الدوحة ـ «القدس العربي»: إسماعيل طلاي: طوت قطر أربعة أشهر كاملة؛ تجاوزت خلالها الحصار الذي كانت الدول الأربع (السعودية، والإمارات، والبحرين، ومصر)، تراهن على أن يكون كفيلاً بـ «ليّ ذراع» الدوحة، واخضاعها لمطالبها التي وصفها وزير الخارجية الألماني في بداية الأزمة بـ»الاستفزازية».
وبعد أزيد من 120 يوماً من الحصار؛ لم يعد السؤال في الشارع الخليجي عن توقيت حل الأزمة؟ في ظل حالة التشاؤم السائدة حول فرص حدوث انفراج قريب وتعنّت الرباعي المحاصر. بل بات السؤال الذي يشغل الشعوب الخليجية إن كانت ستنعقد القمة الخليجية في الكويت؟ أم أن تعنّت الرباعي المحاصر سيرهن مستقبل أقوى تكتل إقليمي عربي؟
قطريون يحتفلون بالصمود
ليس ثمة في الدوحة ما يعكس شعوراً بالتذمّر أو الاستسلام؛ رغم مرور أزيد من 120 يوما من حصار إنساني، لم يستثن الغذاء ولا الدواء ولا حتى حليب الأطفال. ومُنع المواطنون والمقيمون في قطر، وشعوب الدول الخليجية الثلاث من أهم الحقوق التي تنص عليها المواثيق الدولية من الحق في العلاج، والتعليم، والتنقل، ولم الشمل الأسري، وممارسة الشعائر الدينية، وصولا إلى خسائر مالية فادحة تكبدها رجال أعمال قطريون حرموا من استعادة استثماراتهم بدول الحصار.
ولم ينج من قسوة الحصار طلاب العلم القطريون الذي حرموا من متابعة دراستهم في جامعات دول الحصار؛ بل إنهم منعوا من مجرد الحصول على كشف الدرجات والعلامات الذي يسمح لهم بمتابعة مستقبلهم الدراسي في جامعات قطرية ودولية أخرى.
انتهاكات صارخة لحقوق الإنسان، أذهلت نواباً من البرلمان البريطاني جاءوا إلى الدوحة في رحلة لتقصي الحقائق، والوقوف على تداعيات الحصار عن قرب. وقبلهم، أصيبت منظمات حقوقية بالصدمة في لقائها بمتضررين من الحصار، من قبيل «هيومن رايتس ووتش»، و»منظمة العفو الدولية أمنيستي»؛ ومنظمة «أفدي»؛ وشخصيات حقوقية وأكاديمية، وصحافيين؛ أجمعوا كلهم على أن ما ترتب عن الأزمة من انتهاكات لحقوق الإنسان أرعبهم وصدمهم؛ ولم يروا مثيلا له حتى في حالات حرب.
أزمة ولّدت في نفوس القطريين همة، مكّنتهم من تجاوز الآثار المادية والنفسية للحصار؛ ومنحتهم ثقة أكبر بقدرتهم في الاعتماد على أنفسهم، والانطلاق إلى مرحلة جديدة من تاريخهم، قوامها تحقيق الاكتفاء الذاتي، والانفتاح على أسواق عالمية جديدة، بدل الارتهان إلى واردات أكثر من 80% منها كانت تصل من دول مجاورة، تحولت إلى دول محاصرة.
واحتفى القطريون عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وفي صفحات الجرائد القطرية بعناوين، تشير إلى «صمود» بلدهم أمام الحصار؛ وخروجها أقوى مما كانت عليه قبل الخامس من حزيران/يونيو الماضي.
وكتب الإعلامي القطري جابر الحرمي قائلا: « 120يوما من حصار جائر…غدر الجار كان عنوانه… لكن قطر جسدت ثبات وصمود…وحدة وطنية…راية مرفوعة…كرامة محفوظة».
إصرار كويتي وتذبذب أمريكي
صمود يقابله تشاؤم لافت لدى كثير من الخليجيين والمراقبين من إمكانية حدوث انفراج قريب في الأزمة، بفعل التصعيد السياسي والإعلامي وغياب أي مؤشرات للحل، برغم إصرار الكويت على متابعة جهودها للوساطة، مقابل حالة مدّ وجزر في مواقف الولايات المتحدة الأمريكية التي تطلق تصريحات بين الفينة والأخرى، توحي بوجود إرادة حقيقية لدى الرئيس ترامب للضغط على الدول الأربع لرفع الحصار عن قطر فوراً؛ ثم سرعان ما يخيّم الصمت، ويتراجع الاهتمام الأمريكي بالأزمة الخليجية، لصالح أزمات أخرى تشغل الرأي العام الأمريكي، وفي مقدمتها التهديد النووي لكوريا الشمالية، وإيران، وقضايا داخلية أخرى.
خليجيون يرفضون قمة بلا قطر والكويت وعمان
على الجانب الآخر، بدأت طفو إلى سطح الأزمة أسئلة ملحة، تشغل الرأي العام القطري والخليجي بصفة عامة، حول مصير القمة الخليجية المقبلة؛ في ظل تكهنات باحتمال تأجيلها، ورهان البعض على انعقادها مبتورة، أو انعقادها على مستوى رسمي متواضع!
ومجدّدا سارعت الكويت على لسان نائب وزير الخارجية خالد الجار الله، لتأكيد استعداد بلاده لاحتضان القمة الخليجية المقررة كانون الأول/ديسمبر المقبل.
وقال الجار الله في تصريحات صحافية الثلاثاء الماضي إن ليست هناك اتصالات مع رؤساء دول مجلس التعاون بشأن انعقاد القمة، مضيفا «لكن من الطبيعي أن نكون على أهبة الاستعداد لها، ونتمنى أن تعقد في موعدها».
وفي حين بدأت بعض وسائل إعلام موالية لدول الحصار تروّج لإمكانية انعقاد القمة من دون مشاركة قطر؛ جاءت ردود الفعل الشعبية قوية على محاولة عبر مواقع التواصل الاجتماعي، حيث أطلق مغردون وسم «#لا_قمة_خليجية_الا_بحضور_قطر»؛ مؤكدين رفضهم عقد قمة خليجية من دون أمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، بوصف قطر عضو مؤسس في مجلس التعاون الخليجي؛ حفاظاً على استمرار الكيان السياسي، رغم أعنف أزمة يمرّ بها البيت الخليجي.
وقبيل شهرين تقريباً من موعد القمة الخليجية؛ وفي حين، لم تتوان الدوحة مراراً عن تأكيد تمسكها بمجلس التعاون الخليجي في أكثر من مناسبة، تلتزم دول الحصار الصمت المطبق حول مصير القمة الخليجية المقبلة، في ظل «اختفاء» الأمين العام لدول مجلس التعاون عبد اللطيف الزياني «الغائب الأكبر» عن الأحداث، والذي التزم الصمت منذ بداية الأزمة، ولم يصدر عنه أي تصريح أو تحرّك مشهود لحلحلتها، وفقاً لما تنص عليه آليات فض النزاعات والنظام الأساسي لاتحاد دول مجلس التعاون الخليجي.
وفي الأثناء غرّد الأكاديمي الإماراتي الدكتور عبد الخالق عبد الله أستاذ العلوم السياسية، المقرب من حاكم أبو ظبي، داعياً إلى ما أسماه «صمت إعلامي خليجي لتهيئة ظروف الوساطة وانعقاد القمة الخليجية المقبلة» قائلاً: «نكرر الدعوة أن الوقت مناسب لصمت إعلامي خليجي لتهيئة ظروف الوساطة والاستعداد لعقد القمة الخليجية في ديسمبر».
ولقيت تغريدة الدكتور عبد الخالق حالة من الاستهجان والاستغراب في الوقت نفسه، كونها صادرة عن أحد المقربين من دوائر القرار في الإمارات العربية المتحدة، في حين لم يصدر عنها أو عن إحدى دول الحصار أي مؤشر يوحي بوجود إرادة سياسية لتهدئة التصعيد، أو الحوار مع دولة قطر لإنهاء الأزمة.
ورداً على مقال للدكتور عبد الخالق عبد الله بعنوان «هل انتهى مجلس التعاون الخليجي؟»، تحدث فيه عن مستقبل مجلس التعاون في ظل الأزمة الحالية؛ غرّد الإعلامي السعودي المقيم في واشنطن جمال خاشقجي عبر حسابه في «تويتر»، قائلاً: «أختلف مع د. عبد الخالق، دور المثقف والأكاديمي يجب ألا يكون تبرير سياسة خاطئة، مستحيل أن يكون هناك مجلس تعاون خماسي، هذه معادلة لا تقبل القسمة».