التاريخ ما هو إلاّ حلقة وصل بين الماضوية الزمانية والآنية المعاصرة ومَن يرغب بمعرفة الحاضر فعليه بدراسة التاريخ جيداً، لكي تتضح له تلك الحلقات المتصلة والمتممة لبعضها البعض بشرط أن لا يتحول التاريخ إلى حالة إستغراقية في واقعنا المعاصر، بحيث يكون الفكر برمته فكراً ماضوياً وأن ننسخ أحداثه نسخاً دون الإعتبار للظرفية الزمانية ولا للجغرافية المكانية بل ينبغي أن يكون تزوداً وإنتقاء لا تقليداً أعمى خصوصاً أولئك هم الذين يعلقون فشلهم على الذين سبقوهم وما اقترفوه وقد أشار الذكر الحكيم لذلك في قوله تعالي (لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ ).
التاريخ الإسلامي بمراحله المتنوعة وما تضمنه من فجائع وأهوال بحاجة إلى أن ندرسه دراسة مستفيضة ومن أجل أن نستشهد به في واقعنا المعاصر فبحاجة أن تتضح لنا صورته المغلوطة التي اُلتقطت له من خلال العدسة الموهومة وفي حال تم تنقيته ينفعنا بتخفيف الحالة الطائفية المستعرة.
وهذا ما يدفعني للإشارة إليه في موارد كثيرة حيث أنّ التاريخ وأحداثه كان سبباً رئيسياً في تكوين الفرق والمذاهب فضلاً عن التناحر والإقتتال المقيت، وسوف أتعرض لأحكام ومقررات قد صدرت من الهرم القيادي الأعلى في الحُقبة التي تزامنت مع مقتل الخليفة عثمان بن عفان إلى تولي الإمام علي بن أبي طالب الخلافة وما تلتها من وقائع وأحداث والتي تعتبر الفترة الزمانية القاسية بل أم المأساة والمحن في التاريخ الإسلامي عموماً والعربي خصوصاً والتي تشكلت على أثرها الفرق والمذاهب، فعندما تولى الإمام علي بن أبي طالب الخلافة بعد الفتنة التي أنتجت الفوضى مما تسببت في مقتل الخليفة عثمان بن عفان فأقدم الإمام علي على عزل الولاة الذين ولاهم عثمان كأبي موسى الأشعري وآلي الكوفة، وعبد الله بن عامر بن قريظ وآلي البصرة، وعبد الله بن سعد بن أبي سرح أخي عثمان من الرضاعة والي مصر، وخالد بن أبي العاص وآلي مكة، ومعاوية بن أبي سفيان الذي كان والياً على بلاد الشام، ويعلى بن أمية والي اليمن.
وقيل أنّ سبب في إصدار مثل هكذا قرار هو إعتقاد الإمام علي أن الأمر لا يستتب إلاّ بعزلهم حيث أنّهم السبب الرئيسي لما آلت إليه الأمور، لكن هذا القول لم يكن وافياً ولا كافياً بل لا يخل من مجانبتهِ للصواب خصوصاً أنّ الإمام قد ولى مَن هو ليس بأفضل منهم كزياد بن أبيه والذي كان يقال عنه: زياد بن أبي سفيان، ولماذا لا نقول أنه كان بهدف التغيير على طريقة التعبير الحديث بتداول الحكم والسلطة من أجل إمتصاص غضب الجمهور كما يقوم بذلك ساسة العالم المتحضر عندما تكون أحداث أو خطأ حكومي يلجأون إلى الإستقالة لأنهم جزء من المشكلة حتى وإن لم يكونوا سبباً مباشراً ولأنّ صورتهم تعد الحاكية للحكم فكذلك الولاة في ذلك العصر بحيث أنّ هيئتهم كانت عالقة بأذهان المجتمع، وقد اعتقد جمع كثير من المسلمين أنّهم هم السبب الرئيسي بمقتل الخليفة والذي قد قُتل بطريقة بشعة واُنتهكت بها المحارم مما لا مجال في تفصيلها بهذا المقام أو غيرها من المعطيات التي تُفهم لهكذا قرار حساس في فترة حرجة.
وقد صدر من أمير المؤمنين وكان قد أشار عليه كل من عبد الله بن عباس والمغيرة بن شعبة بالإبقاء على الولاة الذين عينهم الخليفة عثمان، إلى أن تستقر الأمور ويعود الأمن والاستقرار، لكنّ الإمام علي رفض هذه المشورة، ثم اقترح عليه ابن عباس أن يقر معاوية تحديداً على ولاية الشام وقد قال له: إنّي أخشى إن عزلتهُ عنها أن يطلبك بدم عثمان!! ولا آمن من طلحة والزبير أن يتكلما عليك بسبب ذلك.
ولا نعلم من أين جاءت هذه الخشية لإبن عباس والتي هي أقرب للنبوءة حيث أنها تحققت فيما بعد فإما أن يكون قد سمعها من معاوية بن سفيان وإما أن يكون هو قد ساهم في إيجاد هذه الفتنة وحاشاه من ذلك بلا أدنى شك وإما أنه إستشرف للمستقبل وفهم الأحداث من الواقع وليس بعيد على شخص مثله والأخير أقرب للصواب.
الإيرانيون بعدما نجحت ثورتهم في ( 1979 م ) وتأسست الجمهورية الإسلامية والتي قد إنتهجت مذهباً يحمل صفة الإقتداء بالإمام علي غير أنّهم في هذه الجزئية لم يقتدوا به حيث أبقوا على جميع مؤسسات الدول وموظفيها تقريباً، بما في ذلك السلك الأمني وهو تصرف مهني بالمفهوم السياسي وينم عن نضوج سياسي مبكر حيث أن التاريخ وأحداثه لا تطبق حرفياً بل ربما في تطبيقه من دون الإعتبار للحالة الراهنة والمعاصرة ينتج عكس المطلوب إن لم يجر للويلات والمحن، وقد ذكر ذلك جمع غفير من العراقيين الذين ذهبوا للعيش هناك بل أن أحد ساسة العراق الحديث قد تحدث كيف أنهم كانوا يعانون من عنصرية بعض موظفي الدولة تجاه اللاجئين، وعندما يشتكون إلى الجهات المعنية والتي تحمل لواء الثورة الجديدة يقولون هؤلاء من تركة النظام الشاهنشاهي ولا نستطيع فصلهم وإيقافهم في الوقت الراهن، لكن العجيب في الأمر أنّهم لم يلتفتوا للتبريرات التي كانوا يقولون بها حول عزل الولاة في ساحة الخلافة الإسلامية آنذاك وأنّ القرار العلوي كان دليلا على عدم أخذ الحق بالباطل، ولا تهاون مع الذين شوهوا صورة الإسلام وهلم جرا والتي تتناقض مع واقعهم المعاصر! فإما أن يكون القرار العلوي آنذاك صحيحا وهم على خطأ وإما العكس والجواب عند القارئ الكريم ؟ هذا ولم يرد أنهم قد تمنوا لو أبقى أمير المؤمنين علي في الشام معاوية كما ذهب إليه بعض العلماء لكن للسياسة ضرورة وأحكاما.
العراقيون بعد ( 2003 م ) لم يبقوا وادياً ولا جبلاً في الحكومة السابقة إلاّ وإجتثوه من قراره ظناً منهم أنه سيؤدي ذلك لإجتثاث النظام من جذوره وكأنّ شخص الحاكم متجل بجميع مرافق الدولة بشكل نسخ الأرواح، وعليه فيجب تحطيمها بالكامل، وهذا ما قد حصل مما تسبب هذا الإقصاء الخاطئ بتأخير نهوض البلد لعقودٍ وقرون طبعاً وليس هذا حكراً على العراق بل هي ظاهرة واضحة في مجتمعاتنا الإسلامية لا سيما العربية منها بسبب إفتقار كثير من مواطنيها فكرياً وعدم الشعور بالإنتماء الحقيقي للوطن وقد لوحظت هذه الظاهرة النشاز في جميع البلاد التي شهدت ثورات وإضطرابات وكأنّ المستشفى والمدرسة وجميع مرافق الدولة ليست لنا ولا لأجيالنا!!
فقل لي برب البلاد ومَن عليها هل يعقل كبلد مثل العراق بتاريخه وحضارته ولأكثر من أربع عشرة سنة مع ميزانية هائلة لم يستطع ساسته الجدد ( سياسيو الصدفة ) توفير الكهرباء فضلاً عن الملف الأمني القاتل ولا إستقرار يُذكر في البلاد، أفهل يعقل بغداد التي كان يتغنى من على ضفاف دجلتها العشاق والشعراء مثكولة وحزينة باكية ؟
وهل يعقل أن تتحول أرضها إلى تصفية حسابات بين المحاور المتقاتلة أصحاب الحروب الباردة والحارة!! وقد جالت قريحتي برثائها وأنا عن بعد وكأني في رحاب كرخها ورصافتها وقد حملت لي الأشجان لحناً حزيناً من شارع متنبيها والرشيد مروراً بكاظميتها الغراء وأعظميتها الفيحاء …
بغداد كانت للحضارةِ منبعاً
فتكونت في أرضها الأحقابُ
بغداد كــانت للثقافةِ مقصداً
فيها تَحط رِحالُها الكتــــــابُ
بغداد يا بـــغداد يا أحــلامنا
ضاعت فهل بعد المغيب إيابُ
مَن ذا يُـصدق أنّ ماءكِ علقمٌ
وضِفافُ دجــلة فوقكِ ينسابُ
مَن ذا يُصدق أنّ ليلكِ مُرعبٌ
ونهاركِ الإجرام والإرهــــــابُ
تتآمر الأحــزاب ضد أذنابها
فلتسقط الأذنــاب والأحزابُ
كاتب عراقي
إحسان بن ثامر