دأبت أجهزة الدولة التقليدية في المغرب على الالتفاف على التغيير عموما وعلى الإصلاحات التي قد تؤدي إلى استبدال نخبة حاكمة بأخرى أو مسار قرار (Decision Making Process) بمسار قرار آخر خصوصا.
أقول هذا بمناسبة ما حدث هذا الأسبوع داخل وزارة العدل في المغرب. فقد جُرد تماما وزير العدل والحريات، وهو اسمه الرسمي، من كل صلاحياته المتعلقة برئاسة النيابة العامة. وهذا يعني من بين ما يعنيه أن الوزارة بل والحكومة بكاملها لن تستطيع بعد اليوم التأثير بشكل حاسم في الاختيارات الجنائية للدولة. فلن يكون بإمكان رئيس الحكومة إذا ارتكبت مظلمة كبيرة في البلاد أن يعطي أوامره لوزيره في العدل ليُفتح تحقيق أو ليوعز للنيابة العامة اتخاذ هذا القرار أو ذاك لحفظ الحريات العامة أو اتقاء تغول وضغوطات أجهزة الداخلية في ما يخص محاكمة قد يشتم منها رائحة الانتقام السياسي.
هكذا أصبحت هاته السلطة مجتمعة كلها بيد شخص واحد هو الوكيل العام لدى محكمة النقض. والأنكى من هذا أن الوكيل العام لا يخضع في شيء للمجلس الأعلى للسلطة القضائية، إنه عضو فيه بل عضو ذو امتياز، تزاحم سطوتُه سلطاتَ رئيس المجلس بالنيابة. لماذا اتخذ هذا القرار الخطير؟ المنافحون عن النظام يدفعون بمقولة استقلال القضاء وبمقتضيات دستور 2011 الذي ضمن هذا الاستقلال حيث جعل من القضاء سلطة بعد أن كان إدارة تكاد تكون تابعة في كل شيء لجهاز الدولة التنفيذي. إن من يقول هذا يتناسى أن تجميع كل السلطات بيد الوكيل العام أتى من حيث العمق لمعاكسة بعض فصول دستور الربيع المغربي التي أعادت توزيع السلطة بين الملك والحكومة بحيث أصبح رئيسها شريكا، نظريا، لرئيس الدولة في القرار المركزي. أما السيد الوكيل العام فقد أعلن صراحة، وإن بطريقته، عن الأسباب الحقيقية الكامنة وراء القرار. فقد أشار أثناء حفل تسلم سلطاته الجديدة كرئيس للنيابة العامة أن الخلفية التي حكمت الأمر ذات طبيعة سياسية بامتياز: قال السيد الوكيل العام أن رئيسه المباشر هو الملك بل وفسر بوضوح كبير أنه إذا كانت النيابة العامة في العهد السابق على حركة ربيع 2011 تابعة لوزراء العدل فلأن هؤلاء «كانوا يعتبرون من وزراء السيادة» أي أن الملك كان يعينهم بدون أي اعتبار لنتائج الانتخابات ولطبيعة الأغلبية التي تفرزها. أما الآن فإن رئيس الحكومة المعين يمكن أن يلعب دورا دستوريا وسياسيا مهما في تعيين الوزراء بمن فيهم من كانوا يدعون وزراء سيادة. السيد الوكيل العام أكد أن الملك هو من سرع استصدار القانون من البرلمان وأن الوضعية الجديدة تجعل القضاء غير خاضع لتأثير الأحزاب والايديولوجيات. وهنا مربط الفرس.متى كان القضاء تابعا للأحزاب في المغرب؟ أبدا. ولنرجع كبرهان إلى الحملات التي نظمتها الجمعيات الحقوقية وهيئات ونقابات المحامين، كانت كلها تطالب باستقلال القضاء عن السلطة التنفيذية ولم تتحدث أبدا عن تأثير مزعوم للأحزاب أو التوجهات الإيديولوجية عن سير القضاء. كانت تدين دائما تدخل أجهزة الأمن السياسي في قرارات العدالة والأحكام الصادرة ضد المعارضين والمنتقدين للسلطة وتعتبرها دليلا على تبعية القضاء لما تسميه «تعليمات الهاتف».
إذن ماهي الوضعية الآن؟
لقد أصبح رئيس الجهاز التنفيذي، وهو في الملكية التنفيذية المغربية عاهل البلاد، يعين مباشرة الوكيل العام كرئيس للنيابة العامة أي ما يمكن أن نسميه «وزيرا» بدون مشاركة ولا حتى مشورة من أية هيئة جماعية منتخبة أو إدارية أي أنه لم تبق هناك أية وساطة بين الملك والقضاء. على الأقل في النظام السابق كان على الوزير المسؤول أن يراعي نظريا مصالح أغلبية الساكنة ورأيها مادام يعلم أنه سيؤدي الحساب في الانتخابات التالية وأن حزبه أو هو شخصيا قد يخسرها إذا ما كانت سياسته الجنائية تذهب في اتجاه لا ترتضيه أغلبية المغاربة. كان بإمكان زير العدل في السابق، بوصفه رئيسا للنيابة العامة، التدخل لتعديل قرار أو مسار قضائي مسيس ومجحف بحق مواطن معارض، كان هذا ممكن ووقع فعلا على الأقل لما تكون هناك ضجة إعلامية تحرج حزب الوزير. أما الآن فإن رئاسة النيابة العامة تعود فعليا للملك. والملك ككل إنسان فرد لا يمكنه متابعة كل القضايا المعروضة على المحاكم بما فيها القضايا السياسية بسبب كثرة عددها، وهذا قد يؤدي إلى أن تلعب هذا الدور أجهزة الأمن السياسي التي تهيىء الملفات وتتصيد الفرص بالمعارضين للإيقاع بهم واستصدار الأحكام الظالمة ضدهم. إننا اليوم نغامر بتسييس القضاء أكثر مما هو مسيس. وكثير من الحقوقيين، تحدث اليهم كاتب هذه السطور بالرباط والدار البيضاء، ندموا على مطالباتهم السابقة بفصل جهاز النيابة العامة عن وزير العدل. اليوم وفي ظل استقلال النيابة العامة عن الوزارة، لمن سيتوجه الحقوقيون ومع من سيتفاوضون مادام وزير العدل والحريات هو نفسه أصبح عاجزا تماما عن تصويب أي خلل قد يقع وهو واقع لا محالة.
قال لي احد الحقوقيين المعارضين للنظام، لا تهتم، هناك شيء حسن في هذا الأمر: أنت تقول إنه لم تبق هناك وساطة بين النظام والقرار القضائي الذي قد يكون ظالما ومسيسا، أنا اعتبر هذا جيدا لأن ورقة التوت التي يمثلها وزير العدل قد سقطت… فأصبحت الأمور واضحة وضوح الشمس في كبد السماء.
٭ كاتب من المغرب
المعطي منجب