سمات التجريد في أعمال السعودي يوسف جاها

حجم الخط
0

الرباط- «القدس العربي» من محمد البندوري: يعبّر الفنان السعودي يوسف جاها بمفردات تشكيلية تستقي مادتها من الطبيعة الخصبة، بتدرجات لونية باردة وبنماذج فراغية، ينسجها وفق بنائه الفضائي، بإضافة عناصر جديدة مما تحمله تقنياته من تغيرات، تجعل من الكتل اللونية بناء فنيا منظما في تواشج ذي إيحاءات وإشارات، عن طريق التعبير بمفردات الطبيعة التي تعتبر جوهر أعماله التجريدية، فاستخداماته العلاماتية وتثبيته لتلك العناصر بانسجام،
يعكسه المزج بين ملامح الألوان المتباينة، تبعا لنسق الحياة الهادئة والمتحركة، إلا أن تجسيد الأشكال المختلفة بموتيفات شكلية، وبكتل لونية قوامها الأبيض؛ يمنح أعماله موسيقى هادئة، وسمفونية ذات ترانيم جمالية، يعيد صياغتها فنيا فيمزج بين السكينة والحركة اللونية، وبين العلاماتيات والأشكال والكتل التي تحرك الفضاء، بتقنيات تركّب بين المنحى الجمالي والتعبير بأسلوب معاصر. فيتجلى حسه الفني في الكثافة اللونية، والخطوط والحركة والخيال، وفي التقاطعات، والوصل بين مختلف المفردات، التي تشكل العمل التشكيلي لديه. فيتحقق في أعماله التجاور والتنوع، ويسعى في كل لون إلى تحقيق تواشج مع لون آخر أو علامات أو رمز مع آخر عبر وحدة الشكل والبناء والرؤية والأسلوب، فيفضي ذلك إلى حوارات لامتناهية، وهو أمر يميز الخطاب التشكيلي لديه، يرسي من خلاله التخصص في أسلوب تجريدي تعبيري مبني على قاعدة من الألوان المتباينة، والخطوط التعبيرية المغلقة، يقارب بها بين المبنى والمعنى وبين التقاسيم النغمواتية. فاتخاذ التنغيم والتباين والتكامل والانسجام في التنفيذ، يضع أعماله في صيغ جمالية ناطقة بأبعاد قيمية متنوعة، ليحرك سكون الفضاء بكل محتوياته التشكيلية، وهو أمر طبيعي في العمليات التجريدية. ويتضح أن القاعدة التشكيلية لديه هي فن لوني يعتمد الكثافة والرمز والعلامات المختلفة. لكن في المنظور النقدي، فإنها تشكل خلطا حين تتداخل الأشياء المنفصلة، سواء عبر اللون أو العلامات أو الرموز أو الخطوط. ومحاولة تحقيق الانسجام في ما بينها يفضي إلى تلميح غامض، وبذلك تظل المقاربة الفنية مستندة إلى البهرجة اللونية، التي تفضي إلى مفارقة على مستوى الشكل والمحتوى، لأن كل سياقات المادة التشكيلية المشكلة للفضاء يجب أن تتسم بوجود وشائج قائمة بين التشكيل والموضوع، ثم إن تلك الكثافة والطبقات اللونية تخفي في عمقها مضامين تحجبها الاحتفاءات اللونية المتداخلة مما يحد من الموازنة ويحد كذلك من الانفتاح اللوني كي يتبدى قويا، الشيء الذي يؤثر على إنتاج الدلالات بقوة، كما أن منطق الاستدراجات اللونية ومحدوديتها، التي تعضدها الخطابات المخفية وراء حجب الكثافة المحدودة توحي ببعض الإشارات التي تظل رهينة التأويلات المطلقة والقراءات المختلفة التي تحتاج إلى الدقة والمنطق.
في المقابل يسخر يوسف جاها مختلف الوظائف البنائية لبعث إشارات وإيحاءات تفيد الحوار والتفاعل في المسلك الدلالي لأعماله بشكل مغاير، خاصة أنه يعتمد الاشتغال في المنحى التعبيري التجريدي على مساحات متوسطة وكبيرة، وبكتل وركامات لونية كثيفة وسالبة، مع العناية الفائقة بقيم السطح، وانتقاء الألوان وتوزيعها وفق الأشكال التعبيرية التي يرغبها، مثله في ذلك مثل كل التعبيريين التجريديين. وجلي في الفن التعبيرى التجريدى الانطباعي هذا النوع من السيولة على مستوى اللون والشكل، بل إن أعماله لا تنتهي عند حد معين، بل تتعدى حدود الخيال بالمعايير الفنية التي تخضع لتصورات المبدع، وبذلك فإن أعمال يوسف جاها الإبداعية تتبدى فيها بعض الابتكارات التي تقارب جوهر العمل بالسياق العام للتجريد، وفق نسيج فني ينبني على قاعدة من الألوان التي تشكل مختلف الأشكال التي تقوم عليها أعماله، فتظهر فيها الإيحاءات والعلامات الرمزية الدالة على أشياء معينة، بل على سيميولوجية ثقافية تستمد كينونتها من محيط المبدع.

سمات التجريد في أعمال السعودي يوسف جاها

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية