إسطنبول ـ «القدس العربي»: بشكل مفاجئ وحاد تصاعدت الأزمة التي بدأت قبل أيام بين أنقرة وواشنطن على خلفية اعتقال السلطات التركية موظفاً يعمل في القنصلية الأمريكية في إسطنبول بتهم عديدة تتعلق بالانتماء لجماعة فتح الله غولن و»التجسس»، فيما وصفت وسائل إعلام تركية المعتقل الذي يحمل الجنسية التركية بأنه «كنز معلوماتي».
وتأتي هذه الأزمة في ظل تشابك الخلافات بين أنقرة وواشنطن حول العديد من القضايا أبرزها دعم أمريكا للمسلحين الأكراد في سوريا ورفض البنتاغون لأي تدخل عسكري تركي ضد الوحدات الكردية في عفرين والخلافات حول الملف السوري بشكل عام، بالإضافة إلى غضب واشنطن من شراء تركيا منظومة إس 400 من روسيا، والخلاف المتواصل حول رفض تسليم أنقرة فتح الله غولن المتهم بقيادة محاولة الانقلاب في تركيا.
تصعيد مفاجئ
الأزمة بدأت قبل أيام عندما أصدرت محكمة تركية قراراً بحبس «متين طوبوز» أحد الموظفين الأتراك العاملين في القنصلية الأمريكية العامة في إسطنبول، بتهم تتعلق بـ«التجسس» والانتماء لتنظيم فتح الله غولن وصلات مرتبطة بمحاولة الانقلاب الفاشلة التي جرت في الخامس عشر من تموز/ يوليو الماضي، الأمر الذي أثار غضب واشنطن وفتح الباب أمام مزيد التصعيد في العلاقات المتراجعة أصلاً بين البلدين.
وعقب ذلك، أعلنت الولايات المتحدة أنها «قلقة جداً» من اعتقال السلطات التركية للموظف، واعتبرت أن «التهم الموجهة إليه لا أساس لها من الصحة»، وقال بيان للسفارة الأمريكية في أنقرة إن «حكومة الولايات المتحدة قلقة جدا إزاء اعتقال احد الموظفين المحليين.. الاتهامات لا أساس لها من مجهول ضد موظفينا تقوض العلاقة المستمرة منذ وقت طويل بين البلدين».
لكن وفي ساعة متأخرة من مساء الأحد، ودون مقدمات، أعلنت سفارة الولايات المتحدة في أنقرة، تعليق جميع خدمات التأشيرات في مقرها وجميع القنصليات الأمريكية في تركيا، باستثناء المهاجرين، رداً على اعتقال الموظف في خطوة غير مسبوقة في سجل العلاقات بين البلدين الحليفين في حلف شمال الأطلسي «الناتو».
وخلال ساعات قليلة، ورداً على هذا القرار، أعلنت السفارة التركية في واشنطن تعليق منح التأشيرات للمواطنين الأمريكيين في مقرها وجميع القنصليات التركية في الولايات المتحدة. وأمس الاثنين، استدعت الخارجية التركية المسؤال الثاني في السفارة الأمريكية في أنقرة فيليب كوسنيت إلى مقر الوزارة وحثته على العدول عن قرار وقف منح التأشيرات.
وفي تصعيد آخر، تحدثت وسائل إعلام تركية عن إصدار المدعي العام في مدينة إسطنبول قرار اعتقال موظف آخر يعمل في القنصلية الأمريكية بإسطنبول، مشيرة إلى أن الموظف ما زال يتحصن في مقر القنصلية ويرفض الخروج خشية اعتقاله.
وعقب ذلك، قالت مصادر تركية إن وزير العدل عبد الله غول رفض طلباً للسفير الأمريكي بأنقرة من أجل عقد لقاء بين الجانبين لبحث الأزمة.
كنز معلومات
وسائل الإعلام التركية التي عبرت عن تفاجئها وصدمتها من القرار الأمريكي نشرت عشرات التحليلات عن أسباب هذا القرار الذي وصفته بأنه «غير المتكافئ»، أجمعت خلالها على أن واشنطن تخشى من اعترافات المعتقل الذي يبدو أنه يمتلك الكثير من المعلومات الحساسة.
وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو تحدث عن وجود «أدلة خطيرة ضد موظف القنصلية»، وشدد على أنه «في حال ثبوت ارتكاب (المتهم) لأية جريمة، من بين التهم التي يدور حولها التحقيق، فإن العمل هنا أو هناك (في إشارة إلى القنصلية) لا يعطي الحصانة لأحد».
وقال: «هناك اتهامات وأدلة خطيرة، لقد تم إبلاغي بذلك، كونه (المتهم) يتولى وظيفة دبلوماسية، وسألت بدوري مسؤولي القضاء في إسطنبول، فأجابوا بأن هناك اتهامات وأدلة خطيرة».
رسمياً، وحسب ما نقلت وكالة الأناضول عن مصادر قضائية فإن محكمة الصلح والجزاء المناوبة في إسطنبول قضت بحبس «طوبوز» على ذمة التحقيق معه، بتهم بينها «التجسس» و«محاولة الإطاحة بالنظام الدستوري»، و«السعي للإطاحة بالحكومة التركية».
لكن وسائل إعلام تركية تحدثت بتفاصيل أوسع من بينها أن المتهم تم التأكد من ارتباطه بالمدعي العام السابق الفار «زكريا أوز»؛ ومدراء شرطة سابقين، يشتبه بانتمائهم لمنظمة «فتح الله غولن»، وبتورطهم بشكل مباشر في محاولة الانقلاب الفاشلة.
وقالت هذه الوسائل ومن بينها صحيفة «صباح» المقربة من الحكومة إنه ثبت وجود مئات الاتصالات بين الموظف، ومدراء أمن سابقين خططوا ونفذوا عمليتي 17 و25 كانون أول/ديسمبر 2013 ضمن ما سمي بمحاولة الانقلاب القضائية ضد أردوغان، وبأشخاص شاركوا في المحاولة الانقلابية. كما أن له اتصالات مماثلة بـ121 شخصا تجري بحقهم تحقيقات على خلفية انتمائهم لمنظمة «غولن»، واتصالات أخرى بعدد من المتهمين باستخدام تطبيق «باي لوك» الذي تقول الحكومة إنه يلجأ إليه أعضاء المنظمة للتواصل السرّي فيما بينهم.
كما وثقت السلطات التركية بأن المعتقل الذي يعمل في السفارة منذ عام 1982 سافر خارج تركيا 120 مرة بين عامي 1994 و2017، وأنه كان يستخدم رقم هاتف محمول مسجل باسم شخص آخر، وحسب لائحة الاتهام فإن المعتقل «كان يقوم بدور الوسيط بين الانقلابيين، وبين دول واستخبارات أجنبية تعتبر الفاعل الحقيقي لهذا الأمر»، حسب لائحة الاتهام. وقال المتحدث باسم الرئاسة التركية إبراهيم قالين إن «مقاطع من اتصالات هاتفية توحي بوجود عملية تواطؤ بين الموظف الذي تم توقيفه وانقلابيين مفترضين بينهم عادل أوكسوز الذي يعتبر أحد منفذي محاولة الانقلاب في تموز/يوليو 2016».
وعقب تقارير نشرتها الصحافة التركية عن دور محتمل للسفارة الأمريكية في محاولة الانقلاب، اضطرت السفارة في آذار/مارس الماضي إلى إصدار توضيح حول اتصال هاتفي جرى بين القنصلية بإسطنبول وعادل أوكسوز الذي تصنفه تركيا بأنه الرجل الثاني في قيادة محاولة الانقلاب، وادعت السفارة آنذاك أن الاتصال كان بهدف إبلاغ الأخير أن التأشيرة الأمريكية التي يحملها تم إلغاؤها.
وألقت الأزمة الجديدة بضلال كبيرة على الاقتصاد التركي، وخلال ساعات انخفضت أسهم شركات الطيران التركية بشكل غير مسبوق، حيث فقدت أسهم الخطوط الجوية التركية 11٪ من قيمتها، فيما فقدت أسهم شركة بيجاسوس الجوية 9.5٪ من قيمتها.
ولنفس الأسباب ومع ساعات الصباح الأولى فقدت البورصة التركية 4.3٪ من قيمتها، وفقد بنك خلق الحكومي 6.3 من قيمة أسهمه في السوق، بينما انخفضت قيمة الليرة التركية مقابل الدولار الأمريكي بشكل كبير لتصل إلى 3.7 ليرة لكل دولار.
وحاولت الخطوط التركية والبنك المركزي التركي في بيانات منفصلة طمأنة المستثمرين والتأكيد على أن هذه الأزمة عابرة وستزول تبعاتها على المدى القصير.