المنطق الإسرائيلي الأعوج والتنازلات الفلسطينية

حجم الخط
1

رئيس الحكومة السابق ايهود اولمرت، الذي عرف جيدا معسكر «منكرو التنازل»، الذي استقال منه هو وأريئيل شارون، قال لصحيفة «معاريف» في 20 أيار 2012: «كنت على بعد خطوة من تحقيق اتفاق السلام. الفلسطينيون لم يرفضوا في أية مرة اقتراحاتي. وإذا كان هناك للمرة الألف من يحاولون الادعاء أنهم رفضوا اقتراحاتي، فإن الواقع كان مختلفا. فهم لم يوافقوا عليها، وهنا يوجد فرق. هم لم يوافقوا عليها لأن المفاوضات لم تنته، بل كانت على شفا الانتهاء. ولو بقيت رئيسا للحكومة أربعة أشهر أخرى لكان يمكن التوصل إلى اتفاق سلام. الفجوات كانت صغيرة جدا، وقد وصلنا إلى المراحل الأخيرة».
هذا الاقتباس من المصدر الأساسي يفند كليا الادعاء بشأن رفض محمود عباس الذي يتم طرحه من قبل بني بيغن ودان مرغليت («نزاع فريد واستنتاج فريد»، «هآرتس»، 9/10، و»علينا التعلم من بيغن وليس من غولدا»، هآرتس، 10/10). لكن الأهم من التفنيد هو الفكرة الجوهرية التي تتجسد في أقوال اولمرت، والتي وجهته في المفاوضات. خلافا لأسلافه، قام اولمرت بـ «قفزة اعتقاد» فيما يتعلق بإنهاء الصراع. هو لم يأت «للتنازل» أو «الإعطاء»، بل جاء للتفاوض من أجل إنهاء الصراع بصورة عادلة وحكيمة وواقعية ووفقا للقرارات الدولية.
هذا الموقف لا يتبناه «رافضو المصالحة»، الذين يفضلون الرؤيا أحادية الجانب الضيقة والمتعجرفة والتي ينقصها الواقع التاريخي والتي ركزت عليها بشكل موسع في المقال الذي رد عليه بيغن (حلول فريدة لصراع فريد»، «هآرتس»، 4/10).
حسب رأيهم، إذا تم التوقيع على اتفاق مع الفلسطينيين فيجب التوقيع عليه من دون أي شروط. إسرائيل تقوم بالاقتراح والفلسطينيون يجب عليهم الموافقة على اقتراحاتها مهما كانت، حتى إذا كانت مقطوعة عن أية قاعدة سياسية وقانونية، مثل اقتراحات اهود باراك في كامب ديفيد الذي طلب من ياسر عرفات: «مناطق لا تقل عن 11 من مئة، يعيش فيها 80 من مئة من المستوطنين، يتم ضمها إلى السيادة الإسرائيلية. وإضافة إلى ذلك، لن نقوم بنقل مناطق تقع تحت سيادة إسرائيل (من دون تبادل للأراضي)… سيطرة إسرائيلية لبضع سنوات على ربع غور الأردن». و»جبل الهيكل يكون تحت سيادة إسرائيل… وعرفات يحصل في البلدة القديمة على السيادة في الحي الإسلامي وكنيسة القيامة». وشرق القدس يبقى تحت سيادة إسرائيل والقرى التي ضمتها إسرائيل في 1967 تنقل إلى فلسطين.
الرفض الفلسطيني لعرض إسرائيل يحولهم بشكل تلقائي إلى رافضين للسلام. فقط هكذا «رافضو المصالحة» يستطيعون تفسير المنطق الفاسد الذي يقف في مركز ادعاءاتهم، الذي يقول «باراك أعطى كل شيء» و«اولمرت أعطى أكثر من باراك». هكذا فقط يمكنهم تفسير «الموقف الثابت الذي طرحه الفلسطينيون أثناء المفاوضات» ـ «التنازل عن 100 ٪ التي تشكل وطنهم فلسطين مقابل 22٪ التي تشكل الدولة الفلسطينية ـ أمام البازار الفارسي الذي تعاملت فيه إسرائيل حتى أنابوليس 2008. من ناحيتهم لا يوجد للفلسطينيين شرعية لعرض موقفهم. هم يرفضون شرعية الرواية الفلسطينية والاعتراف الدولي بها. هم يتجاهلون المنطق البسيط، الذي يقول إن رفض اقتراح اولمرت كما هو، شرعي ويوازي رفض اولمرت اقتراح عباس كما هو. هذا هو جوهر كل مفاوضات، يقترحون ويتفاوضون ويتنازلون ويتقدمون. في نظرهم إلى الفلسطينيين على أنهم «شفافون»، وهم فقط «يوافقون»، فهم يفوتون فرصة النظر إلى المرآة التي يضعها الفلسطينيون أمامنا في المفاوضات، فرصة فهم أنه من أجل التوصل إلى الاتفاق يجب الاعتراف بشرعية الفلسطينيين، بإنسانيتهم واحتياجاتهم. وفهم أنه يجب علينا التخلي عن جزء من أحلامنا إذا كنا لا نريد أن يتحول إلى كوابيس.
بيغن اختار التركيز على موضوع اللاجئين. وكتب في مقاله الكثير من الاقتباسات «المختارة» (جميعها من موقع واحد). هذه مقاربة للهواة من أجل فهم مواقف الأطراف. مثل محاولة شرح مواقف اسحق رابين وباراك في المفاوضات على مستقبل هضبة الجولان والمناطق، على قاعدة الحملة الانتخابية لحزب العمل. توجد هناك كمية وافرة من التصريحات المتعاكسة حول هذا الموضوع، مثلا تصريحات عباس في 2008، حيث قال «من غير المنطقي الطلب من إسرائيل استيعاب خمسة ملايين لاجئ، أو حتى مليون لاجئ.
معنى هذا سيكون نهاية دولة إسرائيل»؛ أو تصريحه بأنه مستعد للعودة إلى صفد، مسقط رأسه، كسائح فقط. على بيغن والجمهور أن يفهم أن المواقف التي يقومون باقتباسها هي المطروحة في المفاوضات الرسمية. لو أن بيغن، الذي تنقصه تجربة التفاوض مع الفلسطينيين، كلف نفسه عناء قراءة الأبحاث والكتب حول الموضوع لكان فهم أن الحديث لا يدور، كما يدعي، عن «خيال الخبراء» بل عن الموقف الفلسطيني الرسمي الذي يقول إن عدد اللاجئين الفلسطينيين الذين سيعودون إلى إسرائيل ـ بموافقتها ـ يتراوح بين 50 ـ 100 ألف لاجئ. هذا العدد، إذا وافقت عليه إسرائيل (اولمرت رفض)، لن يؤثر في الميزان الديمغرافي لإسرائيل. إضافة إلى ذلك، على ضوء حقيقة أنه حسب مسودة الاتفاق في المفاوضات التي أجراها اولمرت، أكثر من 330 ألف فلسطيني في القدس سيغيرون إقامتهم الإسرائيلية بمواطنة فلسطينية، الميزان الديمغرافي يتوقع أن يتغير بـ 2.5 من مئة لمصلحة اليهود في إسرائيل.
لقد تجاهل بيغن أيضا أن كل اتفاق بين إسرائيل والفلسطينيين سيكون متعلقا بـ «صفقة» تشمل أربعة مواضيع أساسية، كل طرف يمكنه الحصول على ما يريد فقط في موضوعين. في موضوع الأمن سيقدم الفلسطينيون لإسرائيل نزع السلاح من دولتهم، وفي موضوع الحدود ستمنح إسرائيل موافقتها على العودة إلى حدود 1967 كأساس. التنازل الفلسطيني عن حق العودة الذي سبق أن أعطي في 1988، عندما كتب أبو إياد، نائب ياسر عرفات، لإدارة ريغان «حق العودة لا يمكن تطبيقه من خلال الإضرار بالمصالح الإسرائيلية، بل يجب علينا أن نأخذ في الحسبان الوضع الذي نشأ منذ عام 1948» ـ يقتضي في المقابل إقامة عاصمة فلسطين في شرق القدس».
لو كان من ينكرون التنازل يكرسون دقائق معدودة للقراءة، لكانوا عرفوا التنازلات الأخرى التي طرحها الفلسطينيون في المفاوضات ـ بعيدا عن المواقف الدولية وأقرب إلى المطالب الإسرائيلية. في حين أن المجتمع الدولي يصمم على العودة إلى حدود 1967، وافق الفلسطينيون على تبادل الأراضي. وبرغم أن المجتمع الدولي يقول إن المستوطنات غير قانونية، إلا أن الفلسطينيين وافقوا على ضم 65 ـ 80 من مئة منها إلى إسرائيل، والتي تقع خلف الخط الأخضر، ومن ضمنها الأحياء اليهودية في شرق القدس. في موضوع الأمن أيضا استجاب الفلسطينيون لطلب إسرائيل ووافقوا على دولة منزوعة السلاح.
مقابل المرونة التي أظهرها الفلسطينيون، حتى لو كان هذا برغم إرادتهم، يبرز انسحاب نتنياهو من مبادئ المفاوضات (الأخذ والعطاء) المعروض أعلاه. هو يرفض قبول حدود 1967 كأساس للتفاوض، ويرفض البحث في موضوع القدس. ولو أن بيغن اعترف بهذا الرفض، لكان فهم ما فهمه الرئيس دونالد ترامب في أشهر معدودات: إيجاد شريك إسرائيلي أصعب من إيجاد شريك فلسطيني من أجل إجراء المفاوضات على الاتفاق الدائم. في هذه المرة آمل، وبحق، أن يفهم ذلك كل قارئ، حسب بيغن.

هآرتس13/10/2017

المنطق الإسرائيلي الأعوج والتنازلات الفلسطينية
بني بيغن ومرغليت يخالفون أولمرت الذي أجرى المفاوضات مع حكومة أبي مازن ووصفها بالمرنة
شاؤول اريئيلي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية