محمد العطار وعمر أبو سعدة في مسرحية جديدة: «إيفغينيا» قصص فتيات سوريّات تحكي عنهن محطّات اللجوء

حجم الخط
0

في إحدى قاعات مطار «تمبلهوف» الألمانيّ في برلين، المطار الذي تأسس على يد النازيّين في ثلاثينيات القرن الماضي والخارج عن الخدمة الآن، والذي تحوّل إلى صالة من صالات عروض مسرح «الفولكسبونة» وُضعت منصة بيضاء، وعليها صفٌ من الكراسي عند طرفها، جلست عليها تسع فتيات وجوههن باتجاه الجمهور، هؤلاء الفتيات السوريات بطلات مسرحيّة «إيفغينيا» للكاتب محمد العطّار والمخرج عمر أبو سعدة وسينوغرافيا بيسان الشريف، والتي افتتحت الموسم الجديد لمسرح «الفلولكسبونة» في 30 أيلول/سبتمبر الماضي.
لم تكن هذه المرة الأولى التي يعمل فيها كل من محمد العطّار وعمر أبو سعدة مع مجموعة من النساء السوريّات غير الممثلات ولا محترفات التمثيل، ولم تكن هذه المرة الأولى أيضًا الذي يعمل كلاهما على محاورة للنص والتجربة بين الميثولوجيا الاغريقيّة والواقع السوريّ، وبالأخص واقع نساء سوريّات في ظلّ اللجوء، فبعد مسرحيّة «طرواديّات» في العام 2011 والتي قُدّمت في عمّان ومسرحيّة «أنتيغون شاتيلا» التي قُدّمت في بيروت عام 2015، جاءت مسرحيّة «إيفغينيا» مع فتيات سوريّات لاجئات في ألمانيا، وبغالبيتهن في برلين.
بالإضافة إلى الكراسي التسعة على المنصة، وُضع كرسيّ إضافيّ عند مقدمة المنصة البيضاء، حيث أن المسرحيّة تتمحوّر حول تجربة أداء «كاستينغ» لمسرحية «إيفغينيا»، وكل فتاة جاءت للتجربة كي تنافس على دور بطلة التراجيديّة الإغريقيّة للروائيّ المسرحيّ اليونانيّ يوربيديس، فيعتمد الحوار بين التي تختبرهن للأدوار وبين الفتيات حول العلاقة بين الحياة والمسرح، وبين حيواتهن وتشابهها مع «إيفغينيا»، حيث تكشف كل منهن مساحات ذاتيّة من حياتها ومأساتها، آلامها وأحلامها، التي جميعها كأنها تبدأ منذ لحظة خروجهن من سوريا، والتضحيات التي تلت تلك اللحظة وتتواصل حتى يومنا هذا.
في النّص التعريفيّ للمسرحيّة كُتب: «في تجربة الأداء هذه، وعبر تسعة مشاهد متلاحقة، نتعرّف على حكاية كل فتاة، وماذا يعني لها المسرح والتمثيل، وما هي الحدود الفاصلة أو المتداخلة بين الحياة والمسرح؟ تتقاطع قصص الفتيات مع قصة «إيفغينيا» بطلة تراجيديا يوربيديس، التي تُمثل قصتها بداية حرب اليونان الشهيرة على طروادة. لنكون أمام حكاية معاصرة تكشف أجزاء من «أوديسة» السوريّين، عبر عيون تسع فتيات يقمن باستعادة الوقائع المريرة لإيفغينيا».

المسرح التفاعليّ

لم تكن سيرورة العمل على المسرحيّة كالسيرورة الكلاسيكيّة للمسرح، حيث النّص والإخراج والقراءات والتدريبات المكثّفة حتى العروض للجمهور، بل اعتمدت بداية على إعلان يبحث عن نساء سوريّات غير ممثلات لعمل مسرحي جديد يحمل الاسم «إيفغينيا»، وبالتالي كان اللقاء الأوّل بعد اختيار النساء هو لقاء للاستماع إلى قصصهن ضمن شكل تجربة الأداء «الكاستينغ»، والذي كان خيار الكاتب محمد العطّار منذ البداية أن تأخذ المسرحيّة هذا الشكل من العرض.
الفتيات اللواتي تم قبولهن «للكاستينغ»، شاركن قصصهن وفقًا لأسئلة وحوارات عمل عليها طاقم المسرحيّة، بهدف تجميع قصصهن الخاصّة، التي يرغبن بمشاركتها، قصص حول حياتهن في سوريا ومنذ خرجن منها اضطرارًا وعلاقتهن مع المسرح والحياة. بشكل ما، كانت سيرورة العمل مبنيّة على شكل من أشكال المسرح التفاعليّ، إنّ صحّ التعبير، فقد سردن قصصهن ضمن إطار عمل مكثّف، حيث تشكّل هذه القصص ركيزة العمل الأساسيّة، إلّا أن الصّيغة النهائيّة لهذه القصص والنّصوص، التي نتج عنها العمل المسرحيّ، هي نتاج سيرورة عمل فنيّة لطاقم المسرحيّة، سواء من الكتابة، التمثيل والإخراج، وبالتالي، على الرّغم من أن المسرحيّة ترتكز على قصص النساء المشاركات، إلّا أنّه لا يمكننا اعتبار العمل المسرحيّ بمثابة عرض قصص لنساء (سرد قصص)، فالتدخل الفنّيّ المسرحيّ، بكافة جوانبه وجودته وعلاقته مع الميثولوجيا الإغريقيّة، كافيًا لأن يكون المشروع عملًا مسرحيًا.

النساء وقصصهن

عند كلّ مشهد من المشاهد التسعة، تتقدّم فتّاة إلى واجهة المنصة لتجيب على أسئلة موجهة لها، أسئلة ذاتيّة ومتعلّقة بالمسرح كما وبقصة إيفغينيا، هذه الشخصيّة التي تشكّل المظلّة وثيمة العمل بشكل أو بآخر، فهي المحور الذي يربط النساء بالأماكن/ بلادهن، بتضحياتهن من أجل بلادهن، وفي هذه الحالة بين الفتيات اللواتي هن جزء من العمل المسرحيّ وبين سوريا والواقع السوريّ بعد الثّورة.
سوريا وواقعها اليوم، مثل إيفغينيا، هي شبابيك إلى عوالم كل فتاة من الفتيات في المسرحيّة، إلى أسئلتها ومعاناتها وأحلامها الخاصّة، سواء تلك التي تهدّمت بسبب رحلة اللجوء من سوريا مرورًا بمحطّات عديدة ووصولًا إلى ألمانيا، أو تلك البدايات التي عاشتها الفتيات في ظلّ الخراب، حتى الجميلة منها، رغم قسوة الواقع الذي يعشنه. القصص التي حكتها النساء، لم تكن بالضرورة مباشرة عن الواقع السياسيّ، الطبقات والجوانب التي تطرقت إليها كل فتاة، وبعظها ذاتيّة؛ كالحبّ، والتعليم، والعلاقة مع العائلة وبالأخص الأب، الخوف، الفشل، المدرسة، الغناء والرقص، كلّها ترسم صورا حقيقيّة لما مرّت وتمرّ بها الفتيّات في واقع سياسيّ للأسف لا يعطي مساحة إلّا للأخبار العاجلة والعناوين الكبيرة، مما تساهم أيضًا هذه الصّور الحقيقيّة في رسم صورة كبيرة عن الواقع السّياسيّ بألوان أخرى.

الذّاتيّ والاجتماعيّ

إنّ لبّ قصّة إيفغينيا هي تضحيتها، وسؤال التضحية من أجل الآخر/الآخرين يتكرر كثيرًا في المشاهد مع الفتيات في المسرحيّة، وبالتالي بإمكان مشاهدة المسرحيّة من منظور جندريّ واجتماعيّ في ظلّ واقع سياسيّ قامع من جهة ومجتمع ذكوريّ لا يقل قمعًا للنساء من جهة أخرى، هذا الواقع الذكوريّ الذي غالبًا ما يرى بالحلّ السياسيّ أولوّيّة قبل الحلول الاجتماعيّة. فنرى علاقات الفتيات بآبائهن، هذه العلاقات المبنيّة على الحبّ والاحترام كما على الخوف أحيانًا، ونرى تلك العلاقات المبنيّة على «قتل الذّات»/ التضحيّة مقابل رغبة الأب/ الذّكر في البيت، ونرى أيضًا أن رغم أوجاعهن العميقة أثر اللجوء والواقع السّوريّ، هنالك من كانت هذه الرحلة بالنسبة لها بمثابة رحلة تحرر من السطوة الذكوريّة على حياتها وتحررًا من دور العطاء اللانهائيّ الذي يجب عليهن، كنساء، أن يقمن به تجاه كل من حولهن؛ تجاه العائلة والناس والبلاد عدا عن أنفسهن، فوجدن أنفسهن الآن، وهن لاجئات، رغم الخوف، يتأملن احتياجاتهن الذّاتيّة الأولى، وهذا في حد ذاته مقولة مهمّة وقويّة في هذا الوقت تحديدًا.
يعتمد العمل المسرحيّ على التشديد، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر، على أهمية القصّة الفرديّة، وقصّة الفتاة المشاركة في العمل بمثل هذه الحالة، كما ويعتمد على أن يشدد أيضًا على أن القصة الفرديّة تُعطي بعدًا إضافيًا لقراءة قصّة الجماعة كما الواقع السّياسيّ المليء بطبقات ذاتيّة واجتماعيّة مهمشّة، سواء عن قصد أو عن غير قصد، وبالتالي يأتي هذا العمل ليقول لنا أن الحاجة للحبّ وللعاطفة، لدى البعض، لا تقل أهمية عن الحاجة للوطن.

ملاحظات أخيرة

بداية، ليس من المفهوم ضمنًا أن تقدّم هذه القصص على خشبة المسرح، لما فيها من حساسيّة وخصوصيّة لكل فتاة من الفتيات، وهذا واضح في مضمون القصص، كما وحضورهن على خشبة المسرح، كل هذا يستحق التقدير، وذلك للمجهود الذي بذلته كلّ واحدة منهن، كما لسيرورة العمل الفنيّ للمسرحيّة، من كتابة وإخراج وتدريب على التمثيل من طاقم المسرحيّة.
بالإمكان أيضًا أن نتوقّع التأثير الإيجابيّ لهذا العمل المسرحيّ بكامل سيرورته على كل فتاة من الفتيات، مع الحذر من الاطلاق عليه اسم المسرح العلاجيّ لاختلافه من ناحية منظومة عمله، على الرّغم من إمكانية التقاء بعض العوامل بين المسرح العلاجيّ وهذا الشكل من المسرح.
أخيرًا، من المهم الإشارة أنّ قصص الفتيات هي قصصهن هن، أو لنقل أن المواد التي قُدّمت خلال المسرحيّة تعتمد بأغلبيتها على القصص التي سردتها الفتيّات خلال مسار العمل مما أنتج عنه النّص النهائيّ للمسرحيّة الذي كتبه محمد العطّار، وبالتالي، هي قصص الفتيات المشاركات وليست قصص كل الفتيات السوريّات، لكنها قصص مهمّة، تحمل مقولة أن كل قصّة فرد هي ضروريّة للتوثيق في ظلّ المسار الذي تمرّ به الجماعة، وهي بلا شك تلتقي عند قصص أخريات وتختلف عند أخريات، لكنها قطعة من بازل كبير، للأسف، يواصل الواقع السّياسيّ تفكيكه، ويأتي عمل مسرحيّ مثل «إيفغينيا» ليحاول تركيب بعض من قطعه بأيادي من ما زالت تُهمّش أصواتهن حتى يومنا هذا، كي تحكي لنا شكل المكان/سوريا اليوم.

محمد العطار وعمر أبو سعدة في مسرحية جديدة: «إيفغينيا» قصص فتيات سوريّات تحكي عنهن محطّات اللجوء

رشا حلوة

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية