مفاوضات على وقع طبول الحرب… هل تنجح تركيا بتحييد إدلب دون معارك طاحنة تسحق المدنيين؟

حجم الخط
1

إسطنبول – «القدس العربي»: رغم انطلاق المراحل الأولى مما بات يعرف بـ»عملية إدلب» ووقوع أول اشتباك فعلي بين القوات التركية ومسلحي هيئة تحرير الشام على الحدود التركية السورية، تعمل تركيا حتى اللحظات الأخيرة من أجل محاولة تحييد المحافظة عبر نشر قواتها في «مناطق عدم الاشتباك» دون الدخول في معارك حقيقية مع المسلحين في المحافظة.
هذه المساعي الذي تواصلت عبر مباحثات مباشرة بين ممثلين عن الجيش التركي وقادة من الفصائل المعارضة في إدلب وعلى رأسها هيئة تحرير الشام تسعى من خلالها تركيا إلى تجنب الدخول في اشتباكات سوف تتطلب غطاءً جوياً روسياً ستكون فاتورته مقتل أعداد كبيرة من المدنيين.
هذه الفاتورة ستكون باهظة جداً على تركيا التي تعمل بقوة من أجل تجنب اتهامها بالمشاركة في عملية عسكرية تودي بحياة عشرات وربما مئات المدنيين الأمر الذي يمكن أن يتسبب في التأثير على مصداقية أنقرة ومكانتها لدى الشعوب العربية وملايين اللاجئين السوريين القاطنين في تركيا.
وفي هذا الإطار، تحدثت مصادر متعددة في المعارضة السورية عن استمرار مفاوضات بين ممثلين عن الجيش التركي والمسلحين في إدلب، وبث نشطاء سوريين مقاطع فيديو تُظهر موكباً عسكرياً كبيراً قالوا إنه لضباط من الجيش التركي دخلوا إدلب بحماية من هيئة تحرير الشام لإجراء مفاوضات، دون التمكن من التحقق من مصداقية المقاطع المنشورة.
وتسعى تركيا لإقناع المسلحين في إدلب الانسحاب من بعض المناطق والاتفاق على نقاط تمركز للجيش التركي على طول حدود المحافظة لتكون بمثابة مناطق عازلة تمنع وقوع اشتباكات مستقبلية بين المعارضة والنظام والمليشيات الإيرانية في أطرافها، وتقديم هذا الطرح لروسيا للاكتفاء به ولو مرحلياً ليكون تطبيقاً لاتفاقية مناطق عدم الاشتباك.
ورغم أن الجيش التركي أنهى جميع استعداداته للدخول في عملية عسكرية واسعة، إلا أن جزءاً كبيراً من هذه الحشودات الضخمة التي تمثلت في مئات الدبابات والمدافع والعربات العسكرية وآلاف الجنود وعناصر الوحدات الخاصة هدفت إلى الضغط على الهيئة للقبول بالطرح التركي والسماح بإقامة مناطق عدم الاشتباك دون معارك طاحنة سوف تكون مكلفة جداً على الجانبين.
وتشير المعطيات إلى وجود موافقة مبدئية من هيئة تحرير الشام لتسليم الجيش التركي المناطق الفاصلة بين إدلب وعفرين التي تسيطر عليها الوحدات الكردية، حيث ترى أنقرة في هذه الخطوة مرحلة مهمة من أجل عزل الوحدات الكردية في عفرين وإعاقة وصل مناطق سيطرتها بالمناطق الأخرى، ضمن مساعيها الجامحة في منع وحدات حماية الشعب من وصل مناطق سيطرتها وإعاقة جهود الوحدات في إقامة ممر كردي على طول الحدود التركية شمالي سوريا.
وترى تركيا في انتشار قواتها في المناطق الفاصلة بين إدلب وعفرين خطوة مهمة في سبيل إعاقة جهود الوحدات الكردية وصل مناطق سيطرتها في عفرين بباقي المناطق عقب التقدم في بعض المناطق بإدلب، وتقول صحيفة تركية: «انتشار الجيش في إدلب سيكون بمثابة حاجز أمني ضد مخطط المنظمة السيطرة على المدينة».
وإلى جانب خشية أنقرة من سقوط قتلى وجرحى مدنيين في المعارك، لن يكون الرئيس التركي رجب طيب أردوغان متحمساً للدخول في معارك فعلية مع المسلحين في إدلب ستؤدي بلا شك إلى سقوط قتلى وجرحى من الجيش التركي وتعيد مشاهد الجنازات اليومية للجنود الأتراك في الإعلام التركي كما حصل إبان عملية درع الفرات والتي فقد فيها الجيش التركي قرابة 70 جندياً.
وقدرة أنقرة على تجنب معارك واسعة يخفض كلفة العملية على الاقتصاد التركي أيضاً، ويتنافى الدخول في معارك واسعة في إدلب مع أبرز أهداف تركيا من ما يجري هناك حيث تسعى أنقرة لتجنب كارثة إنسانية بالمحافظة قد تدفع الملايين للنزوح نحو أراضيها وتجدد مأساة اللاجئين، حيث يقطن بالمحافظة 2.4 مليونًا من السكان المحليين، إلى جانب 1.3 مليون نازح.
وبحسب وكالة الأناضول التركية الرسمية فإن «الانتشار التركي سيكون من أجل الوصول إلى أهداف تخفيف حدة التصعيد أكثر من الانخراط في اشتباكات مع الميليشيات المحلية أو الجيش السوري»، مشيرة إلى أن الجيش التركي سيشكل عدة نقاط تفتيش ومراقبة في المدينة.
وقالت الوكالة: «تحركات عناصر الجيش التركي لن تكون على شاكلة «عملية عسكرية» بل «انتشار»، كما أن خوض اشتباكات مع النظام السوري أو عناصر محلية خلال الانتشار أو في أعقابه أمر غير مستهدف»، لكنها أشارت إلى أن «الجيش التركي أجرى استعدادته آخذا بالاعتبار جميع المخاطر الأمنية المحتملة».
وسيكون هذا الاتفاق –إن حصل- داعماً للرواية الرسمية التركية التي تسعى لتجند إظهار تدخلها في إدلب على أنه خدمة لروسيا ونظام الأسد، وإنما محاولة لتجنيب المحافظة ويلات عملية عسكرية واسعة سوف تقود المحافظة لمصير حلب السابق.
فرئيس الوزراء التركي بن علي يلدريم قال، الأحد، إن بلاده سوف تعمل بشكل مشترك مع روسيا من أجل فرض الأمن في إدلب، وسبقه أردوغان الذي أعلن انطلاق عملية عسكرية في إدلب أن بلاده «تتخذ إجراءات جديدة لضمان أمن إدلب»، لافتاً إلى أن بلاده «ستعمل على أن لا يعيش المهجرين من حلب إلى إدلب نفس المصير مجدداً».
في السياق ذاته، قال وزير الخارجية مولود جاويش أوغلو الأحد، إن «هدف بلاده من نشر قوات في محافظة إدلب، شمال غربي سوريا، يتمثل في وقف الاشتباكات تماما والتمهيد للمرحلة السياسية في البلاد»، مضيفاً: «العملية سوف تهدف إلى «منع حدوث انتهاكات، والتحقق من مرتكبيها».
وعن إمكانية وتوقيت دخول الجيش التركي إدلب، أكد أنّ «الاستخبارات والوحدات العسكرية التركية تقيم الأوضاع على الأرض، وبناء على ذلك سيتم اتخاذ الخطوات المقبلة».
ومساء السبت، وصل رئيس أركان الجيش التركي خلوصي آكار وقائد القوات البرية الجنرال يسار غولير وقائد القوات الجوية الجنرال حسن كوجوك آق يوز إلى محافظة هاتاي في جنوب البلاد المتاخمة لإدلب لتفقد الاستعدادات، وفقا لما ذكره بيان عسكري.
وبينما لم يسجل رسمياً دخول قوات تركية باتجاه إدلب –حتى كتابة التقرير- وقع اشتباك محدود، صباح الأحد، بين الجيش التركي المنتشر على الحدود وبين مسلحين من هيئة تحرير الشام، وأطلقت المدفعية التركية عشرات القذائف المدفعية في منطقة الاشتباك.
لكن قوات من الجيش السوري الحر أو ما تعرف بـ»قوات درع الفرات» انتقلت منذ مساء السبت إلى داخل تركيا وجرى إدخالها مجدداً من منطقة الريحانية إلى داخل الحدود السورية مقابل إدلب، حيث يتوقع أن يتصدر مسلحي المعارضة المعارك البرية بينما سيوفر الجيش التركي الغطاء الناري والمدفعي، والطيران الروسي الغطاء الجوي في حال احتدام المعارك.
وفي حال فشلت الجهود التركية بالتوصل لاتفاق يسمح بنشر قوات الجيش التركي بدون قتال، فإن الأوساط التركية والسورية على حد سواء تتوقع مقاومة شديدة من مقاتلي هيئة تحرير الشام وحينها سيضطر الجيش التركي لقيادة المعارك البرية وحرب الشوارع بنفسه على غرار ما حصل إبان عملية درع الفرات بعد أن فشل بضع مئات من مقاتلي المعارضة من مواجهة مسلحي تنظيم الدولة آنذاك.
وتُجمع تقديرات مختلفة على أن هيئة تحرير الشام تمتلك آلاف المقاتلين المدربين في المحافظة الكبيرة ويحظى هناك بدعم شعبي، وهو ما يجعل أي مواجهة عسكرية بغطاء جوي روسي مكلفة جداً على المدنيين الذين لجأ مئات الآلاف منهم من مناطق أخرى في سوريا إل المحافظة بحثاً عن الأمان.
وبينما تتحدث تركيا عن إقامة مناطق عدم الاشتباك ووقف العمليات العسكرية في المحافظة، تتحدث التصريحات الروسية والأمريكية عن عملية عسكرية للقضاء على جبهة النصرة، كما أن متحدثين باسم فصائل «درع الفرات» تحدثوا أيضاً عن نفس الهدف المتمثل في القضاء على النصرة.
وأعلنت وزارة الدفاع الأمريكية دعمها للتحركات التركية وقال المتحدث باسم البنتاغون إريك باهون: «ندعم جهود تركيا حليفتنا بحلف شمال الأطلسي (ناتو)، في مكافحة الإرهاب، ومساعيها الرامية لحماية حدودها ومنع إنشاء مناطق آمنة للتنظيمات الإرهابية»، فيما بحث وزير الخارجية الأمريكي ريكس تيليرسون العملية مع نظيره التركي مولود جاويش أوغلو.

مفاوضات على وقع طبول الحرب… هل تنجح تركيا بتحييد إدلب دون معارك طاحنة تسحق المدنيين؟
الجيش التركي يسعى لعزل الوحدات الكردية في عفرين
إسماعيل جمال

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية