يحب دونالد ترامب الابقاء على نوع من الغموض. يحب أن يبدو كمن يخفي ورقة في كمه. فلعله اعتاد التصرف هكذا حين كان رجل أعمال، ولعله يعتقد أنه لا يزال هناك من يصدق هذا العرض. ولكن من الصعب التصديق: ففي مقابلة قبل بضعة أيام، حين رفض أن يقول ما الذي سيفعله في الأسبوع المقبل بالنسبة لإعادة المصادقة على الاتفاق النووي مع إيران، كان يمكن الافتراض بأنه يبقي عامل المفاجأة ـ أو لنفترض أنه ببساطة لا يزال لا يعرف ماذا سيفعل. ترامب لم يقرر بعد، والمستشارون من حوله لا يزالون يتنازعون بينهم على مسألة ما هو الأمر السليم عمله. التقارير الغامضة، بل والمتضاربة أحيانا، عن نواياه، ليست نتيجة خطوة تمويه ذكية، بل هي النتيجة الطبيعية لإدارة مشوشة. من يسرب هو الذي يقرر النبرة. من يلتقي مع الرئيس في ذاك اليوم يقرر الاتجاه.
عن وضع الاتفاق مع إيران ـ الذي وقعت عليه الولايات المتحدة في عهد الرئيس براك أوباما ـ يحتاج الرئيس إلى إبلاغ الكونغرس مرة كل تسعين يوما. هذا ليس جزءا من الاتفاق، هذا ما يطلبه الكونغرس من الرئيس. وعليه، ففي الأسبوع المقبل سيكون ترامب مطالبا مرة أخرى برفع التقرير. هل إيران تلتزم بشروط الاتفاق؟ كل باقي الدول الموقعة على الاتفاق تعتقد؛ نعم، إيران تلتزم. وحتى الهيئات الدولية التي تعنى بالرقابة والإشراف على المواضيع النووية تعتقد ذلك. فإذا كان ترامب يفكر بشكل مختلف، فهو الوحيد الذي يفكر هكذا من بين ذوي الصلة المباشرة بالاتفاق. وفي واقع الحال، يمكن الافتراض بأنه هو أيضا لا يعتقد ذلك. وإذا كان ثمة مشكلة، فهي لا تتمثل في مسألة هل تلتزم إيران بالاتفاق (ويبدو أن نعم)، بل بحقيقة أن الاتفاق عليل من أساسه؛ في واقع الحال المشكلة هي هذه بالضبط: أن إيران تلتزم بالاتفاق ولهذا فإنها تتقدم نحو تحقيق اهدافها بعيدة المدى بلا معيق.
بين المعقول وغير المعقول
يشعر ترامب بخيبة أمل من هذا الاتفاق. فقد اقتنع بأنه ليس اتفاقا جيدا. ولكن خيبة أمله ليست خطة عمل. وليس مؤكدا أن للرئيس، مشغول البال بمشاكل كثيرة تتنافس على جدول أعماله، خطة عمل. فما هي الإمكانيات التي لديه؟ في الأسبوع المقبل سيكون بوسعه أن يقوم بواحد من أمور ثلاثة. الأول ـ أن يعلن، للمرة الثالثة في ولايته، ومثلما فعل الرئيس أوباما قبله منذ أن وقع على الاتفاق، بأن إيران تلتزم بشروط الاتفاق، وأن لا تغيير في السياسة. في مثل هذه الحال، فإن شيئا لن يحصل. لقد سبق لترامب أن ألمح في المرة السابقة أيضا بأنه متردد، ومع ذلك فقد صادق. وهو يلمح في هذه المرة أيضا، ولكن لعله مرة أخرى سيقرر المصادقة. العد التراكمي ـ من واحد وحتى تسعين ـ يبدأ من جديد حتى التردد التالي.
إمكانية أخرى لدى الرئيس هي أن يعلن الانسحاب من الاتفاق. هذه إمكانية غير معقولة، هناك شك كبير في أن تتحقق الأسبوع المقبل. ولكن إذا ما تحققت مع ذلك، فستنتقل الكرة إلى الكونغرس الذي كان، لمن نسي، شكاكا جدا بالنسبة للاتفاق. ولم ينجح الرئيس أوباما في تجنيد أغلبية من المؤيدين للاتفاق في مجلس الشيوخ. كل ما نجح فيه هو تجنيد أقلية كبيرة بما يكفي لإبقاء حق الفيتو لنفسه، وهكذا استبعد إمكانية البحث والتصويت في الكونغرس. غير أن هذه المرة، فإن الأقلية الديمقراطية المعنية بالإبقاء على الاتفاق لا يمكنها أن تمنع الأغلبية من استئناف العقوبات. فحسب القانون الذي يلزم الرئيس برفع التقرير إلى الكونغرس، فإن ما سيحصل في الأسبوع المقبل ـ إذا ما أعلن ترامب بأن إيران لا تلتزم بالاتفاق ـ هو إعادة فتح سباق متجدد، سريع وقصير المدى، لاستئناف العقوبات. للكونغرس نافذة ستين يوم يمكنه فيها أن يستأنف العقوبات بموافقة أغلبية كبيرة من دون إمكانية الإعاقة البرلمانية، ومن دون إمكانية أن تتمكن الأقلية من منع الأغلبية. الإمكانية الثالثة ـ المعقولة ـ هي إمكانية وسطى معناها ليس واضحا تماما، ومنوط بالاتفاقات التي ستتحقق في الأيام القريبة المقبلة. هذه هي الإمكانية التي من أجلها التقى مستشار الأمن القومي، ماك ماستر، مع مجموعة من المشرعين من الحزب الديمقراطي.
هذه الإمكانية التي تجري حولها المحادثات من خلف الكواليس، وهي أن يبقي الرئيس الاتفاق على حاله، وبالتوازي يعيد المصادقة على التزام إيران بالاتفاق، ولكن في كل الأحوال يطالب بتغييرات عليه بحيث يتضمن عناصر إضافية. وحسب هذا السيناريو، لن يسارع الكونغرس لفرض قيود جديدة على إيران، بل سيهدد فقط بعمل ذلك ـ ومرغوب فيه بإسناد واسع قدر الإمكان من المشرعين من الحزبين ـ إذا لم تغير إيران طريقها.
توجد فضائل الخيار الثالث في مرونتها النسبية. ففرض عقوبات جديدة معناه كسر الاتفاق. أما الولايات المتحدة، في هذه المرحلة، فلا تبدو معنية بكسر الاتفاق. ومن جهة أخرى، واضح للجميع بأن استمرار الوضع القائم يسمح لإيران بحرية عمل ستؤدي بها في نهاية المطاف إلى تحقيق أهدافها. أما الخيار الأوسط فسيعيد الكرة إلى الملعب الإيراني، وكذا إلى ملعب باقي الدول الموقعة على الاتفاق. ستكون هذه نصف خطوة في اتجاه الأزمة، ولكن ليس خطوة كاملة. إذا اقتنع الإيرانيون بأن الولايات المتحدة جدية، فقد يوافقوا على إجراء تعديلات على الاتفاق. أما إذا اقتنعت الدول الأخرى بأن الولايات المتحدة جدية، فلعلها تقرر بأن تغيير الاتفاق أفضل من الرهان الذي نهايته المحتملة ستكون دراماتيكية.
حتى المشرعين الصقور جدا في الموضوع الإيراني يبدون كمن يفضلون هذه الإمكانية على إمكانية الانسحاب المفاجئ من الاتفاق من طرف واحد. السناتور من اركانزو، توم كوتون، هو واحد من النجوم الصاعدة للحزب الجمهوري، وهو صقر جدا في مسائل السياسة الخارجية، كما أنه يعتبر قريبا في آرائه من عصبة المستشارين المحيطين بترامب، رجال الجيش الذين اختارهم ليترأسوا وزارة الدفاع ومجلس الأمن القومي. وكان كوتون ظهر الأسبوع الماضي في مجلس علاقات الخارجية والأمن وقال إن «الكونغرس والرئيس، في عمل مشترك، يجب أن يعرضا الشكل الذي يتوجب فيه الاتفاق أن يتغير، وماذا ستكون النتائج بالنسبة لإيران في حالة ألا يتغير الاتفاق». وهذا أكثر من تلميح بأن هذا بالفعل ما يخطط الرئيس لعمله.
مشادة وحشية
على أي حال، يحتمل ألا يكون مفر للرئيس غير أن يعمل بالضبط هذا، لأنه ليس مؤكدا وجود ما يكفي من الأصوات في مجلس الشيوخ لفرض عقوبات جديدة وقاسية على إيران في غضون ستين يوما. السناتور جيف فليك من أريزونا، لا يؤيد على ما يبدو استئناف العقوبات. وكذا السناتور الهلبرتاني، راند بول، حذر الإدارة منذ الآن من تفجير الاتفاق. وترامب، كعادته، ينجح في تعقيد حتى الأمور غير المعقدة. هكذا فعل في نهاية الأسبوع عندما اختار الدخول في مشادة وحشية مع أحد السناتورات المؤثرين، بوب كوركر، من تنيسي والذي هو رئيس لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ.
منذ البداية، ليس كوركر من كبار المعجبين بترامب. ومشكوك أن يسمح للرئيس بالتقدم في اتجاه الضغط على إيران بالوتيرة التي تناسبه. أما الآن، بعد أن قال ترامب عن كوركر «إنه ليس شجاعا»، وكوركر قال عن ترامب إن من شأنه أن يقود أمريكا «إلى حرب عالمية ثالثة»، وترامب قال عن كوركر إنه أراد أن يكون وزير خارجية «ولكني قلت، لا شكرا»، وكوركر قال عن ترامب إن البيت الأبيض بقيادته يدار مثل «نادي كبار السن» ـ بعد كل هذا من الصعب أن نرى الرئيس والسناتور يتعاونان في أي موضوع. وبلا هذا التعاون من رئيس لجنة الخارجية في مجلس الشيوخ سيكون أصعب بكثير الدفع إلى الأمام بجدول أعمال الرئيس.
في الخلفية يوجد الكثير من الضجيج.
وزير الخارجية، ريكس تلرسون، لا يبدو أنه سعيد في منصبه. يحتمل أن يرغب ترامب في استبداله (ولجنة كوركر هي التي ستصادق على من سيحل محله). لقد بدأ الجمهوريون يخشون من هزيمة في انتخابات 2018. أما الديمقراطيون فيتحركون إلى اليسار أكثر فأكثر. كوريا الشمالية هي مشكلة لا تقل إلحاحا عن إيران، وهي الأخرى لم يتوفر لها حل.
لترامب يوجد جدول أعمال طموح في مواضيع المخدرات، ولديه تسوية غير منتهية في موضوع الهجرة. ولديه تحقيق فوق الرأس. لديه حزب معظم مقترعيه يعتقدون بأن «على الولايات المتحدة أن تهتم أقل بالمشاكل خلف البحر» (54 من مئة من الجمهوريين)، بينما خصومهم، الديمقراطيون، ممن ساروا منذ وقت غير بعيد مع أوباما ومع جدول أعماله المتجه نحو الداخل، يعودون فجأة لأن يكونوا حزب محبي التدخل الدولي (54 من مئة منهم يقولون إن «الأفضل لمستقبل الدولة هو التدخل في الشؤون العالمية»).
صحيح، لديه موعد نهائي الأسبوع المقبل ـ إذ مرة أخرى تنتهي التسعين يوما. ولكن الموعد النهائي هذا هو مجرد عنصر واحد، والأقل أهمية، في علاقات أمريكا مع إيران ومع الاتفاق النووي الذي وقعت عليه. أما العنصر الثاني، الأهم، فهو خطة العمل، تلك التي يمكن جمع التأييد لها ويمكن التمسك بها بتصميم يبعث على الثقة حتى في أوساط أصدقاء وخصوم الولايات المتحدة. أما إذا كانت توجد مثل هذه الخطة فسنعرف في الأسبوع المقبل.
معاريف 10/10/2017