رواية حب حر يكبلها التوثيق الأسير

حجم الخط
1

 

المثنى الشيخ عطية: إنها ليست لندن «1984» كما صورها جورج أرويل تحت الهيمنة والمراقبة المرعبة من قبل الأخ الكبير؛ بل مدينة «الرقة» السورية كما يصورها الروائي السوري نبيل سليمان في «ليل العالم»، تحت هيمنة الأخ الصغير «داعش»، بعد تحريرها من قبل الثورة السورية، واستيلاء الفصائل الإسلامية عليها بعد ذلك بأسابيع:
«انتقلت الشاشة إلى مشاهد أخرى من مباريات كأس العالم، بينما سرى في عروق منيب صدى شجي لصوت هفاف: إذا خبطوا عليك الباب فلا تفتح قبل أن تنتقل إلى قناة دينية
ــ وإذا لم أكن أتفرج؟
ــ تأكد أن صورة الكعبة هي خلفية الشاشة.
ــ وإذا لم أكن أستخدم الموبايل؟
ــ اخف الكتاب الذي تقرأ فيه وافتح القرآن الكريم.
ــ وإذا لم أكن أقرأ؟
ــ تأكد أن سجادة الصلاة هنا، وسط الصالون، إياك أن تبدل اتجاهها عن القبلة أو تحرفه، احرص على أن تكون سجادة الصلاة أول ما تقع عيونهم عليه»…
وتحت السؤال المتشعب الذي يبدأ بـ: «من خنق هفاف؟» يقود سليمان قارئه في الفصل الأول المعنون: «كالمقدمات»، وفي الجزء الأول من الفصل الثاني المعنون: «كالمتون»، عبر نفق كابوسي طويل، يصور فيه كيف خنقوا هفاف. ويبحث فيه من خلال خطيبها منيب عن السبب الحقيقي الكامن خلف إعدامها من قبل داعش بالخنق أمام الجميع في الساحة، بتركيب فني ناجح مع كوابيسه التي يصورها شعوره بالخزي لعجزه عن الدفاع عنها، والتي تأتيه فيها هفاف لتخنقه. كما يصور حالة الليل الذي خيم على أهالي الرقة ذوي الأعراق والديانات والمذاهب المختلفة تحت سيف التصور الداعشي القاتل لحرية الإنسان عن الدين، فدفع الكثيرين منهم إلى الهجرة، ودفن من يشك بأنه معارض ديمقراطي في المقبرة الجماعية التي تغطيها داعش بالنفط، كلما فاحت رائحة الجثث.
«ليل العالم»، رغم كابوسها الأول، وخلفياتها السياسية الناجحة هنا والمخفقة هناك، هي رواية ضخمة، تحكي عبر 461 صفحة، قصة حب مستحيل، تبدأ في مدينة الرقة السورية في نهاية الستينات، وتمتد بعوائق تحول دون إتمامها بالزواج إلى أيام استيلاء تنظيم داعش على مدينة الرقة وإقامة ما سمته الدولة الإسلامية، بين شاب يفرز للتدريس من بلدته بانياس إلى الرقة هو «منيب» الرقاوي الأصل، وطالبته في الثانوية العامة «هفاف»؛ وتتطور القصة إلى افتراقهما، بعد أحداث حلب عام 1980 التي يصورها الكاتب حرباً مسلحة بين النظام والإخوان المسلمين، هو إلى الجزائر وهي إلى الشارقة ثم دبي، ولقائهما بعد  قراره العودة إلى الوطن إثر حرب النظام مع المتطرفين الإسلاميين، وقرارها العودة شوقاً إلى الرقة وفراتها الذي لا يمكن استبداله. يعيشان معاً لكن كخطيبين فقط، مناضلين ديمقراطيين سلميين، مع ربيع دمشق وكفاح الأب الذي يمثل التسامح باولو دالوليو. وتنتهي القصة بهبوط داعش التي تنهي هفاف، في عدائها الأول للنساء، وفي ليلها الذي تنتهي معه الموجودات سواء بصورة واقعية أو متخيلة تنهي حياة خطيبها منيب، وأخيها موسى، الديمقراطي الذي يمثل الثورة السورية السلمية وتنسيقياتها.
ويحاول الكاتب من خلال تطور شخصيتيهما، والعوائق التي تعترض حبهما، عرض تطور سوريا نفسها، تحت حكم حافظ وبشار الأسد، لكن بتركيز على نمو التطرف الديني، ومن جانب الإخوان المسلمين وفضاءاتهم تحديداً. في المقابل، يغيب دور النظام في إدارة لعبة هذا التطرف، إلا من إشارات غير واضحة، مثل ذكر بناء إيران لضريح هائل للصحابي عمار بن ياسر، وعرض آراء خلافية في تحديد حزب الله هل هو حزب طائفي متطرف أم مقاومة، وسجن غير مفسر لمنيب من قبل النظام في فترة ربيع دمشق، وإهمال لذكر أية مجزرة ارتكبها النظام بحق السوريين وهزت ضمير العالم.
بخبرته الكبيرة كروائي وناقد، ينجح سليمان في تفصيل بنية روايته الشاسعة التي أراد أن لها أن تغطي مراحل وأجيالاً لبلد شاسع التاريخ والتعقيدات مثل سوريا، وذلك بتقسيمها إلى ثلاثة أبواب؛ واتباع أسلوب الافتتاح البوليسي المشوق بفصول من زمن الخنق، تتضمن التساؤل المتابع عن خنق هفاف وأسبابه. كذلك ينتقل من هذا الفصل إلى فصول من زمن العشق، يعود فيها إلى الوراء ليحكي قصة الحب، وقصة تطوره مع تطور الأوضاع في سورية، حتى الثورة وحتى سيطرة الفصائل الإسلامية عليها وتسليم الرقة إلى داعش، التي تقتل منيب في فصول الخواتيم.
وينجح سليمان في توثيق الحياة الاجتماعية السورية، من خلال اختياره الموفق للمكان الذي يضم جميع الأعراق والديانات والمذاهب، وتتطور فيه الأحداث بما يعكس صورة جميع ما يجري في سوريا، مع سده لثغرات الموزاييك بالسفر أو الانتقال، وفقاً لما تقتضيه الحاجة. هذا فضلاَ عن توثيق المكونات الثقافية التي تؤثر في تطور الشخصيات من سينما ومسرح وصحافة وكتب وأغاني ولقاءات وندوات، سواء بأسلوب السرد المباشر للراوي، أو السرد المونولوجي النفسي، أو بعرض الرسائل واليوميات.
وينجح سليمان أيضاً في إغناء روايته بشخصيات حقيقية، تابع الإعلام المحلي والدولي أعمالها وتقصى مصائرها، مثل شخصية الأب باولو دالوليو الذي يفرد له فصلاً كاملاً يبين وقوفه مع الثورة السورية، وبثه الأمل بانتصارها، ويتابع مصير اختفائه، بتساؤلات إن كانت داعش قد سلمته إلى النظام، أو قتلته. ولا يضير هذا كثيراً الحكم الانطباعي غير الموثق بأن داعش قتلته وألقته في «الهوتة»، مقبرتها الجماعية التي تحرق فيها ضحاياها؛ مع شخصية ياسين الحاج صالح، بذكر أنه دخل الرقة سراً، ولا يضير هذا أيضاً عدم توضيح كفاحه ودوره في التنسيقيات.
لكن الكاتب يغامر في الخوض بنهر التوثيق المخاتل الذي يطيب له دائماً خلق الإشكال للروائيين؛ فليل العالم يخيم على بلد تفصح دائرة أعشابه الأخاذة عن فوهة بركان، وعن أنهار من الحمم التي تضيء ولكن لتبتلع أيضاً من لا يملك أجنحة الطيران. فعلى صعيد الأحداث، لا يجد القارئ في توثيق الكاتب لتكدس المهاجرين في الرقة، براميل النظام المتفجرة التي هجرتهم، ولا الاغتصابات البربرية للنساء وذبح النظام للأطفال بما لم يشهد التاريخ من مجازر. وعلى صعيد توثيق الإعلام، ينقص مشهد توثيق الفضائيات الطائفية التي انتشرت كالفطر، تفصيل ما يجري على الفضائيات الطائفية الشيعية بنفس ما نالته الفضائيات الطائفية السنية. وعلى صعيد الشخصيات، يغامر بارتكاب تناقض فاضح، لإيراده أسماء شخصيات حقيقية، عبر إيراد شخصيات معروفة لا يخطئ القارئ معرفته بها وبتاريخها، لكنه يغير أسماءها، فيضيع التوثيق والحقيقة، مثل شخصية صديق البطل «مطر الزغال»، التي تثير إشكالاً بالغاً بوضوح أنها شخصية الدكتور فايز الفواز، أحد قادة الحزب الشيوعي السوري ــ المكتب السياسي، الحزب الذي ضربه حافظ الأسد عام 1980، لإنهاء الحراك الذي كاد أن يقلب نظام الاستبداد إلى نظام وطني ديمقراطي. ويثير إشكالاً بوضع الكاتب له عينة لهذا الحزب، من خلال تصرفه الشخصي اللاأخلاقي الذي لا يعرف إن كان حدث، أو أنه مركب على شخصية مركبة تزيد الخلط سوءاً، وذلك بطلب خطوبته لهفاف، وهو يعلم أنها حبيبة صديقه. أو بالنفاذ من خلاله إلى تساؤل تمّ حسم بطلانه في الواقع، وهو إن كان هذا الحزب يقف مع الإخوان المسلمين، من خلال نفي زعيمه رياض الترك لهذا الاتهام، بعد إطلاق سراحه، وتحديه علناً لحافظ الأسد أن يحضر وثيقة واحدة تدعم هذا الزعم.
لكن «ليل العالم» تبقى في النهاية رواية حب جميلة، وحافلة بشخصيات بسيطة تعبر عما تحفل به سوريا من غنى وحب.

نبيل سليمان: «ليل العالم»
كتاب مجلة دبي الثقافية، 2016
461 صفحة.

رواية حب حر يكبلها التوثيق الأسير
«ليل العالم» للروائي السوري نبيل سليمان

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية