رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو محق في تشخيصه: إيران هي التهديد الأكبر لإسرائيل. اليوم يبدو هذا التهديد بعيدا، ولكن يكفي بعده قذائف إسرائيلية ضالة، تصيب هدفا إيرانيا في سوريا، أو بعملية إرهابية كبيرة لحزب الله، لكي تزعزع الهدوء، وتخلق ديناميكية من شأنها التسبب بوقوع حرب. وحرب تكون المهمة المركزية فيها محفوظة لترسانة الصواريخ لحزب الله، ستكون مختلفة عن كل حروب الماضي. لقد حذر رئيس الاستخبارات العسكرية، الجنرال هرتسي هليفي، في مقابلة قبل أقل من سنتين من «مئات الأطنان من المواد المتفجرة التي ستصل إلى وسط البلاد.
أجل، حاولوا تصور مركز تل أبيب، متنزه تسميرت (أبراج يو) بعد ضربه من قبل بضع عشرات الأطنان من المواد المتفجرة، التي ستدمر معظم الأبراج الفاخرة أو ما سيحدث بعد أن تسقط بضع عشرات من الصواريخ الدقيقة التي تحمل رؤوسا قتالية وزنها نصف طن، على محطة الطاقة في الخضيرة، سيتم إيقافها، ويسلبوا من إسرائيل جزءا كبيرا من قدرتها على انتاج الكهرباء. وهذه فقط بعض الأمثلة. أيضا إذا قام جيش الدفاع الإسرائيلي بإنزال ضربة قوية على حزب الله في عملية عسكرية برية بارعة، فإن الجبهة الداخلية، التي كان على الجيش توفير الحماية لها، ستدفع ثمنا باهظا. إن دولة إسرائيل ستكون مختلفة جدا بعد حرب كهذه.
ولكن، حقيقة أن رئيس الحكومة يشخص بصورة صحيحة مصدر التهديد، ليس بالضرورة أن تقوده إلى مواجهته بالصورة الأفضل. لمصلحته ومصلحة جهاز الأمن يمكن أن تعزو في هذه المرحلة الجهود العملية الحذرة التي تم القيام بها من أجل تقليص التهديد الموجه من حزب الله من دون أن يحطم القواعد والأحكام. إن الاستثمار في أنظمة دفاعية ضد صواريخ الاستخبارات يعرف كل هذا، ومع ذلك فهو يتحدث عن مئات الأطنان من المواد المتفجرة، التي ستضرب الجبهة الداخلية. ولهذا يجب أن نسأل فيما إذا كان من الواجب استثمار موارد أكثر أيضا في الجهود من أجل تقليص احتمال الحرب. بكلمات أخرى، هل بالإمكان الحديث مع إيران وعلى أية قاعدة؟
ظاهرا، الجواب سلبي. منذ ما يقارب الأربعين عاما وإيران تمثل أكبر أعدائنا، التي ترى في إسرائيل، الشيطان الأصغر (الشيطان الأكبر هو الولايات المتحدة). نحن معتادون على تهديدات الإبادة من قبل زعماء إيران، كما تعودنا حتى 1967 على تهديدات زعيم مصر جمال عبدالناصر، تصفية دولة إسرائيل. تسليح حزب الله وتدريبه، أعمال إرهابية ضد أهداف إسرائيلية خارج البلاد، سياسة العربدة الإيرانية، والإمكانيات النووية لها، هي تعبيرات مختلفة بان الأمر لا يتعلق بتهديدات جوفاء. ومع ذلك فإن العداوة الإيرانية لإسرائيل ليست نهائية، وهنا يكمن ربما المفتاح للتغيير والأمل.
منذ أن طرحت في 2002، مبادرة السلام للجامعة العربية، (التي بدأت كمبادرة سعودية)، فإن إيران لم تعارضها. والأكثر من ذلك، فغن مبادرة السلام هذه تم تبنيها من قبل منظمة المؤتمر الإسلامي في المؤتمر الذي عقد في 2003 في طهران بالتحديد.
علينا أن نذكر أنه في صلب المبادرة نجد اعتراف كل الدول العربية والدول الإسلامية بإسرائيل، وتطبيع العلاقات معها مقابل إقامة دولة فلسطينية على قاعدة حدود 1967 وحل متفق عليه (مع إسرائيل أيضا) لمشكلة اللاجئين. المقاربة الإيرانية في 2008 بدعم من الرئيس حينئذ، محمود أحمدي نجاد، الذي قال إنه سيحترم ما سيكون مقبولا على الشعب الفلسطيني.
مبادرة السلام العربية، لم تحظَ حتى اليوم بالنقاش العام الذي تستحقه. بمصطلحات تاريخية، الأمر الذي يتعلق بأهم التطورات في تاريخ الصراع منذ حرب الأيام الستة، التي أعطت إسرائيل الأراضي التي يمكن بإعادتها اليوم إنهاء النزاع. معظم قادة الأجهزة الأمنية المتقاعدين، والأعضاء في حركة «قادة من أجل أمن إسرائيل» و «مجلس السلام والأمن» يرون فيها أساسا مناسبا للبدء بمفاوضات، وسياسيون كثيرون منهم رجال يمين سابقين، يعتقدون أنه يجب الاستجابة للعرض. حتى الآن، تم تأكيد أن الاستجابة للمبادرة ستحرك بالاتجاه الإيجابي علاقات إسرائيل مع الدول السنّية، وتقلص احتمال مواجهة جديدة مع الفلسطينيين. ولكن وبالتحديد حيث أن قوة إيران تزداد، يجدر التفكير بالاستجابة للمبادرة أيضا كأسلوب ناجع لمواجهة التهديد الذي يخلقه ويمثله حزب الله.
ليس في هذا ما يستوجب الادعاء بأن عملية كهذه ستحول النظام في طهران إلى محب لصهيون، ولكنه يزيح بدرجة كبيرة الرياح عن الشراع الأيديولوجي الذي تدير إيران برعايته وتحت ظله حملة شديدة ضد إسرائيل، وسيخفض مستوى العداء بين الدول، ويقلص احتمالات الحرب مع كل مخاطرها. إن استجابة كهذه، يمكنها أيضا خلق قاعدة للحوار، بداية عبر قنوات سرية وبعد ذلك ربما بصورة علنية، بين الدولتين. وإذا خرجت إيران ضد مبادرة السلام، ستزيد عزلتها في العالم العربي والإسلامي.
إذا أراد نتنياهو أن يذكرونه «كحامي أمن إسرائيل»، يجدر به أن يستثمر أيضا في تقليص احتمالات نشوب حرب وليس فقط في تقليص الثمن المرتبط بها. وإلا فإنه سيتم تذكره بصورة مختلفة تماما.
هآرتس 10/10/2017