يضيء بها بعض الجوانب السردية أو المواقف دون أن يكون لها امتداد في السرد. مثال ذلك: محكي مُطلق، زميل السارد الذي يمثل الموقف المضاد والمعارض لكل أشكال العلاج التقليدية ويسخر من الرؤية القصيرة لزميله وهو يشكك في قدرات الأطباء في تخليصه من مرضه، ومحكي مهدي حسين الطفل المشوه الوجه الذي كان السارد ورفاقه في الحي يسخرون منه، وهو الآن أي السارد بات يشعر بمقدار الآلام التي كانت نفسية مهدي حسين تخزنها وتسكت عنها.
رواية «حياة بنصف وجه» للكاتب السعودي تعد نموذجا للنوفيلا الإيطالية، لكنها أيضا رواية تختبر عددا من التقنيات الكتابية التي تحمي السرد القصير من السقوط في القصصية، أي أن الكاتب جرب ووظف عددا من الإمكانيات السردية والكتابية ليجعل من عمله رواية مركبة ومنفتحة على أبعاد فكرية وجمالية متنوعة.
علوان السهيمي: «حياة بنصف وجه»
منشورات المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء 2015
126 صفحة.
محمد معتصم