هل كانت السعودية يوما قوة إقليمية؟

حجم الخط
3

كان لابد لمحمد بن سلمان كي يرمم سمعته المتهدمة ويفرض وجوده ويتجاوز أزمة داخلية متصاعدة وشارعا ساخطا ومضطربا، من إثبات قوته وقدرته على الردع والبطش للداخل والخارج، وتسخير آلته الإعلامية لتجميل صورته وتعزيز شعبيته، ونفي ما لازمه من تبخيس لشأنه واستهانة بإمكانياته واعتباره فتى طري التجربة ضعيف الرأي مفلول العزم، فكانت حرب اليمن التي مات فيها المئات وشرد الآلاف من ديارهم وتفشى بين الناس الطاعون والمجاعات وجدّ فيهم الفقر والمرض.
لقد وجد في هذه الحرب طوق النجاة والعنان الذي ألجم به اللغط المتدافع، ففي كثير من الأحيان يلجأ الحكام في الدول الديكتاتورية إلى الأزمات الخارجية أو يسعون لافتعالها لتسكين الأوضاع المتأزمة في الداخل، وكان حريصا على الظهور في الأزمة وزيارة القوات على الجبهة لتعزيز صورة الزعيم الذي لا تلين له قناة والوطني الذي يتفقد الجنود ويطمئن على الجرحى والمصابين ويواسي آهالي القتلى.
فحرب اليمن أثارت لغطا حول شرعيتها وحول شخصية ولي العهد التي تميل أكثر إلى الطيش والتهور منها إلى الحكمة والتروي، الأمر الذي دفع جهاز الاستخبارات الألمانية العام الماضي و في خطوة غير مسبوقة ونادرة الحدوث بتعميم مذكرة من صفحة ونصف وصفتها صحيفة «الاندبندنت» بالمتفجرة، ينتقد فيها الجهاز الأمير نقدا لاذعا وتصفه بالمقامر الساذج، والمغرور الذي يلعب بالنار وتضيف الصحيفة على لسان التقرير أن الرجل أدخـل العالم العـربي في حروب مزعزعة للاستقرار في اليمن وسوريا وانتهج سياسة استفزازية مجانية ضد إيران لاستمالة الطائفة السنية واكتساب زعامة دينية بإذكاء المشـاعر الطـائفية.
بيد أنه تمكن من خلال مغامراته الخاسرة في الحروب وإثارة القلاقل من فرض وجوده ولفت الأنظار إليه حتى ولو كانت نتائجها كارثية على اليمن السعيد والمنطقة بأسرها، وهذا أمر مهم وحيوي بالنسبة لأمير مغمور مثله كان يعاني من ظل كثيف لمحمد بن نايف ولي العهد السابق صاحب التاريخ الطويل في ممارسة الحكم و العلاقات القوية مع أمريكا والدول الغربية، وكان لابد كذلك من اختلاق أزمات إقليمية غير تقليدية لفرض الزعامة السعودية التي شهدت تراجعا ملحوظا منذ وفاة الملك فهد وسطوع نجم قطر بزعامات وسياسات جديدة ومسارات مختلفة، فكانت الخصومة مع قطر و جماعة الإخوان المسلمين وتكوين حلف إماراتي مصري يتحامى به وبآلته الإعلامية، كل ذلك منح لابن سلمان مساحة حرة بعيدا عن الأعين للحركة داخل أروقة البيت السعودي وتقليم أظافر الأجنحة المعارضة في الأسرة واعتقالهم أو تحديد إقامتهم إن لزم الأمر كما حدث مع الأميرين محمد بن نايف وَعَبد العزيز بن فهد وغيرهما.
ورغم الصورة التي ظل حكام آل سعود يروجونها لدولتهم والهالة المبالغ فيها التي يضفيها عليها إعلامهم باعتبارها قوة إقليمية، فإن المملكة ليست بالقوة ولا بالثقل الذي تبدو عليه في الإعلام، بل هي أقل وأهون من ذلك بكثير، فلولا الدعم الذي توفره لها الولايات المتحدة لما قامت لها قائمة أمام التحديات الوطنية والاجتماعية والنزاعات والحروب الإقليمية التي مرت بها منذ 1930، فالمملكة كانت دائما تفتقد إلى قوة ذاتية حقيقية تجعلها دولة ذات نفوذ في المنطقة، وزعيم ذي كاريزما ورؤية تحررية يخرج بها البلاد من مراتع الضعف والتخلف، وحضورها في الساحة الإقليمية والدولية كان دائما متوقفا على ثروتها النفطـية وسـعة إنـفاقها.
وكان هناك دائما شعور قوي بين زعماء الشرق الأوسط على امتداد التاريخ أن السعودية بعيدا عن النفط وعلاقتها مع الولايات المتحدة ليست لها قدرة حقيقية على الفعل والتأثير، وقد بدا أنه كلما انخفضت أسعار النفط تقلص معه أداء الدولة السعودية في المنطقة وتصاغرت أدوارها، وأن تضاؤل تلك الأدوار سبب أساسي في انحسار المد الوهابي والثقافة الوهابية في المنطقة بأسرها، وسبب أيضا في الهزائم المتتالية التي تلاحق التيارات المتطرفة والتنظيمات الإرهابية التي تأثرت هي الأخرى بالسياسات التقشفية وتقليص النفقات في المملكة، فهي بئر واحدة والكل ينهل منها.
ولَم يتصور أحد أن تبلغ الصفاقة وصلابة الخد بأحد الشيوخ المعروفين في السعودية أن يتاجر بالدِّين ويتجرأ على الله وعلى التاريخ وعلى عقول الناس أيضا ليصف الدولة السعودية بأنها تقود العالم إلى جانب الولايات المتحدة إلى مرافئ الأمن والسلام والاستقرار، فمتى يا شيخ سديس كانت السعودية من مرافئ الأمن وهي تشن حملة إبادة شاملة للشعب اليمني المنكوب، ومتى كانت الولايات المتحدة دولة تقود العالم إلى الاستقرار والعالم بأسره يشكو إلى الله ما اقترفته هذه الدولة من جرائم في حق الإنسانية منذ الحرب العالمية الثانية إلى اليوم، ألا يردعه عن مثل هده التصريحات التي تنضح بالتملق والتزلف للحكام آيات الذكر الحكيم التي سجلها بصوته الرخيم وتأثره الشديد بما فيها من الوعيد للذين يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم، أما كان أولى به وأجدر أن يدعو حكام بلاده إلى العمل بقول الله تعالى، وأصلحوا ذات بينكم، وينهاهم عن المضي في المزيد من سياسات الفرقة وشق الصف العربي في منطقة لم تعد تحتمل المزايدات وتحتاج أكثر من أي وقت إلى التقارب والتسامح والعمل من أجل احتواء الأزمات المتصاعدة بين الأشقاء.

كاتب مغربي

 هل كانت السعودية يوما قوة إقليمية؟

طه لمخير

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية