نصف قرن من «التعريب» في الجزائر… ما الذي تغير؟

حجم الخط
1

حالة استثنائية تميز الدخول الأدبي في فرنسا، هذا العام. أكثر من عشر روايات، لكتاب فرنسيين وآخرين جزائريين، تدور حول الجزائر، أو عن ثورة التحرير، عمن يُطلق عليهم «الأقدام السوداء» أو عن «الحركي» (مجندون جزائريون في جيش الاحتلال)، صدرت في الوقت نفسه، خلال الشهرين الماضيين.
روايات يحتل بعض منها واجهة المكتبات الفرنسية، تصطف أعلى قائمة المبيعات، من بينها ما رُشح لكبريات جوائز الخريف (غونكور أو رينودو)، أعادت السؤال القديم عن أهمية تاريخ الجزائر في المتخيل الفرنسي، وعن مكانة تاريخ البلد في اهتمامات القارئ في الضفة الأخرى من المتوسط.
هذه الحالة الاستثنائية لم تمر بدون إثارة اهتمام الميديا الباريسية وفضولها، فقد تناوبت جرائد ومجلات ومحطات إذاعية في التعليق عليها، وفي محاولة تفكيكها، من الداخل، وفهم أسبابها، لكن بدون خوض في تفصيلات، وبدون قول ما يجب قوله فعلاً. وقد عنونت جريدة «لوفيغارو»، بالبنط العريض، ملحقها الأدبي، بما معناه: «رواية الجزائر ما تزال مستمرة». وعنونت مقالاً لها: «الجزائر تلهم روائيي الدخول الأدبي». مع ذلك، الميديا الفرنسية لم تخرج من دائرة التهليل والترحيب بالأمر، لم تخرج من السطحيات، ولم تقترب من عمق الموضوع فعلاً، فبعض الدوائر الثقافية والنقدية، ما تزال ترى في الجزائر «قلعة خلفية» لفرنسا، أرضاً خصبة للكتابة وللقراءة بالفرنسية ـ بدون أن تصرح بذلك علناً ـ وغالباً ما يسقط الفرنسيون، بمن فيهم مثقفو هذا البلد، في فخ التعميم، والتعامل مع الجزائر باعتبارها امتداداً لثقافتهم وتابعاً للغتهم.
ربما هناك جانب من الصواب في هذا الرأي، لكن، يهمنا ـ في هذا السياق ـ التعرض لسؤالين مركزيين: لماذا نجحت الرواية المكتوبة بالفرنسية في الجزائر؟ ومن هو جمهورها تحديداً؟
منذ استقلال البلد (1962)، استبدلت العربية بالفرنسية، كلغة رسمية، حصل التحول بشكل سريع، ومُباغت، لكن هذا الخيار السياسي لم يتجسد، من البداية، سوى في الأوراق والوثائق الرسمية، التي انتقلت لغتها من فرنسية إلى عربية، لأن الأدب الحاضر والمتداول والمعروض، في البلد، في العشر السنوات الأولى التي تلت الاستقلال، كان أدباً باللغة الفرنسية، مع جيل المؤسسين من روائيين وشعراء: محمد ديب، كاتب ياسين، مولود معمري، آسيا جبار، جان سيناك وغيرهم، وتأخر ظهور أول رواية بالعربية، في الجزائر، إلى 1971 «ريح الجنوب» لعبد الحميد بن هدوقة.
ظهور رواية بالعربية، ثم جيل أول من الكتاب الروائيين بالعربية، لم يكن يعني بالضرروة ميلاد قارئ بالعربية، كانت الرواية بالعربية تُشيد سقفا لها دونما أسس، ودونما أن تثبت أرجلها في الأرض، فقد وُلدت الرواية بالعربية في الجزائر، بدون أن تهيئ أرضية لها، مبتورة من محيطها الاجتماعي، وانتظرت سنوات طويلة، لتكسب ثقة القارئ أولاً، ثقة كانت وما تزال خجولة، وتستطيع ـ بالتالي ـ التفكير في منافسة (محتشمة) حضور نظيرتها المكتوبة بالفرنسية.
مسألة ثقة القارئ هي قضية أساسية في فهم علاقة المتلقي مع أدب بلده، المقسم بين لغتين. لقد سعت السلطة السياسية في الجزائر، في الخمسين سنة الماضية، إلى «تعريب» القطاعات الحساسة: خصوصاً منها المدرسة والإعلام، عنوة. بالاعتماد على مراسيم وقوانين وقرارات. كان تعريباً نظرياً، لأن الواقع كان يفرض أمراً مغايراً. حاولت السلطة فرض «العربية» وليس تحبيبها للمواطن، لم تقم بخدمة العربية، في مسعاها، بل قامت بحشوها، في المناهج الدراسية، رغبة منها في تسريع الانتقال من لغة إلى أخرى، بدون ممارسة حكيمة، وتفكير جاد، في تأسيس انتقال سلس، من فرنسية (عمّرت أكثر من قرن وربع القرن) إلى عربية أوجدتها ضروريات المحيط الجيو سياسي للبلد. هكذا إذن من جيل لآخر، وجد الجزائري نفسه تائهاً بين لغتين، غير ممسك جيداً بالعربية ـ التي فُرضت عليه من الأعلى ـ ومنقاداً لا شعورياً ـ بإعجاب ـ إلى لغة المستعمر القديم، والنتيجة ستنعكس بالضرورة على الأدب، حيث قراءات الروايات المكتوبة بالفرنسية، تجد جمهوراً طبيعياً لها، من قراء عاديين، أو من أكاديميين، يتجهون إليها من منطق «ثقة»، ومن منطلق عدم فهم واضح بما يدور في الضفة العربية، حيث يتعامل جمهور القراء بتردد وتلعثم في الموقف تجاه ما يُنشر من أدب بالعربية.
من المؤسف أنه لا توجد دراسات في «سوسيولوجيا الأدب» في الجزائر، ولا توجد إحصائيات دقيقة، في موضوعات القراءة والتلقي، لهذا تنوب المعاينات الميدانية، والاشتغالات البحثية الموسمية، محل المختصين، ومما لا شك فيها أن الرواية المكتوبة بالفرنسية هي الأكثر حضوراً من نظيرتها المكتوبة بالعربية، لسبب ـ ذكرناه سلفاً ـ هو «ثقة» تاريخية، يلجأ إليها القارئ في الاختيار بين روايتين من لغتين مختلفتين في بلده، ثم بسبب تسرع السلطة، التي حاولت فرض «التعريب» كخيار سياسي، بدون النظر في خصوصيات المجتمع الذي تتعامل معه، فأبعدته عن العربية.
كما يجب ألا ننسى أن هناك ـ مثلاً ـ جائزتين مهمتين تتوجهان للرواية بالفرنسية في الجزائر (جائزة إيسكال وجائزة آسيا جبار)، ما يُساعد في توسع حضورها، بالإضافة إلى الدعم والتحفيزات وسخاء مؤسسات أجنبية، في دعم الرواية بالفرنسية، في البلد، أو الرواية المترجمة إلى الفرنسية (من العربية أو الأمازيغية)، وهو دعم يتجاوز ذلك الموجه للرواية المكتوبة بالعربية. كثيرون كانوا يتوقعون أن الفرنسية ستتراجع، في الجزائر، بعد الاستقلال، وستنسحب، مع الوقت، لصالح العربية. ابتلع مالك حداد (1927-1978) «الطعم»، توقف عن الكتابة بالفرنسية ثم عجز عن الكتابة بالعربية، ولم تنفع معه نصيحة الشاعر مالك علولة (1937-2015)، الذي كتب في مجلة «أنفاس» 1966: «لقد انتهى زمن الشاعر المنفي في اللغة الفرنسية.. المنفى فكرة خاطئة.. علينا تجاوز مستنقع هذه الفكرة كي لا نحيا خُرساً». مالك علولة لم يكن يرى في صعود العربية نقيضاً للفرنسية في الجزائر، وذلك ما حصل بالفعل، وحافظت الفرنسية، والروايات المكتوبة بالفرنسية، على حضورها، وعلى «ثقة» القارئ المحلي بها. كما إن كبريات دور النشر الباريسية، لم تغير قط سياسة تعاملها مع النص الجزائري، بعد الاستقلال، وواصلت ـ مثلاً ـ «لوسوي» أو «غاليمار» نشر أعمال كتاب جزائريين، بوتيرة منتظمة، وراحت في كل مرة، تجدد علاقتها مع المتلقي في الداخل.
صعود الرواية المكتوبة بالفرنسية، في البلد، كان سيكون له ـ بطبيعة الحال ـ انعكاس على تلقي نظيرتها بالعربية، التي ما تزال تُراوح مكانها، فالكتاب بالعربية، في الجزائر، هم أشبه بالأيتام، مبعدون عن مواطنيهم، يشقون في الوصول إلى القارئ، وفي كسب «ثقته»، والسبب ليس في ما يكتبون، فكثير من الأعمال المهمة، بالعربية تمر في صمت، بدون أن ينتبه إليها القارئ، لكن المعضلة تتمثل في «خيبة» في مستوى آخر، في الفشل الصريح لسياسات التعريب في الجزائر، في عجز السياسي على توصيل «العربية» إلى المواطن، في ظروف حسنة. هكذا صار الجزائري متوجساً مما يصله بالعربية، ومتحمساً ـ نتيجة تراكمات سابقة ـ للمُنتج المكتوب بالفرنسية، ليس من باب دونية، ولكن من سوء فهم في التعامل مع النتاج الإبداعي بالعربية.
إن احتفاء وسائل الإعلام الباريسية، هذا العام، بهذا الكم من روايات جديدة، تتعلق بالجزائر وتتحدث عنها، هو ليس احتفاءً بالأدب في حد ذاته، بل احتفاء بكسب معركة أخرى أهم، معركة اللغة وتأكيدا مرة جديدة على أن النظام السياسي، في الجزائر الذي حاول فرض «التعريب» قد فشل، ولم يخرج من عباءة المُستعمر القديم. خيبة النظام لم تتوقف عند فشله في صنع «جمهور قراء بالعربية»، بل في تحول «التعريب» من مشروع ثقافي إلى رافد لتفكير ديني، وهو ما يذهب إليه الروائي أمين الزاوي، الذي يتحسر من حقيقة أن التعريب في الجزائر «صادره الصوت الديني المتطرف»، هكذا انتقلنا من خلق قارئ إلى خلق «فقيه أدبي»، يُحاكم النصوص لا يقرأها، ولا يتوقف الأمر هنا، فكلما نجحت رواية ما، لكاتب جزائري، بالفرنسية، سيتعرض صاحبها بالضرورة للطعن والتشكيك في النوايا، وقذفه بالتهم الجاهزة، كالقول إن الكتاب الجزائريين بالفرنسية إنما يكتبون بلغة الأجنبي طمعاً في الجوائز الباريسية، مع العلم أن علاقة الروايات الجزائرية بالجوائز الفرنسية حديثة جداً، بدأت فقط، مع مطلع القرن الجديد.
في ظل هذا الفضاء، الذي يتمدد فيه «التعريب» أفقياً، بحركات عشوائية، ويغيب عنه القارئ الجاد بالعربية، يواصل القارئ بالفرنسية، في الجزائر، نشاطه وتطوره، في مطالعة ودعم ما يصدر بلغة المستعمر القديم، ويواصل نظيره بالعربية مُحاكمة النصوص، والتشفي في كتاب العربية، الذين هم في الحقيقة كتاب بلا قراء، معزلون في قفار الإبداع، منفيون في أرضهم، منعتهم خطايا السياسة من تواصل صريح مع مواطني بلدهم.

٭ كاتب جزائري

نصف قرن من «التعريب» في الجزائر… ما الذي تغير؟

سعيد خطيبي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية