في أزمة جزئية، من أخرى كلية تهم كل مجالات الفكر والسياسة والاجتماع، يمكن ربط سبب فشل تحقيق سينما عربية عالمية، إلى مشكلة التعبير عن الذات أو حقيقة العلاقة بين الذات والآخرين، وبين الماضي والحاضر؟ وهي مشكلة تجمع كل أشكال التعبير، بدءا من الكلمة، إلى العمل الفلكلوري إلى الموسيقى والتشكيل والأدب. لقد اعتبر المفكر عبد الله العروي في الفصل الرابع والأخير من كتابه «الأيديولوجية العربية»، أن ثقافتنا فولكلورية، تتخذ منه شكلا للتعبير عن الذات وعن العلاقة مع الآخر، لذلك ينبغي أن نميز في حياتنا الثقافية بين العمل الفولكلوري والعمل التعبيري، لأن الفلكلور سواء كان موسيقى أو عملا تشكيليا أو أدبيا، يشترك في الدونية التاريخية للبنية الاجتماعية الضائعة في التخلف أو المستعصية على القراءة التاريخـــية، بل يستمد من تلك البنية حقيقة قيمته، وعلى العكس فإن العمل التعبيري يهــدف إلى تعويض تلك الدونية بالتعبير ذاته.
هنا عرفت السينما كشكل لاحق على أشكال التعبير، نكسة ستنتعش طويلا وسيخبو أوارها، خلال مراحل سماها العروي بمراحل التبنين الاجتماعي الثلاث، الكلاسيكية والعاطفية الحالمة والواقعية. لأن السينما نوع لاحق على الأدب، يمكن اعتبارها متلازمة مع الدور الذي لعبه في حياتنا، ضمن الفن، الذي لم يلعب أي دور إنقاذي أو إيضاحي، عبر المراحل السابقة.
ففي المرحلة الكلاسيكية، او مرحلة أيديولوجية الشيخ، مجمل الإنتاج خلالها، هو بحث على العثور على مفهوم للذات، وللغرب، وللتاريخ العربي، أي أنها مرحلة نزعة التفاؤل. بينما في المرحلة العاطفية الحالمة، أو الليبرالية، حين ظهرت الرواية وانخفضت أمامها جميع قيم التعبير، انسحب ذلك على السينما ما تركها تبدو خالية من أشكال التعبير. وأخيرا المرحلة الواقعية، التي أعادت للرواية زخمها وللقصص والمسرحيات انتشارها، وهي مرحلة هيمن عليها بلا جدال وجه نجيب محفوظ. ولكن إذا طرحنا سؤالا مع عبد الله العروي، أي تلك الأشكال كان سيكون مضخة قوية لاستمرار وتطور السينما العربية؟ فالجواب هو الأقصوصة وليس الرواية أو المسرح، لأن المسرحيات العربية لم تتجاوز أبدا مستوى التمارين المدرسية حول موضوعات بالية فات آوانها، أي مشكلة الممثل الذي ينطلق بعيدا بمستوى السينما، لن يكون مرنا ولا قادرا على مجاراة السينما العالمية. في حين أن الرواية العربية، في مجملها ولأسباب اجتماعية تسبق اختيارات الكتاب الشخصية، ترضخ لبنية رمزية أكثر منها واقعية، وهكذا يبدو أن الأقصوصة هي الشكل الأدبي المطابق لمجتمعنا المشتت، الذي هو بدون وعي اجتماعي. وهذا واضح من خلال أفلام السينما القصيرة، التي هي اقرب لسيناريو الأقصوصة، تكون ناجحة أكثر في معالجة قضايانا المتعددة والمشتتة مثل واقعنا. إلا أن الأهمية المقدمة للفيلم أو الشريط الطويل، تجعلها تختفى كما تتوارى مهرجاناتها. لماذا الأقصوصة؟ لأنها وفق العروي ستنجح في نقل واقع كل دولة منفردة ومستقلة، بينما ستفشل في أن تكون أمينة الواقع القومي وذات أهمية كونية شاملة.
كاتب مغربي
سيدي بويه ماءالعينين